Overblog Tous les blogs Top blogs Littérature, BD & Poésie
Editer l'article Suivre ce blog Administration + Créer mon blog
MENU
Le blog de mondevenir/imami hassanإمامي حسن
Le blog de mondevenir/imami hassanإمامي حسن
Menu
فرطاس الجبل ـ 2 ـ

فرطاس الجبل ـ 2 ـ

فرطاس الجبل ـ 2 ـ

بين يديه كتاب ابن أبي زرع الفاسي، ( الأنيس المطرب بروض القرطاس في أخبار ملوك المغرب و تاريخ مدينة فاس ). و ما هو مفقود كتاب آخر لنفس المؤرخ بعنوان (زهرة البستان في اخبار الزمان، وذكر الموجود مما وقع الوجود). ها هي ثقوب التاريخ التي تخرق ثوبه فلا يستقيم لحلة أو طلة أو طلعة.

جميل هذا الكتاب القائم و المقاوم لزوابع التاريخ بين مد الحفظ و جزر المحو، هو ذاك الاهتمام الذي عرفه و انتقل به مخطوطا في نسخ توزعت بين العواصم العالمية، نذكر منها باريس الفرنسية، و ليدن الهولندية، و أبسالة السويدية، وأوكسفورد الانجليزية، و زوغرباي النمساوية، و لشبونة البرتغالية، و غيرها من المدن و مراكز الترجمة و البحث الاستشراقي و التاريخي.

رحلته ابتدأت طبعا مع تأليفه في العهد المريني في القرن الثامن الهجري نهاية سنة 786 ه و الموافق لسنة 1326 م. أما رحلة الترجمة للكتاب فبدأت سنة 1693 م تقريبا بوتي دولاكرواpetits delacroix، من العربية إلى الفرنسية. وهكذا انطلقت حياة و رحلة كتاب إلى يومنا هذا، إلى ليلة تصفحه من طرف السيد فحص الخالدي.

هو تشخيص أراده السيد فحص حتى يضع الكتاب في ميزان العيون التي اطلعت عليه و الأقلام التي نقشت حروفه بين اللغات و أشكال التأثير التي قام بها أمانة أو تصحيفا...

بين مرحلة  أبي الحسن علي بن عبدالله ابن أبي زرع و المرحلة التاريخية التي يشتغل عليها بحث السيد فحص الخالدي حوالي ستة قرون. ستشكل امتدادا لأقواس استفهام حول رحلة الرواية قبل أن تصل بين يدي المؤرخ الفاسي المشهور. و بين القرن الرابع عشر الميلادي و عصرنا الحالي سبعة قرون، أربعة منها تشكل جدلا في صياغة المخطوط... لعل البداية حفر شاق يصعب ترميمه و ردمه من جديد...

و طبعا اهتمام السيد حفص بهذا الكتاب يأتي لندرة المخطوطات القديمة و لكون جل الباحثين يعتمدون عليه في دراساتهم لمرحلة الدولة الإدريسية عموما. هكذا سيكون قنديل الدخول لغمار التاريخ المظلمة بدروبها المجهولة.

ستكون هذه الدروب هي مسالك القرن الثامن الميلادي، الموافق للقرن الثاني الهجري. سيرسم السيد فحص الخالدي منطلقا أوليا يرتبط ببحثه. سيكون هو سنة 145 ه تقريبا، قبل أن نصل إلى موقعة فخ أواسط الستينيات من القرن الثاني الهجري.

 (( يرسم العلامة ابن خلدون صورة التطور التاريخي و السياسي العربي الإسلامي، فيؤكد بمثل ما أكده الذين اشتغلوا على نظريته أمثال محمد عابد الجابري، و يجعل أسباب الصراع هي العصبية القبلية. و من هنا جاءت أطروحة العصبية و الدولة عند الدكتور الجابري.

و لعل علاقة العصبية بالدولة بارزة كثيرا في نشوء الخلافات الأولى التي أدت إلى ظهور الدولة الاموية على الأقل، و إلى ظهور الدولة العباسية كذلك. فمن شجرة أنساب و أجداد تتفرع علاقات عمومة و مصاهرة و تتوسع دوائر الامتداد والانتشار، و تأتي مسارات التباعد في المصالح و اختلاف الرؤى للطريق الجديد في سياسة أو مصلحة أو سلطة نفوذ...

لقد كان الصراع في البداية و قد تجلى بين بني أمية و بني هاشم. و رغم كون منطلقه هو سياسة تدبير الدولة الإسلامية و كيفية تخطي المشاكل التي تتراكم عبئا عليها، إلا أن التكتلات تتشكل بدم قرابة و قبيلة. فالبناء العام لشخصية العربي داخل شبه الجزيرة العربية ـ و هذا ينطبق على مجموعة من بنيات العلاقات القائمة على نظام قبلي في مجتمعات أخرى غير عربية كذلك ـ  يرتبط وجدانيا وتربويا و مشاعريا ببنية القبيلة و العشيرة. كما أن البناء الاقتصادي و الأمني يحول حولها باعتبار مكان المنشأ و مناخ النمو الفردي داخله. حتى إن زاوية النظر للأمور الحياتية و فلسفة العيش و تصور معالجة القضايا اليومية و المجالية في السياسة و الاقتصاد و الفكر و الفقه و التدين، ارتباطا بالعادات و التقاليد، ستكون الموجّه لكل رأي فردي في اختياراته الجماعية...

هكذا سيتشكل الاختيار مع الصراع السياسي الأول المرتبط بالخلافة، و سيحسم الصراع لصالح بني أمية على حساب بني هاشم. كما سيلعب ذكاء التاريخ وقدريته دورهما في ظهور الدولة الأموية.

و مع المنهج الجدلي في تطور التاريخ، ستتشكل النواة النقيض أو أشكال  نوى متعددة نقيضة، و من بينها سنجد الصراع بين بني أمية و بني هاشم بشقيهما اللذين سينتقلان إلى مواجهة فيما بعد. بين بني العباس المنحدرين من العباس بن عبدالمطلب عم الرسول صلى الله عليه و سلم، و أبناء عمومتهم من العلويين المنحدرين من علي بن أبي طالب رضي الله عنه و كرم الله وجهه.

و إذا لاحظتم أن التناقض لم يظهر إلا بعد الانتهاء من نقيض خارج عن الطرفين. فبعد القضاء على بني أمية و دولتهم و خلافتهم في المشرق العربي الإسلامي، سيطرح أمر الخلافة بين أهم مكوني المعارضة التي أدارت الانقلاب و الثورة على بني أمية. كان المشترك حقا سياسيا في الخلافة لآل البيت المنحدرين من بني هاشم و بالخصوص من بيت الرسول عليه السلام و أبناء عمومته.

ستنطلق الدولة العباسية سنة 132 ه تقريبا، مُنهِية عهدا قارب القرن من الزمن للأمويين. و سنستبين شكل الصراع و تأثيره على الحركية البشرية و القبلية عموما داخل الدولة الإسلامية في مرحلة أولى في العصر العباسي الأول بين 132ه و 232ه.

هكذا سنتناول العلاقة بين العلويين و العباسيين خلال هذه المرحلة، و ستنحصر دائرة الضوء فوق خشبة المسرح السياسي على الطرفين في بزوغ الصراع وتطوره و نتائجه كذلك.

 و لا ننسَ أن كل منهج يحجب خيوط الرؤية عن زوايا أخرى متشعبة في الواقع كما في النص المنتوج. فأشكال المعارضة الخرى التي ظهرت مناوئة للحكم الأموي و استمرت مع ظهور الحكم العباسي، كان لها دور كذلك في الصراع وأنواع تحالفاته. إنما مسارنا مرتبط بظاهرة سيكو دينية، مرجعها رد فعل آل البيت ـ كما نسميهم ـ على جبروت بني أمية. كيف اخذوا الشرعية في تمثيل الآخرين سياسيا في المعارضة كما في المقاومة المسلحة. و هنا التأكيد على كون الجل من الناس يطمئن لسند تأليهي ديني للشخصية السياسية في الزعامة و القيادة. على الأقل في المرحلة التي نتحدث عنها تاريخيا.)).

كان هذا جزء من المحاضرة الثانية التي ألقاها الأستاذ فحص الخالدي على طلبته. أحالهم خلالها على مجموعة من المراجع و طرح عليهم مجموعة من الأسئلة، قبل أن يضرب لهم لقاء في الأسبوع الموالي ليومه الخميس 14 اكتوبر 2004.

 

 

 

يجلس فحص الخالدي على ضفاف نهر أبي رقراق. و يغرق بذهنه في امتداد زرقته و تموجاته الهادئة. يحدس سر الصمت الذي يسود اللحظة كما النهر. صمت لا يثق به كمعطى طبيعة. يعتبر النهر ذاكرة للمدينة و لتاريخها و أهلها. لا يدري لماذا يحمّله مسؤولية ما يجري دائما، سواء أكان أبا رقراق أو دجلة أو الفرات أو النيل او غيرها من النهار العالمية التي ارتبطت الدول بها تأسيسا و تطورا.

جلسة محارب لا يريد الاستسلام. ربما اعتبرها استراحة محارب، انتقل خلالها بين مواقع عدة مجاورة لنهر أبي رقراق. ركن سيارته أولا بموقف السيارات أسفل الملاح القديم و بوابته البحرية. عانق أول إطلالة على النهر. انتقل بعد جلسة ربع ساعة تقريبا ماشيا حتى صعد الدرج المؤدي إلى الاوداية. دخل بساتينها، وحيى ظلال و أطلال الدول التي صنعت تاريخها، و بحث عن مقهاها لكي يتناول بين الخلق الزائر كأس شاي في إطلالة برجية على النهر والبحر.

آخر مرة كان مجيئه إلى هذه المقهى رافقته فيه عائلته الصغيرة شادية و رانيا. يدندن مع إيقاع الطرب الأندلسي مبعدا كل دوائر تفكير جديدة محللة و مركبة أو رابطة لعلاقات استفهامية أو غيرها. هو الحنين الذي شرد به بعيدا عن الحاضر. يتذكر ذلك الاسم و تلك الابتسامة. يسأل نفسه إن كان عطر السيدة الأجنبية الجالسة بجواره مع صديقها هو سبب هذا الاستحضار أم هي هذه الموسيقى الأندلسية بموشحاتها التي غناها لرفقته الأوروبية ذات مساء عابر بالقصبة. أكيد أنه نفس العطر الذي كان يعانقه سفرا عشقيا مع صديقته الفرنسية شارلوت أيام زمان، لكن الموشح يغري بالرقص هذا اليوم كذلك، رغم أن التوقيت ليس بعشي يحضّر لمساء طرب و عشق و عناق.

يراقص كلمات الموشح بذهنه. يكتفي بحركات قيّدها ظرف المكان و الزمان والمقام. ودّ لو يرقص رغم أن مرحلته العمرية لا تسمح له بحماقات شبيهة. راودته حسرة تلوم ثقافةً تخندق جيله في جدية مطلوبة و تحرمه من حقه في مرح صبا يسكن دواخله و دواخل كل إنسان مهما بلغت مرحلته من عمر أو شاخ في سنّ ما:

 

يا شمس العشية أمهل لا تغيبي بالله رفقا

هيجتي ما بي حتى زدتني في القلب شوقا

ترفق علي إني بالمليح قد زدت عشقا

بالواد المذهب
في الواد المذهب

و وجه المليح مثل الثريا

و الساقي مؤدب

يسقي بالأواني البندقية

صففوا القطع وزيدوا نغنم هذه العشية

كلنا كأسه في يده نغتنم ساعة هنية

والمليح قلبي يريده ينشرح بين يدي

و القاطع بيني و بينه

و العدم تصنع تواشي

قربوا حِبي إلي و اعطفوا عطف الحواشي

 

حوارية عشق و طرب بحث عنها في فضاء مقهى الوداية و وجدها. على الأقل أنه نجح في هذا الكسب. أطرب و أسكر فؤاده. انعش ذاكرته. راقص مخيلته. شارلوت ما تزال ساكنة حيوية شوقه الدفين. ما تزال الخلايا تروض وضعه مع كل تذكر وحنين. برقت عيناه ثمالة فرح، و كان كأس الشاي ينوب بحلاوة سكره و نعناعه عن كأسه الصفراء و المعتقة بصافي مستخلصات الأعشاب الساحرة التي تركها تستريح منه لبضعة أيام.

نصيحة الطبيب حذّرت من الاستمرار في تناول هذا النوع القاسي من الكحول. فكل جيد مميت، لا في تدخين السجائر و لا في شرب الكؤوس المعتقة.

يجول ببصره بين زوايا المكان. لا أحد فطن لتذكره. يبتسم تلقيا لكل نظر يصادفه و يقابله، مسجّلا بذلك براءة لعبته. يغمض عينيه في رحلة خالدة تسجل في الذاكرة ما يجب أن يمّحي. لا أحد يترك الخلود. لا أحد يخلّد الأثر. لماذا يفنى الواحد منا في الأثر حتى يصبح خالدا؟ هكذا ساءل نفسه متفلسفا. استحضر في مرافعة العاشق الذي يموت ولعا متيما، أو المدمن الذي يسافر مع آخر جرعة قاتلة.

جرحه الوجودي الذي أخذ ينقله في خلوة متكررة في كل مناسبة متاحة. لا يريد لآخرين أن يشعروا به فيه، لذلك كانت صبحيته و تجواله هذا اليوم ما دام العدم يختار له الرحلة الفردية في الممات.

رقصة الفناء هي. لا. يسجل الرفض للجواب. ما يزال راغبا في حياة. لمن يسترك فاتنته رانيا؟ للألم؟ لمن سيترك رفيقة دربه و روحه شادية، و قد أحبها خالصا من كل السوابق و مخلصا في كل الآتي من دروب المشاعر؟ سيفكر في طريقة للتخلص من عادة الشرب و التدخين. لكن، ليس الآن. متى؟ لم يجب نفسه في هذا المونولوغ المباغت.

يقف في إطلالة على بوابة البحر الذي يصب فيها نهر أبي رقراق. بدا له غريبا في لحظته، كتوما عن الحقائق كما عادته. نفسية فحص الخالدي كذلك اغتربت عنه في نظرتها. أبعدت الشعور الرومانسي الذي تستدعيه اللحظة. استراحت المسامع من مقامات متسارعة لأغنية اندلسية موالية، لكن ذلك الهدوء المؤقت الذي رافق وقفته هاته كبّله باشتغاله الذهني مع مشروع تدريسه الجامعي و بحثه الهوياتي المرتبط بشادية و مقاومتها لتقدم العمر و تهديداته لأنوثتتها ربما. ساءل البحر البعيد: مجال رؤيتك قرصنة و مقاومة بين مدّ و جزر تاريخيين، و مجال رؤيتي بساط تاريخ طويض و تمّ لفّه في زاوية، مطلوب مني أن أبسطه و أمدّه من جديد و أنقش زخرفته حتى تلمع و تبدو.

بقدر الجرح بقدر البلسم. هكذا كان يردّ على أصدقائه في شعبة التاريخ بكلية الآداب:

ـ إذا نظرنا إلى الواقع المعيش و الأحداث السياسية بين السلم و الحرب، والصراعات القائمة اليوم، فإننا نعيش سلاما مع الموتى التاريخيين في الماضي. أما إذا اشتغلنا على التاريخ الراهن، فسنكون محور صراع داخلي بين العقل والوجدان. لا يمكن للذات أن تتخلّص من ارتباطها بقضايا عصرها فتكون موضوعية مجرّدة في تحليلها و ملاحظاتها و دراساتها.

يربت أحد أصدقائه و الأستاذ بشعبة التاريخ كذلك على كتف المتحدث حكمة السيد فحص الخالدي، و يهمس له في أذنه موقّعا قدر ارتمائه في وغى التاريخ كعضو مشارك:

ـ اسمك فحص من الافتحاص، و الخالدي من الاستمرار في مسايرة تاريخ هذا الافتحاص. قدرك و قدرنا صديقي العزيز.

يبتسم لهذا البوح المتجدد، و الاعتراف المفروض على سنة الحياة و العمل والبحث. لا تسمع الجماعة المجاورة سوى ذلك الرد المألوف:

ـ و الله إن قولك لصواب مائة في المائة.