Overblog Tous les blogs Top blogs Littérature, BD & Poésie
Editer l'article Suivre ce blog Administration + Créer mon blog
MENU
Le blog de mondevenir/imami hassanإمامي حسن
Le blog de mondevenir/imami hassanإمامي حسن
Menu
فرطاس الجبل ـ 1 ـ

فرطاس الجبل ـ 1 ـ

فرطاس الجبل ـ 1 ـ

 

ـ ((بين بني هاشم و بني أمية تاريخ ممتد في الصحراء كما في الحياة و التاريخ. وكما سيعرف تاريخ الإنسانية انطلاق فجر جديد لديانة سماوية أصبحت عالمية بحكم كونية مشروعها الذي يمتد هو كذلك في الفكر البشري و الوجدان الإنساني، فإن ارتباط جدل الصراع بين الطائفتين، الأموية و الهاشمية، هو ارتباط التنافس على تسيير المجال و تنظيم تجارته و وظيفته.

سنحصر دائرة الرؤية لكي نتحدث عن شبه الجزيرة العربية و عن منطقة الحجاز و عن مكة و دائرتها أولا، قبل أن نتحدث عن اتساع الدائرة مع اتساع النفوذ السياسي جغرافيا إن داخل شبه الجزيرة أو خارجها كما سيأتي مع الأحداث والشخصيات.))

كانت هذه مداخلة الدكتور فحص الخالدي و هو يتحدث عن مشروعه الفكري والتاريخي الذي ابتدأ به السنة الجامعية الجديدة ( 2004/2005 ) مع طلبته و مع الباحثين في تاريخ الجدل المتفاعل في الزمان و المكان. رغم أن اختياره لهذا المحور و هذا التجريب قد عرف لغطا و صخبا و اعتراضا و سخطا، إلا أنه كان مصمما على نهجه و اختباره. و قد عمِلتْ مؤشرات الحضور الطلابي لمحاضراته و متابعته في منشوراته و دوريات مجلته التاريخية ( مدائن الحياة ) على دعم ثقة إدارة الكلية و الجامعة و موافقة كبار الأساتذة الجامعيين على توأمة الاشتغال داخل مؤسساتهم بالأردن كما الكويت و اليبيا...

ـ (( تعلمنا نظرة بعين واحدة، حجبت عنّا زوايا في الرؤية و تعرف الحقيقة. طبعا هذه عادة الأنظمة في كتابة تاريخها و محو سابقها و إخضاع قارئها وَرعيتها.))حينما انتهى من تلفظ هذه العبارة اهتزت جنبات المدرج بالكلية بشعارات طلابية ألهبت و أشعلت الحماس في أعين الطلبة الجدد الذين سيكتشفون و يكتشفون عالما ساحرا جديدا كله حيوية و أفكار جديدة.

علينا أن نتعلم من سيرة الكبار، ان نمزج بين خيال فصولنا و النقش في تربة التاريخ الذي نريد معرفته. أنصحكم بقراءة درس تاريخ القرون الوسطى عند المؤرخ والروائي ( أمبرتو إيكو ). لن أخفيكم سرا إذا أكدت لكم علاقة الأدب بالتاريخ و الدراسات التاريخية. فالأدب هو قاع المحيط الذي يحتوي أسرار السفن وكنوزها. حتى إذا همّ قراصنةُ أو غزاةُ تدميرٍ أو حراسُ عقولٍ على اكتشاف ثروة أو نهبها أو أخذها، لجأ الأدباء إلى أدبهم لدفن سرّهم و كنوزهم و تشكيل الحقيقة داخل محارات مغلقة. و لا أخفيكم سرا، فأقول : حتى الأدباء، فيهم الملائكة و فيهم الشياطين.

سأحرّركم من المرجعيات لكي نتكلم صراحة بعقولنا و أقواس استفهامنا حتى نخترق القلاع المغلقة للعقل و لدهاليز التاريخ.

مرحبا بكم في عامكم المنشطر بين 2004 و 2005.

 

 


يجلس على مكتبه الخشبي العريض. يقسّم نظراته بين رفوف الكتب المطلة عليه من فوق إطار نظارتيه و بين الأوراق البيضاء التي بقيت عليها آثار برّاية قلم الرصاص الذي قام للتو ببَرْيِه. يبتسم من تحت ظل شاربيه اللذين اصفرّا من أثر سجائره الحارقة التي يشعل بها غابة أفكاره و شجرة رئتيه. و بين الخياشيم يزأر الحرف و يشتكي من تقليبات تسجيله للمواضيع على سطح صحفه. تشتكي الممحاة كبيرة الحجم التي يضعها بجانب قلم الرصاص. يحاورهما هما الاثنين:

ـ أنتما أداة التاريخ لا محالة. و أنتما جنودي و رفقتي في كتابته.

داخل منزل سكنى عائلته الصغيرة، المشكّلة من زوجته ( شادية ) و ابنته ( رانيا)، اختار غرفته و مكتبه و خلوته مطلّةً على الحديقة الخلفية للفيلا، معانقة بنافذتها الكبيرة لشجرة البونسيانا التي أوصى صديقه المهندس الزراعي لكي يحضرها له خصيصا و يسهر على نجاح نموها و تأقلمها مع ساحة الحديقة الخلفية.

نبّهه عمر التلمساني، و صديقه المهندس، من تأثيرها على محيطها و طبيعتها العدوانية رغم قدرتها على التأقلم الخارقة. مدح له ظلها الكثيف، لكنه في الآن حذّره من عدم سماحها لنمو أنواع أخرى تحت هذا الظل.

أعجبه التحذير و سحره. لقد وجدتها. هكذا كانت صرخته و هو يسمع بتأنّ لصديقه المهندس: نعم. لقد وجدتها. هي تفاحتي الآنية. تفاحة التاريخ الذي سقطت منه بوصلته فلم يعد له سير أمامي. فرطاس يأتي على الأخضر و اليابس. ( البونسيانا) وفية لمنطق التاريخ البشري. ستكون مطلة على غرفة مكتبي و منها أطل على قانون التاريخ كما الطبيعة. كلانا سيكتب تاريخا جديدا بين القوة و ظلها، الحقيقة وكواليسها.

يبتسم المهندس عمر و هو يقرع مع صديقه الجامعي فحص الخالدي كأس الويسكي الممزوج بمثلجات تطفئ لهيب كحوله الحارق. يعجب لتداخل حقولهما بهذا الشكل الغرائبي. يصيخ السمع لحديث الطبيعة مثل التاريخ. كلاهما يتبادلان بشكل خفي هذا التأثير و التأثر. يغلفانه بمنطق الحياة المعاصرة و بنجاحهما المهني و بصداقتهما التي تطورت لأزيد من خمسة عشر سنة.

بطرف عينه اليسرى و بلمحة خاطفة يلتقط إطلالة شجرة البونسيانا على غرفته. يحيي ألوانها الزاهية. يشعر بحدسه هو الآخر أنها تحييه و تشكره على جعلها سفيرة آتية من وطنها الأصلي مدغشقر لكي تؤثث فضاء حديقته. يحاورها فجأة: لابد لي من حضورك و إلهامك. و لا بد لي من أدب الخيال و خيال الأدب بحضرتك. ستساعدينني على الغوص في منهج تاريخي جديد و كتابة جديدة. أية تربة ستحفرين فيها؟ و أية عناصر عضوية ستتغذين بها؟ أنبتي زهرتك خلودا وَلمعانا و لي أن أنبت بنات أفكاري، أن أهديها لرانيتي العزيزة و أجعلها تختار لون غلاف الكتاب الجديد.

طوبى لك أيها التاريخ بهذا الصمت الذي يريحك من الزوابع. و ويل لي أنا بهذه العواصف التي تلحفني و تحرق صفحة وجهي.

 

 

للمرة الألف يستغرب من كنزه المعرفي الذي ينام بجواره و يسكن قلبه كما يتقاسم أنفاسه و رانيته، حبيبته الغالية التي يخلق بها نار الغيرة و يوقد بها حطب الاشتهاء. تلك لعبته التي يسعَد بها مع ابنته و وزوجته.

قد يسمع الاحتجاج بدرجات متفاوتة، فيطلب المزيد:

ـ حبيبتي شادية، يا عيني فؤادي. تعلمين أنني أحببتك فتحوّل فضاء سمري الليلي إلى سماك و سباحتي أصبحت نهر عينيك العسليتين.

ـ و أنت حوّلت نهر سباحتك لابنتك رانية. أصبح اليوميّ بينكما حوار و خروجا وعناقا أبويا أهملتما فيه شجرة حياتكما.

ـ رانيا !... تعاليْ يا حلوتي الغالية.  هذه ماما تشتكي منا نحن الاثنين.

ـ سأقطفها حلوة عسلية كما العادة. لا تخفْ بابا. هي حلوتي و نور قلبي.

تغطس شادية في مجلتها النسائية الجديدة. تتصفّح العناوين التي ستثيرها، و تنتظر من الطرفين مزيدا من أدائهما. تسترخي فوق أريكتها المفضلة في الجلوس، الناعمة بثوبها الوبري و لونها الفستقي الشفاف. المزهرية تضمنّت هذا المساء ثلاث وردات كما المعتاد لها. انتقتهما الخادمة من السوق المركزي بِعيدان قويمة خضراء. بين ألوان تحت الطلب، كان الخزامي و الأحمر القاني و الأصفر الشفيف، ما يؤثث البصر الذي يراقص فضاء جلسة الصالون الرئيسي المقسَّم لثلاث مرافق في الجلوس.

في الزاوية اليسرى من الدخول من باب الفيلا الداخلي، بعد المرور خطوات عبر ووسط الحديقة، تفرّقت جلسة الثلاثة في مشهد مألوف لهم. شادية في أريكتها وشايها الإنجليزي المفضل من أجل الاسترخاء. رانيا في مسافة و قد فضّلت جلسة الفوتوي البني بالقرب من الموقد العصري الذي يشتعل أنوارا في فصل الربيع الأخضر. أما السيد فحص الخالدي، فقد استوى في جلسة قريبة من النافذة. اتخذ لاشتغاله كتابا في التاريخ، بدأه مؤخرا في القراءة و الاطلاع. هذه المرة، لم تكن شجرة البونسيانا هي المطلة عليه من إطار النافذة. كانت شجرة اللوز هي الواقفة بجذعها و فروعها، و الموحية بضرورة التهيؤ لفصل خريف و شتاء قبل أن تعد أيا كان بزهر و ثمر جديدين.

يتذكر صديقه أستاذ اللغة الفرنسية و آدابها، و الذي يشتغل على ترجمة قصائد الشاعر محمود درويش إلى اللغة الفرنسية. يحار من أوصاف الشعر التي تخترق الوجدان فتحل حقيقة بدل حقيقة. قد تتعسف على الواقع فتوقعه في معركة الاستسلام لصورتها الساحرة. كيف يلجا الشاعر إلى البلاغة بدل الموسوعة. وكيف يرتمي عشقا كذات داخل اللغة. و كيف يكون هو الصدى و اللوز ضحكة مائية شفيفة نبتت على أغصان من خفر الندى...

تطربه هذه الصور بقدر ما تطربه رائحة الكأس المعتقة و المتحللة بين نار باردة وثلج صاخب. كان تعليق فحص الخالدي هذا حول قصيدة درويش، مدخل صديقه المترجم و مُعتمَدَه في بناء إنجازه باللغة الفرنسية:

Pour te décrire, o fleurs d’amandes

Aucune encyclopédie ne me sera en aide

Je serais dans un filet rhétorique

Blessant le sens en le vantant

Comme un masculin se professant devant son féminin

Comment s’irradiera t  il dans ma langue

Et comment le fera t il tant que je suis son écho ?

Cette fleur d’amandes florissante

 transparente comme un sourire dans l’eau

sur une branche, piqué de rosée

léger, léger, comme une phrase musicale blanche.

لوصف زهر اللوز، لا موسوعةُ الأزهار تسعفني، 

ولا القاموسُ يسعفني ..

سيخطفني الكلام إلى أَحابيل البلاغةِ ،

والبلاغَةُ تجرح المعنى وتمدح جُرْحَهُ،

كمذكَّرٍ يُمْلي على الأُنثى مشاعرها 

فكيف يشعُّ زهر اللوز في لغتي أَنا

وأنا الصدى؟

وَهُوَ الشفيفُ كضحكة مائية نبتت

على الأغصان من خَفَر الندى

وَهُوُ الخفيفُ كجملةٍ بيضاءَ موسيقيّةٍ

 

يسود الصمت لبضع دقائق، فينغمس كلّ في استراق المدة لمهامّه و قراءاته. يخترق هذا الصمت كل مرة فاصل تذكير أو معلومة أو خبر طفا من فوق سطح الذاكرة. فرصة لتجميع مطالب الحياة العائلية اليومية و برامج أفرادها و اهتماماتها أو أنشطتها الشخصية. قد تمرّ بسرعة أوامر متبادلة في التزامات أو وعود معطية، فيتم التنبيه الخاطف إلى تأكيدها أو الشكر على استحضارها.

اختارت شادية لجلسة الصالون الرئيسية أثاثا تقليديا مغربيا جعلت خشبه منقوشا ومزخرفا في لون بني داكن. كان السقف كذلك يأخذ حلة زخرفة الطاولة ومرفقاتها الستة الموزعة بين أركان الجلسة المغربية بامتياز. من بعيد في جلستها، تسترق النظر للوحة الخنجر المشكلّة لديكور الحائط. تفتحص مدى استقامة تعليقها و مدى تناسق الألوان و حفاظها على نضارتها في كل صغيرة و كبيرة.

ـ هل من جديد شادية؟

ـ مثلا؟

ـ أراك أمعنت النظر في الصالون أو اللوحة.

ـ لا تخف على لوحتك. اشتقت لفراش وبري تقليدي بالأصفر و الأزرق. ( موبّرا ) تقليدية لم يعد يضاهيها في هذا الجديد لا في جودتها و لا في أصالتها شيء.

ـ لا تنسيْ أن الديكور سيختلّ في منظره عموما... ألا توافقينني الرأي يا رانيا؟

ـ طبعا ابنتك لن تخالفك رأيا. سأكون أنا المخالفة.

ـ بالعكس ماما. رأيك صواب. أنا سأطلب تغيير الفيلا، حتى نقترب من الأوفشور اللعين الذي أصبح أخطبوطا في العمل و في مسافة الوصول إليه. المشكل أنه محاط بمجال طبيعة و غابة، بعيد عن الخلق كأننا كائنات فضائية غريبة نشتغل في خلية فوق القمر أو المريخ.

ـ ههه... قريبا يا بنيتي ستلتحقين ببيت زوجيتك و تنسيْ ماما المسكينة في هذه الفيلا الموحشة بدونك.

بقدر الابتسامة و فرح الكلام بقدر الحنين و الاشتياق المختلط بين ما ستعانقه و ما ستفتقده. تقوم رانيا من جلستها في لباسها الوردي الحريري و بابوشها المنفوش والمزخرف بعيني أرنبة جاحظتين. تمرر ذراعيها بين كتفي حبيبتها و صدرها:

ـ ماما حبيبتي، إذا أردتني ان أبقى معك على طول، فأنا لا أمانع. ما رأيك؟

ـ كلّ و قسمته حبيبتي. سأشتاق إليك كل لحظة. لا أتصوّر بنتي بعيدة عنّي و لو بمترين. البابا مشغول بكتبه و أنا منذ استقلت من العمل بتقاعد نسبي أشعر بملل ورتابة.

ـ ما رأيك بابا؟

ـ حبيبتي رانيا. سنسافر الشهر المقبل أنا و ماما الغالية إلى القاهرة، و ستنسى كل ملل إن شاء الله.

ـ و لم تفكّرا في ابنتكما الحبيبة في عزمها على السفر معكما؟

ـ تعلمين أنه عمل. ندوة تاريخية و الحجز لشخصين في الدعوة. إنما أعدك أنه بمتم شهر يوليوز المقبل سنحضّر لسفر ثلاثي مشترك. لِمَ لا، رباعي إذا أمكن.

ـ بابا ! لا أحب سياستك في الكلام و لا في التاريخ. اتركْ لي بابا بدون كلام سياسة.

تبتسم شادية منتصرة لانتزاعها اختلافا متدللا وغنجا بين العزيزين على قلبها: زوجها و ابنتها، و ترتمي في صفحة مقال من مجلتها يتناول موضوع أنواع العطر و العلاج النفسي عند المرأة.

 

 

يستغرب السيد فحص الخالدي لهذه الوثيقة الورقية الملفوفة الجديدة و الموضوعة فوق مكتبه. طلب مستعجل و غريب من شادية سليمان. هذا الاسم الذي يحمل بذور تاريخ مشرقي، يحتاج إلى سقاية تاريخية. يوم تزوّجا لم تطرح مسألة البحث عن شجرة انتساب. يتساءل حول سرّ هذا العطش الجديد الذي أصبح يظمئ الجل من الذين يحيطون به أو من طرف الباحثين و الدراسين. يستنتج كل مرة و بنسبية حذرة هذا التنامي فيبحث له عن تفسير، سواء في مناقشاته أو محاضراته.

يسائل جيله الذي عاش أوج مراحله الثقافية التحررية: لماذا بحثنا نحن عن انفصال، و ها هم أو ها نحن الآن نبحث عن اتصال؟

حتى شادية لم تنجُ من داء البحث. أ هو داء أم دواء؟

بالنسبة للأستاذ فحص الخالدي، فقد كان لا هذا و لا ذاك. كان محنة و شقاوة سؤال في التاريخ. استغرب معه لجهله المركب في الموضوع:

ـ أعلم انتماءكم لشجرة أنساب إدريسية عموما. لم نفصّل يوما في الموضوع، و لم نحتجْ إلى ذلك يوما. لكن هذه الشجرة. أوووف ما أغربها. كأنها شجرة المعرفة المحرمة التي نُهيَ آدم و حواء عن الاقتراب منها. قولي لي: ماذا تريدين منها؟ أوَ تعلمين لقد مزّقتْ صفحات تاريخ كتبتها، و دعتْني لكتابة جديدة. أنا أعلم أنني تكفيني شاديتي. فما حاجتي إلى تاريخ يشطر الذاكرة؟

ـ تلك مهمتك و شغلك. كم من الشجرات و من القبائل و العشائر شرّحتها بحثا وتفصيلا. إنما لا تعبث بشجرتي أرجوك. اهتم و اعتنِ بها عنايتك بالبونسيانا وبشجرة اللوز الجميلة. يعجبني ما تصفني به و تجعلني معه في بهاء زهرات اللوز. حبّبت لي قصائد درويش من خلالها حتى أصبحت مدمنة عليها سقاية لفؤادي. آه منك و من تعب رجائك. لماذا تكون متمنعا في تلبية طلبي و منتظرا دائما أن اكون أنا المبادرة حتى في الفراش؟

ـ حبيبتي. ستكونين أنت الشمس و أنا القمر. ما رأيك؟ أنت الطاقة الحرارية المشعة و التي تبعث الدفء و أنا القمر الذي ينبعث ضياء بنور أشعتك و يستدير في مدارك. حركتي من حركتك، و ضيائي من ضيائك. لن أعلو على مقامك في العشق و الاشتياق.

ـ حيّرتني. لا أعلم إن كنت تزوجت رجل تاريخ أم شاعرا مجنونا ؟ لكن جنونك... أتعلمْ؟ جميل جدا. أحبه فيك دائما.

ـ الحمد لله.

 

 

 

اختار ليلته لكي يتفرغ لبحثه في الموضوع. توازنٌ ألِفه الإثنان. يوم تزوجته شادية كان عربون العهد بينهما كتابا أهداه لها:

ـ هذه بلِيتي حبيبتي. عليك أن تقبليها شريكة لك مع زوجك الذي اخترتيه بجنونه العاشق.

مرت خمس و عشرون سنة الآن على هذا الزواج. قرع قلمه الباركر على حافة الكأس المستديرة. أمامه صورة زواجهما الأولى. ابتسامتان عريضتان بانت معها أسنانها منضدة لا كسس فيها و لا ثعل. كان شاربه يغطي تعبيره هو. كم لامته على هذا الإخفاء، و كم توعّدت ذلك الشارب بالإقصاء. كل مرة يوخزها كإبر أو شوك بري موحش. الآن، مرت السنون و ألفت معاركهما هذا الحضور و التعايش.

تسلّل من فراش النوم بعد معاشرة حميمية اشتاقا إليها منذ أيام. انشغالات الأسابيع الماضية حالت دون هذه الخلوة. كما حالت دون الشروع في طلبها و تنقيبها المرغوب. الآن، و بعد أن استفاد من قيلولة لِما بعد الزوال، عوّض بها تعب الليالي السالفة، ها هو يختلي في جلسة سمر داخل غرفة مكتبه و مع وثيقة زوجته شادية. تريد منه أن يفتح طريقا بين جذور الشجرة توثيقا زمنيا و حدثيا يزرع الحياة في فروعها و في وجدانها الذي بدأ يملّ من رتابة الحياة و الشعور بالقنوط من غياب الجديد.

كان بحثه الجامعي يوم كان طالبا، هذا الموضوع في الاشتغال حول صدر الإسلام و امتدادات التحالفات القبلية داخله و تأثيرها على المواقف السياسية المتخذة داخل الدولة الإسلامية. لكن انتقاله بعد نيله لديبلوم الدراسات المعمقة في بداية الثمانينيات من القرن العشرين، جعله يشتغل على التاريخ الحديث و المعاصر. الآن، ها هو العود، و العود ميمون و ليس بالأبدي كما أثاره نيتشه، يريد ان ييجعلها رياضة مع الذاكرة و حنينا مع أفكار الشباب و موجة التحرر التي انطلقت بالنبش في التراث و تقويمه و محاكمته. كم آخذ نفسه بعد ذلك على تجنيه على هذا التراث في محاكمته بقانون عصر ليس بعصره و إسقاطات مرحلة ليست بتلك التي أنتجته. ذلك كان سبب انتقاله لحقب أخرى في الاشتغال و الدراسة و التدريس الجامعي.

من أجل شادية، سيكون هذا الدخول الجامعي متقاطعا بين رغبته في النبش الجديد في مرحلة تاريخية للدولة الإسلامية و امتدادها للغرب الإسلامي، تقاطعا مع الدراسات السوسيو تاريخية التي اختارت الحفر في تاريخ القبائل المغربية وتلوناتها الثقافية بين العربية و الأمازيغية، ثقافة و لغة.

هو المدّ الجديد، لابد له أن يبصم فيه و يترك أثره و استنتاجه مرافقا للجيل الجديد الذي يتفاعل معه داخل مدرجات كلية الآداب بمدينة الرباط. و لكن، لا أحد يعلم سرّ هذا التوفيق في اختيار الاشتغال بين الذاتي و الموضوعي. كيف إنه جعل محاضرته الأولى مفتتحة مع العهد الجديد للدولة و الحضارة الإسلامية، و كيف إنه جعل في لائحة الانتظار فوق مكتبه طلب زوجته في البحث داخل شجرة عائلتها السليمانية.

في الرواية الشفهية التي أصبحت لازمة حوار يومي داخل فضاء جلستهما العائلية الصغيرة و الكبيرة، أصبح التوجه شرقا للبحث و التنقيب عن أبناء عمومة مفترضين في إقليم جغرافي بعيد عن العاصمة الرباط. أصبح الحديث عن مدينة تلمسان الجزائرية، خصوصا بعد وفاة أم شادية المحزنة و الأليمة. وفاة جاءت بعد معاناة مع مرض السرطان و مع استئصال ثديها الأيسر و تفاقم تبعات العمليات الجراحية المتعاقبة و المتسلسلة. كان الألم متقاسما بين الأم و ابنتها. و كان الاستحضار احتضارا، كأن الخلود يكون بالذاكرة و ما استحضرت، و بالقديم و ما حضر.

أمي الصافية السليمانية، زوجة أبي المعطي السليماني، بنت عمه و وارثة ذكراه وذكرى العائلة الكبيرة. كانت آخر العنقود داخل أسرتها الكبيرة الممتدة بين مدن مغربية متعددة كمولاي إدريس زرهون و مكناس و الخميسات و تازة و تلمسان وغيرها... هي من كان يلمّ شمل العائلة و صلات الرحم و زيارات أولاد العمومة. هي أم الأجيال الثلاثة التي عانقت حضنها و حنانها و رواياتها حول شجرة العائلة وتاريخيتها و شرفها. الآن تريد شادية أن ترد جميلا و معروفا لأمها المتوفاة، المرحومة أمي الصافية السليمانية. هاته التي استطاعت أن تنتزع اللقب لذاتها كأنثى فتوصف بالسليمانية ضدا في رجال العائلة الذين تراخوا في مهمة الحفاظ على شجرة العائلة أو الذين تزوجوا من خارجها فذابت خصوصياتهم مع نسيج المجتمع المغربي و ربما حتى مع غيره من المجتمعات.

بجانب من غرفة مكتبه، و بعض الأحيان بعد تسجيل طلبيته، يكون (الشاريوه) معدا بقوامه و عدّته الخاصة بجلسة الشراب الذي يختاره من قبو الفيلا.

ـ هذه الليلة لي. أو هي عليّ. كلتا الحالتين أنا فيهما.

فعلا، ارتاح في يوم أحده هذا. نامت شادية و تفرّغ هو لسمره و كتابته. لحدّ الآن ما يزال يحافظ على التوازن بين انزياحاته الزمنية داخل عالم مكتبه بعيدا عن عوالم الحياة الأسرية اليومية. تكفيه الخمس ساعات للنوم يوميا. ألِفها منذ حياته الجامعية. حتى في شهر رمضان الذي تنقلب فيه موازين النوم داخل المجتمع، يبقى فحص الخالدي على عهده مع الاستيقاظ الباكر بعد انقضاء ساعات نومه الخمسة. تنام شادية في القيلولة، فيكون هو في مكتبه. تذهب للنوم في الحادية عشرة ليلا، فيتسلّل من الفراش شاردا إلى مكتبه و جنون قراءاته و بحوثه. قد يستيقظ باكرا، فيكون الكل في غرق النوم و دفء فراشه. هذا توازنه الذي يجعله سالما من تعقيدات الحياة و خلافاتها الزوجية أو الأسرية بسبب الكتاب و القراءة.

صديقه الأستاذ الجامعي في شعبة الآداب الفرنسية، السيد علي الزين، الروائي والفنان التشكيلي الذي خضرم الثقافتين الفرنسية و المغربية، درسُه النقيض الذي نبّهه مبكّرا لثمن الثقافة و البحث العلمي. عانى من مشاكل الفراق و الطلاق وتمزق الحياة الزوجية بسبب هذيانه مع الكتاب و اللوحة. فراق حِبّي كان مع زوجته. تشبثت بقرارها و رأت فيه مصلحة لأولادهما و لها، حتى لا يعيشا في صراعات و خصومات. جل وقته يقضيه في السفر للندوات و اللقاءات الفنية بين باريس و مدريد أو غيرهما من العواصم الفنية العالمية. و حينما يعود إلى المغرب، بالكاد يعاشرها و يجلس معها ليلة أو ليلتين حتى يغطس من جديد في بليته التي أصبحت نقمة على حياتهما الزوجية.

لم يرد السيد فحص الخالدي أن يقع في مشاكل شبيهة أو مماثلة. لكن التوفيق ضروري في مثل هذه الأمور. و هذه الليلة ربما يشفع له بحثه في ما طلبته شادية. فلا خوف على خواطر. بسحر ساحر ستكون ليلة مشتعلة بين لمعان مثلجات الكؤوس و الأفكار التي ستطفو على سطح الصفحات بعد ذلك الاشتعال الطبيعي الذي يعبّر عن أكبر فلسفة في الوجود.