12ـ
ـ تبارك الله على الشريف ولد المقام.
هكذا يحيي المعلّمْ محمد الخراز الحاج إبراهيم.
ـ أنت الوحيد الذي يتجرأ على هذه الطريقة و السخرية. يا لطيف من الشيطان الذي يمتلكك.
يرد عليه الحاج إبراهيم و هو يتخذ مقعده فوق كرسي خشبي صغير مدّه له المعلم محمد الخراز في ممر الشارع الذي يدخل إلى المدينة من باب الزهر من الجهة الغربية الآتية من باب الحجر.و حيث تتخذ الحِرف اصطفافها في بداية الشارع بين الحدادين و الخرازين و بعض الحرف المتفرقة بجانب مدخل الفندق الجديد، مأوى البهائم أسفلَه و مرافق و غرف للسكن في طبقته العلوية.
يختار الحاج إبراهيم من أيام الأسبوع ما يناسب من الأوقات لزيارة صديق طفولته و رفيق مجموعة الملحون، و حافظ أسراره و شجونه. ذلك أن علاقتهما تُكسر مجموعة من الثوابت. يشتركان في تناول مادة الصامت المشكلة من مادة الكيف. جرّبا فيما مضى تدخين الكيف و اكتشفا معا سيجارة فرانسيس و أشياء أخرى طواها الزمن و النسيان.
هكذا يجعلان حدودا للحكي حتى لا ينفلت اللسان.
ـ اُدع لنا آ الشريف ولد النبي، راه معك البركة ديال سيدي عبدالسلام بن مشيش، الله ينفّعنا ببركته، و ديال السلطان مولاي اليزيد الله يرحمه، صاحبك في الأمسيات و الحجايات.
ـ آ المعلم محمد، ارخف عليّ من التقشاب ديالك. أنا جيت نجلس هنا لكي أرتاح من هموم الدنيا. كلمة شريف مسؤولية و عبء ثقيل. لازمك تحرس عليها و تصبر لدورها. الآن، أنا الحاج إبراهيم الذي يجلس بجانبك. فقط. أو قلْ إبراهيم، كافية. حتى الحاج مسؤولية أخرى. إبراهيم و السلام. أو السي إبراهيم إذا أردت أن تعطينا قيمة و تكف من سخريتك.
ـ من أين نبدأ الحديث آ سي إبراهيم؟
ـ أولا، واحد كأس قهوة بالعشوب. بلدي. ينفعك في الأمعاء و مقام زوجتين. الله يكون في عونك. أنا زوجة واحدة و قهرتني. كلما دخلت للمنزل تنقض عليّ بشهوتها.
ـ هي التي تعرف لك طريق الحد من تحرمياتك. دقة المطرقة عندك بالمعاني و النقايم، و دقتها ب(المّاحْ مّاحْ)... ههه. زوينة هذه (مّاح مّاح). تليق في قصيدة ملحون.
ـ إذا نظمناها يخوّيونا البلاد آ سي إبراهيم. و لو أنك أنت شريف ما يلمسوك بشعرة. أنا الذي سألام. أظن إذا اقترحناها على المعلّْم بنسليمان تكون واجدة في ليلتها. اعطه فقط كويفة نويني و براد شاي منعنع و تفرّج.
ـ أنت قادر على كل شيء آ (مْطرَّقْ لمسامْرْ). مَنْ نظّم و غنّى قصيدة (بّطْ بّطْ)؟ أنت. و لكن أفضل. لقد ولّى زمانها. أوووووف.
ـ ما بك آ السي إبراهيم ؟
ـ أشعر بالتعب. بعض الأحيان، أحتاج إلى خلود راحة كاملة. أكون فيها إبراهيم فقط.
ـ الموت هي التي فيها الراحة. أما أنت فما مثلك أحد. مرة كن إبراهيم. و مرة كن الحاج. و أخرى الشريف. و مرة كن الحسين السلاوي.ههه...
ـ لمن تلك البلغة التي ترقع؟
ـ ديال المعلم مصطفى الفران. امرأته ترميها في الزنقة مقطعة و ممزقة، و هو يأتي بها ليرتقها. كل واحد و غرائبه.
ـ و أنت، ما هي غرائبك آ المعلم محد؟
ـ
إيييه.
غرايبي قصة الناس.
حكايا جرحها الباسْ
غرايبي لَمّة تجمع لحباب
و لمّة تجمع لصحاب
لكن الريح التي تسوط من هذه الباب
تشقّق الشنايف
و تيبّسْ الشوق و تهَرّسْ الكاسْ
شكون فينا الذي ما ضرّه وجع الراسْ؟
ياكْ الفولة في السبيب مصيدة
شكون فينا اللي بقى يقول
كل شيء لاباسْ؟
كل شيء لاباسْ
جناحْ الطير تغرّبْ بين الجبال
وأنا جناحي بين حيوط و حيطان
طرْقوا عليه
زادوا المسامر على الاغلال
ياك ما كاين باس
يا ما كاين باس؟
هذا خاطري
سوّْلوا جاري على خاطرو
ما يكون باس
ما يكون باس
ـ تبارك الله على المعلم محمد. قصيدة من قاع البئر. أو من قاع كأس القهوة؟ يمكن شي نويني فيها؟
ـ الغمام الذي يأتي آ سي إبراهيم، يحمل معه أكثر من الكيف و دوخته. واش نعمّرْ لك شي سبسي؟
ـ الله يجيب العفو آ المعلم. الله يعاونك. سأذهب لأصلي المغرب في جامع مولاي اليزيد. سأمر على تازكة من جهة باب الزهر.
ـ ستصلي عند صاحبك. لاحظت أنك مسكون به. واش جنيته حاضرة معك؟
ـ الدماغ راه عامر آ المعلم محمد. اهتم بشغلك و الله يعاونك. و لا تنس. ردّ الولهة للسانك. راه الريح يشقق الشنايف و يشرج الجوف. السلام عليكم.
بقي المعلم محمد مع استدارة بلغة المعلم مصطفى الفران. يسرجها من جوانبها، عالقا في جملة الحاج إبراهيم، مرددا لها مع نفسه، في حوار مع الذات مسموعٌ، يظنه المارّ أنه يكلم أحدا. بينما هو لا يكلم إلا نفسه. اعتاد الجل على هذه الصورة. و ظن البعض على أنها هتر. حتى إن مقربين من أصحابه يخاطبونه : مالك تهتر؟ قد يجيب بعضَهم : أنا اهتر على أيامكم. قبِلتم الكفر و سكنكم الخوف. لجامه طوقٌ لكم و كمامة. و من يكون قادرا في الرد على لسانه اللاذع، يتجرّأ بالسؤال: أنت خراز أو برادعي؟ ثم ينتظر مستملح الكلام في مسرح حياة يومي يختبر فيه اللسان أظافره لكي يخترق ثوب النفس الشفاف فيزيح عنها اختناقها داخل دواء الضحك و المرح و السخرية.
و بدأ المعلم محمد دقاته المتممة لتسوية بلغة المعلم مصطفى. تأتيه من بعيد دقات بعض الحدادة في الرصيف المقابل، في إيقاع ارتبط بعمل متأخر ما بين صلاة العصر و صلاة المغرب. زاوج الدقات الثلاثية التي يصهر بها الحدادة صفيحة بهيمة بالمطرقة و السندان و النار المتقدة، بدقاته المتسارعة بمطرقته على البلغة.
بحث داخل ذلك الطَّرْق و الطن عن دندنة يسافر بها خارج الزمن و بعيدا عن المكان، داخل وجدانه مع الكلمات التي تجاورت إيقاعا و طربا في ذهنه. سلاح ضد الرتابة و التعب و الفراغ و المجهول الذي يقف غولا و ظلا أمام الذات:
لمّة يا لمة
تجمع الاصحاب
و تخاف على القليب من الغمّة
تشعل له قنديل في تلك الظلمة
لمة يا لمة
أنا نسرج الاقدام
نثبت لها السير في الزحمة
توصل لباب الطير
و الطير يلا بغى يسكن في السما
يهز عينبه من تراب ناشف
و يسقي حلمه من عين غمامه
حاملة بالما
لمة يا لمة
أنا ذاك الطير
بدقة الخير
يصنع الحكمة
آ يا يمة
إيه يا يما
ضاقت بي هذه الغمة