7 ـ
يعبر شارع محمد السادس، و بعده شارع المهدي بن بركة، في اتجاه حي سكناه. كانت شادية معزومة على حفل غذاء يضم نون النسوة. رفقتها في مدينة الرباط. بمطعم راقٍ بحي الرياض، التقين للاحتفال بعيد ميلاد صديقتهن البرلمانية التي توجت سنتها بهذا الانتقال من الوظيفة العمومية إلى التمثيلية النقابية داخل الغرفة الثانية في مجلس المستشارين.
نصيب السيد فحص الخالدي غذاء منفردا بالفيلا، لكنه متعدد بوقت التفرغ الذي يتيحه لجلسة ما بعد الزوال. فبعد أن أخذ دوشا و ارتدى بدلة قطنية مناسبة لتقلبات فصل الخريف الذي يكون رطبا داخل مدينة الرباط، تناول وجبته التي حضّرتها السيدة فاطمة التي تشتغل مع الأسرة لمدة وصلت إلى عشر سنوات الآن. ألِف طعامها و ذوقها و تحضيراتها، كما ألف وجودها كفرد من العائلة، رغم أنها تقضي النهار فقط و تنصرف بعد السادسة مساء في الغالب إلى حي سكناها مع عائلتها، حي التقدم بالرباط.
اختار جولته عبر مدار حديقة الفيلا. مناسبة بعد الزوال لكي يتفقد الأشجار والنباتات و الأزهار. وقف أمام شجرة اللوز و استدركها بتفحص للفروع و المحيط. واقفا و متأملا، ها هو يستحضر توجيهات صديقه المهندس الفلاحي الذي يعتبره أب هذه البناتات المنتشرة عبر زوايا حديقته. هي الآن في مرحلة راحة و سكون. تستجمع براعمها و تستعد لكي تنفتح في شهر يناير. يبتسم لنجاحه في الحفاظ عليها داخل طقس مدينة الرباط الرطب. تحدٍّ يُشعره بالقدرة على الصمود و بضرورة الصبر في مجموعة من الأمور الحياتية. لا ينسى الفلسفة التي يستفيدها من الطبيعة و الأشجار. تلك الأسرار التي تتحول إلى قيم و دروس. فكل نبات له شخصيته و مواصفات عيشه و نجاحه. له فترات زهوه ازدهاره و فترات تساقطه و ذبوله. كذلك درجات الصمود التي تحتاجها شجرة اللوز داخل مناخ و بيئة جديدة. بالجانب شجرة ليمون ما تزال تحافظ على تورّقها. أما مفضّلته في الحضور فهي تلك التي يطلّ عليها من نافذة مكتبه الخلفي، شجرة البونسيانا.
يسائل الشجر في جولته مثلما يسائل أقواسه الذهنية و ما اشتغلت به هذه الأيام. رياضة جعلها بالموازاة مع رياضة المشي التي نصحه بها الطبيب، دونما حاجة إلى إجهاد كبير. و لكن، مع ضرورة إعادة النظر في طقس كؤوسه و سجائره. عجّل بذاك. و لكن أجّل هذا. و هي مزاوجة خطرة كما نبّهه لها الطبيب كذلك. أصدر ضحكته الانفرادية التي ترجّ كتفيه و تجعل ابتسامته مُصدِرة لصوت خفيف بين الحك و الغناء. تذكر ما قرأه في جريدة هذا الصباح: ( إذا تناولت طعاما صحيا ومارست الرياضة بانتظام وامتنعت عن التدخين سوف تموت و أنت بصحة جيدة.). استغرب للمفارقة الساخرة من الحياة و التي تنتقم من خداع الموت التي بدأت تدق أصواتها مع اقتحامه لمرحلة الخمسينات من عمره.
تذكر شجرة عائلة زوجته شادية. شبّه أوراقها بأوراق الخريف. تتساقط و تتبرعم لكي تعطينا فواكه جديدة و واعدة. كأزهار و كثمار، يأتي من يقطفها أو تسّاقط لكي تنصهر مع التربة و مع عناصر حياة الطبيعة و البيئة. درس (لافوازييه) ما يزال حاضرا و مقنعا بنسبية ما: ما من شيء يضيع، و لا من شيء يخلق، الكل يتحوّل. لكنه يضحك أسى على مصير العالم في التاريخ و السياسة. يضايقه سؤال: هل طبّقوا عليه نظيته لكي يختبروها معه حينما أعدموه؟
و يفرّ من سؤال إلى آخر، لأنه لا يملك الجواب الآني أو لنه منشغل بالثاني: هل تحتاج شادية لربيع جديد حتى تنسى اشتغالها بشجرة العائلة التي تساقطت أوراقها الكبرى؟
ـ ليت جلسة التاريخ تشكّلت من علماء مختلفين في حقول عدة قبل بداية تسجيله و قراءته.
يعود لمكتبه و اشتغاله. لقد حققت جولة الحديقة و تأملاتها مبتغاها في ذاته. على الأقل، يستطيع أن يستلهم من المفارقات التي تبادرت إلى ذهنه مجموعة من الملاحظات الجديدة حول بحثه المتعدد بين تاريخ أمة و تاريخ عائلة و تاريخ ثقافة و دين. شبحه الذي يراقص مجهوله في هذه اللحظات هو امتداد القرن الثامن الميلادي و بالخصوص منتصفه الثاني، و أواسط القرن الثاني الهجري. خطّان موازيان لتناوبان على تسجيل خيوط الأحداث داخل نسيج الحكايات و محاولات التدوين.
يضع خريطة العالم أمامه فوق الطاولة. يعلّق مستأنسا بمعاتبات العمل: أصبحت مهندس خرائط يا فحص. ماذا تريد أن تفتحص فيها؟ و الله لقد جعلوك اسما على مسمى.
قلم رصاص و بيكار، و بداية رسم الدوائر: منطقة الحجاز، و منطقة النوبه المصرية، و منطقة القيروان، ثم تلمسان فطنجة. بعدها جعل سهما ملولبا و نازلا من الشمال حتى منطقة وليلي و جبل زرهون الذي احتضن إمارته و بيعته. كانت علامة الاستفهام فوق منطقة تلمسان.
هكذا شاطح زوايا الطاولة المستديرة وسط الغرفة. لم يحتج إلى إيقاع موسيقى، كانت الخريطة هي الموزعة للحركات، و كانت دندنته الصامتة هي المرافقة. إنما هي مهمة شاقة يرسمها لنفسه. يعلم بحدسه صعوبة النفاذ إلى داخل هذه العوالم المظلمة. لا يدري، هل هي متمنيات آخر العمر، خصوصا و أن صحته بدأت تنذره بقلق زاده الطبيب إزعاجا. أجاب الغائب في الحوار في مونولوغ تحوّل إلى جهر:
ـ لا تخفْ، سأموت في صحة جيدة !