Overblog Tous les blogs Top blogs Littérature, BD & Poésie
Editer l'article Suivre ce blog Administration + Créer mon blog
MENU
Le blog de mondevenir/imami hassanإمامي حسن
Le blog de mondevenir/imami hassanإمامي حسن
Menu
مقبرة...عشق

مقبرة...عشق

1454698608_0131d69ebc.jpg

 

قبيل الشروق بدقائق،مع الغلس،قرر الذهاب الى جنان القرية المحيطة...فكر في مكان آمن،وجد اتجاه الجبل مناسبا..لن يره أحد في مهمته...سلك المسرب خلسة من كل لفت انتباه لانسان او حيوان... كان اعتماده على معوله الصغير الذي اشتراه ليستعمله في حديقة المنزل لأجل حش الربيع المستوحش والنباتات الطفيلية...حقيبة ظهرية مملوءة بمخزون أسراره...

المكان ربوة مرتفعة نسبيا،محجوبة عن الأنظار ،وراء زيتونة ظليلة بأغصانها المنحدرة الى درجة ملامسة اليابسة..كأنه مقام ولي مختلج مناسب لممارسة طقوس شعوذة....قبران غير بعيدين عن مكان جلوسه...شاهدان على حضوره..أولى الطيور المستيقظة بدأت في التحليق متفاجئة من هذا الحضور الغريب..اصوات متناثرة بدت آتية في الأفق من بعيد،من أرجاء مختلفة من زوايا القرية ومحيطها المتموج بالشعاب والسفوح العميقة والبساتين الخضراء...صيحات ديكة متتابعة،متجاوبة بلغة الفجر الداعي الى يوم جديد..مهمة الذكور في اعداد رحلة للدجاج والفراخ في الأكل والجنس وممارسة العيش...نهيق حمار ،ربما يخبرحميرا مارين بجانبه بحضوره ووجوده...لا حياة لمن تنادي فهي في رحلتها الشاقة اليومية تحت ظل عصا الطاعة والتحكم المهيبة في يد هذا العامل المتجه لمقلع الرمال... كلاب عائدة من ضالتها الليلية وأخرى مستعدة للخروج للرعي ومرافقة صاحب النعمة عليها الذي ألفته في الاخلاص له،إما صوب الحقول البعيدة أو صوب الغابة لجلب الحطب للأفران الموزعة بين أزقة القرية..... وصاحبنا منتظرا هدوء حاله،وهدوء هذه الأصوات المتنوعة والمتفرقة....كأنه يريد لصوته أن يبدأ بشكل لا  يلفت الانتباه معه....قبل بدء الحفر تفكر الحكايات التي ارتبطت بهذا الفعل الخارج عن مراسيم الدفن.الفتاة التي توفيت وتم حفر قبرها ليلة دفنها لأجل طقوس سحرية غريبة في فتل الكسكس بايديها...أو أولئك الفقهاء" صارعي الجن وكاتبي الحجاب الذين يوصون بدفن مكتوبهم وتعويذاتهم بجانب مقابر،حتى يبعد الشر،أو يقع بالسر،أو حتى يعتمد المدفون في كشف اسرار جديدة...كم من مرة يبعث الزبون الى الحفر بجانب نعت معين بقبر او شجرة او صخرة.. حتى اذا وجد شيئا،يؤول بكونه ثِقافه والسحر المسلط عليه.... عالم غريب تعيشه المقابر رغم أنها تبدو هادئة... رغم أن الناس غالبا ما يعلقون:ما في الراحة غير هؤلاء الموتى...أما الأحياء فهم الذين في فتنة وجحيم عيش...(اللي ماتوا ارتاحوا)... ولكن من تركهم يرتاحون...حتى هو ،هاهو قد أتى ملتجئا الى فضائهم لكي يقوم بعمليته....لم يحتج الى تعميق الحفرة،فقط ما يناسب لدفن مخبوئه الذي أخرجه من حقيبة ظهره:ألبوم صور،فستان فتاة أو امرأة،قنينة عطر نسائي شبه فارغة،خاتم رجالي دال على خطوبة او زواج.... أهذا ما في الأمر؟نعم،خاطب وحاور نفسه...سأدفنها في هذا القبر.ستكون ميتة الى ما لا نهاية....سأخرجها من حياتي..لقد ماتت الى الابد... عندما أعود إلى المنزل والحي سأكون إنسانا آخر جديدا،منفصلا عن كل ماضيِّ،سأفكر في بدء صفحة جديدة مادام كل ما ربطني بها مدفونا هنا...أحكم ردم التراب من جديد ، وضع على سطحه أحجارا ثقيلة جمعها من هنا وهناك...

عاد للقرية، عيناه لا زالتا محفرتين بجفنين مسودّين، بسبب الأرق الذي أصابه وحل به منذ ايام...بحثا عن نوم جديد وراحة بال جديدة وحياة جديدة.... تنفس الصعداء بالكاد.. سمع طرقا في الباب... وجدها واقفة أمامه ،عيناها منحنيتين،منديل في يدها تمسح به دموعا مدرفة،وغطاء راس غير منظم دال على اهمال او تشتت ذهن وفوضاه...في يدها حقيبة صغيرة كأنها تحوي ما دفنه في قبرها..لا يدري هل خرجت من القبر أم من الغيب... لم يصدق إن كانت هي أم جنية ارادت الانتقام لسكان القبور ..أم هي بغلة المقابر أتته في صورتها.. اختلطت الصور عليه حتى كاد يغمى عليه..خاف من أن يكون قد مسه جن بسبب فعلته،وربما هذا مجرد هذيان مجنون... تماوجت الصور كما تماوج جسدها أمام عينيه.. لم يكن هناك كلام متبادل...بكاء صامت وحركة مسح لدموع،وأنفاس تكاد تفجر القلب من داخل الصدر المفزوع...بين ابتسامة فرح،ونظرة لوم،وحسرة،ورغبة انتقام،ولهث أنفاس،تراجع خطوات الى الوراء ،وهرول صارخا وفاراًّ الى سطح المنزل....بينما بقيت هي واقفة أمام بابه....

فجأة سُمِع دوي سقطة من فوق السرير على الأرض،ما عرّضه لألم في ركبيتيه...وجد نفسه ملتويا في إزارته خارجا من حلم بألم،بينما هي مفزعة ،وقفت صارخة فوق السرير الذي تنام عليه قبالته:آش كاينْ؟ماذا وقع؟

اخترق الظلام والصمت والصوت المفاجىء وهلع الزوجة الصارخ،خوار البقرة من وراء جدار المنزل ونافذته،ومواء سريع للهر كأنه محتج على الإزعاج المفاجىء لسباته...

عاد إلى فراشه وإزارته لا زالت ملتفة حول رجليه وبعض ركبتيه..دون كلام،حاول النوم من جديد..

لم يعلم لماذا أتته صور اخرى مخترقة حلمه؟شعر جدته الأشعث خارجا من وراء أذنيها؟فقيه المسجد بقلمه وحرز كتابته؟ابتسامة ابيه المتجعدة الخالية من كل تعبير،هل هي تشجيع أم تنبيه؟دخان مخدر الكيف صادر من فم البقرة تحت سقيفتها؟......