6 ـ
عالم ديلار الذي لا ينضب معينه شعورا بالحياة و طلبا للانتعاش، جسدُها الذي تعشقه لدرجة تقديس سري في طقوس متقنة. لن تكون هي الأولى و لا الأخيرة. إنما لكل واحدة طريقتها و توقيعها الخاص في الاهتمام بجسدها. لن تكون ثقافة واحدة، بل هي ثقافات متداخلة في تثاقف شكّل شخصيتها في مجموع المبادىء الجديدة الت آمنت بها و بنت بها فلسفة حياتها الأسرية والاجتماعية و الثقافية والمدنية.
هو عالم، لو كانت بمدينة مونتريال لاختارت له امتدادا داخل مسبح حمامها بلزوجة صابونه المعطرة. لكانت موسيقى تشايكوفسكي أو توزيعات لموسيقى بيتهوفن أو ستراوس أو غيرهما. لكنها الآن بفندق تازَوي، ستكتفي بتشغيل تلفاز الغرفة. المهم هو مصاحبة صوت موسيقي للحظات استحمامها. فكل طقس له موسيقاه و كوراله الروحي الذي يتدفق على المسامع و الحواس، وعلى مدارج الوجدان و الروح كذلك.
سيكون لنضيض الماء أولا شرف ابتداء سمفونية الصباح. ارتعاشة الجسد المخترق لشلال الدوش لحظة عري جسدي لا تضاهيها رغبات الطهارة الأخرى مرتبة و قيمة. تشعر ديلار ان لجسدها لغته التي يعبر بها و يدعو إليها جميع الأعضاء الأخرى. يستنفر الخلايا للطرب باصوات متهاوية و متصاعدة، بحروف التأوه و الواو. تختلط الجخجخة و القشقشة. هي لا تحب هذه الحروف. تجد أن للماء حروفا أرقى و أسمى تليق بمقامه التعبدي و الطهراني. فكل الديانات و أشكال التعبد تتخذ من الماء مدرجا لها أو حفلا رسميا لها في طقوسها. إسلامها علّمها قيمة الماء و التدرج في ملامسة الجسد له. علّمها وظيفته المتدرجة مع الحواس التي ستستقبل طقس الصلاة باللمس ثم الكلام و الشعور المرتبط بتنفس خاشع و السمع المردّد لتراتيل و أدعية وأطراف استعدت للتحليق في مدارج السماء حتى السماء السابعة فسدرة المنتهى. هذا الجسد لابد أن يستعد لرحلته إذن. لم يفارقها الإيمان يوما. كان أنيسها في غربتها، و رفيقها في فراغ لحظاتها. إذا كان الفراغ يقتل. فهي لها حمايتها في هذا التشكيل الوجداني و البناء الروحي الذي هو الصلاة. قد تكون صلاة متقطعة، لكنها عربون وفاء و حب و انتماء. ذلك أن الدعاء و المناجاة دائما الحضور و الشعور.
إذا انتقلت إلى الديار الآسيوية، لاحظت ذلك الاحتفال الجماهيري عند الهنود داخل مياه نهر الهندوس... حتى طقس الشفاء و نيته في بلادها المغربية مرتبطة بعيون الماء التي تتخذها قببُ الأولياء موقعا لمقاماتها. في الذاكرة تحضر زيارات أضرحة مع أمها و اسرتها بنية تبرك أو نية زيارة سياحية. لا يهم. المهم انها رسمت حافظة مذكراتها.
هل ستلومها جمعيات البيئة و كذا دينها الإسلامي على تبذيرها للماء. على الأقل تحتاج إلى عشرين دقيقة للبقاء تحت سلطة معالجته و مخاطبته لجسدها. ربما إذا كانت حصيلة محاسبة عملها الديبلوماسي و السياسي، ستكون قاسية في محاكمتها بسبب الماء. و كيف يكون عشيقُها الطبيعي الذي ليس بحلال و لاحرام سببَ محاكمتها؟ و لكن، كيف للآخرين اكتشاف سر طقسها؟ انحراف خفيف عن المبادىء لا بد منه للرجوع إلى التوازن و الحذر من غيابه. و حتى في إسلامها : خير الخطائين الثوابون. هو طريق للزيادة في الانتصار لمبادىء البيئة و الدفاع عن الطبيعة. و هذا سر مهنة السياسة بامتياز كما تستنتجه. لا بد للسياسي أن يجرب الاختراق و الممنوع و المخالف، لكي يعلم درجة الخطاب باسمه و معالجته في كلامه... تبتسم ثم تصرخ ضاحكة تحت شلال الدوش الساخن و الناعم من حماقاتها. تعلن التزاوج بين الرغبة المحرمة و المبادىء المطلوبة الالتزام. هي لحظات عريها التي تتطهر بها و تسافر من خلالها في جسد خريطتها. عتادها صابون ليس كصابون تازة كما تريد أن تمزح كل حينٍ حينَ تذكره.
شاماتها المزينة لمعالم جسدها، منها الظاهر و الباطن. و الشيء القوي هو الذي يكون له ظاهر و باطن. حتى أسماء الله الحسنى فيها ظاهر و باطن. و هي فكرة تعلم انها ممنوعة في التعبير و الوصف بها عند فقهاء الكلام و العقيدة. لكن حقها في عشقها لإلهها يجعلها تستأذنه بهذا الكلام الذي يصبح مباحا في غياب الفقهاء، حراس قلعة غير المباح.
و عيناها مغمضتان بذهن الصابون و خلال عميلة تمرير أناملها بنعومة على صفحة و تضاريس وجهها، تتخيله آخرَ حاضرا معها في شعورها، فيكونان اثنان لا ثالث لهما إلا الله خالقهما. كما تستحضرها الذاكرة في استعطاف من النسيان، و في تسلل مع نضيض و درداء الماء تحت شبكة الدوش الدافقة، و حين الرسو بسبابتها على شامتها على خدها الأيسر، تلك النكتة أو الحكمة التي اخترقت مسامعها يوما ما من طرف عشيقها في مرحلة الشباب و المراهقة، بحثا عن عذر لقُبلةٍ :
قال لها ما اسمك؟
قالت له : مكةَ.
قال لها : فدعيني أقَبّل حجرك الأسود.
تعاود التأوه مع معركة الدوش المرغوبة. تصرخ لتذكر قبولها لقُبلته، و شرطها الَأول في أولاها : فقط فوق الشامة.
لكن الجسد خارطة لها طريق و أسرار. و الاستحمام دليلها و مفتاح ولوجها. أين هي الموسيقى المرافقة؟ تذكرت فأزاحت الأفكار لكي تحضُرَ أنغام و ألحان. لِمَ لاَ. أغنية مغربية محبوبة: و الماء يجري قدامي ككأس البلار...
إنما الآن يجري بها في مسبح الذكريات و نشوة الاستحمام المعالج و المهيء ليوم جديد.
كفرح طفلة صغيرة حين الاستخلاء بدميتها في غرفة مغقلة، تدثرت بفوطات حمامها و استرخت فوق سريها ببسمات من تنتظر شوكولاته هدية من أمها : شكرا لك تازة. تحيتها الشاكرة مع وضع رأسها على وسادة سريرها في غرفة الفندق.