10 ـ
" كان السرير مدثرا بإزار أبيض يقيه كستار مربع مما قد ينفلت من حشرات صغيرة بين شقوق الباب الكبرى للغرفة. ذلك أن البابين الصغيرين لها محكمتا الإغلاق. لكن صريرا قويا آتيا من شجيرات الرياض و متماديا في وقعه.و بينما غرقت لالة الصافية في نومتها المعتادة و العميقة، بقي الحاج إبراهيم مشوشا بألأصوات الخارجية. حتى إذا ما غفا، أتتْه ظلال سميكة حجبت عنه سقف حلْمه، و غطتْه بصوت جديد و غليظ. لقد شعر بتعرق داخل الغطاء الذي كستْه رائحة الصوف الأبيض الفائحة من الحنبل الذي جعله فوق الإزار الحريري.استشعر حافرا يدق الأرض و صهيلا يقتلع انفاسه من مكانها و صدرها :
أنت في حضرة السلطان الذي تبحث في سيرته آ الحاج إبراهيم. لماذا توقفت عن الحكي و البحث في شأنه؟
لا أجد الحكاية واحدة وترا. هي حكاياتٌ حيّرتني و جعلتني أقف متكئا على جدار الزمن أنصت لخيوطه التي تهب بها رياح الحقيقة.
و هذه الظلال التي تراها آ الحاج إبراهيم، ألا تلاحظ أنها من السلطان؟
أمر مولاي مطاع. و حكيه في صحفي و ذاكرتي و مجالس ودي. إنما ما اخافه هو غضب أبيك من سيرتك و من ذكرها. ما اخافه هو فتنة الناس في صراع الأمراء. لذلك تجدني أتريّث فيما أروي و لمن أروي.
اعلم آ الحاج إبراهيم أنني إنسان له مشاعر و عواطف. له جروح وانكسارات مثلما له مجالس أنس و سمر. التناقضات تكبر في شخصيتنا و تركب حياتنا بأقدار عائلية واجتماعية و سياسية.
اعلم آ الحاج إبراهيم أنني من أم رومية. و نفسيتي كبرت بين نظرة احترام و خوف و نظرة ازدراء و شك. المحيطون شكلوا صورتي و جعلوني بما يليق بادوارهم و مصالحهم.
اعلم آ الحاج إبراهيم أن بلاد زرهون تمتلك سحرا تاريخيا يمتد في جذور الزمن. بلاد مباركة يقف لها السلاطين إجلالا. هذه البلاد التي آوتني و شفعت لي في مقام والدي رحمه الله. بلاد عرفت زلزلة عظيمة و مات فيها خلق كثير. لكنها استطاعت ان تبعث الحياة في الباقين، و جئت أنا من بعدي جدي المولى إسماعيل أرسم لها عمرانا، و أعمّرها بشجرتكم من جبل العلميين. ذلك الجبل الذي حماني و نصرني و توّجني سلطانا و ملكا. لا تذكر فتنة الابن. و لا تُشِر إلى عقوق أو سخط أو تبرِؤ. تلك حكايا الأسر لا تخلو من كل بيت حتى و لو كانت بيوت ملوك و امراء. لا يمكنك تصور تربية بين دزينة أبناء و تعدد أمهات. كيف ستتربص أعيون المصالح بتحقيقها من خلال خيوط الأمراء. و كيف سيوجهون اهدافهم سهاما في لعبنا و سمرنا و تعليمنا. و كيف ستكون اللعبة مجرد مزحة فتنقلب إلى لون أحمر بدل راية بيضاء."
استفاق الحاج إبراهيم في عز الليل على شجن بنته الصغيرة النائمة في زاوية قريبة من سريره. هي الأخرى شاكسها حلْم و خلط صوتها مع صوته :
ـ لالة الصافية، قومي للبنت. انها منزعجة في نومها. طبطبي عليها حتى تستكين.
قامت لالة الصافية بفطرتها لحضن بنتها، بينما بقي الحاج إبراهيم فاتحا عينيه أما حاجز أبيض من الثوب منسدل من أعلى. تمثّل الحوار كما تمثّل الشخص. استغفر الله مائة مرة. لجأ للعياذ بالله من شياطين الإنس و الجن. تحوّل السهاد إلى صحو بائن و تفكير واضح. راوده سؤال، لا يدري من أين حضر في ذهنه : كيف تسكن الأرواح فؤاد الإنسان؟
قرعت هواجسه مطرقات أخرى : الزلزلة. العلج. الغيرة. السخط...
كان لجوء الحاج إبراهيم إلى النهوض و الاستحمام استعدادا لصلاة الفجر خير حل يقيه وسوسةَ و وشوشة هذا الثلث الغريب من الليل. لكنه يعلم بأن فضوله التجاري سيجره للبحث و الحوار حول الموضوع.