Overblog Tous les blogs Top blogs Littérature, BD & Poésie
Editer l'article Suivre ce blog Administration + Créer mon blog
MENU
Le blog de mondevenir/imami hassanإمامي حسن
Le blog de mondevenir/imami hassanإمامي حسن
Menu
الزلزال لم يأت بعد

الزلزال لم يأت بعد

الزلزال لم يأت بعد

إلى روح صديق كان أخا عزيزا ورفيقا
             (سعد الشبيهي)

صيف 1987:

                               "الزلزال لم يأت بعد"

 أراد الأصدقاء ملء فراغ عطلة الصيف. اتفقوا على الالتقاء المتجدد للحوار وتبادل الآراء حول مواضيع مختلفة. كان الاقتراح في شكل عروض نلقيها بالتناوب، كل له دوره ويومه الخاص. جعلنا مكان تداولها منازلنا العائلية، إذ في كل مرة نكون شبه مدعوين عند أحد الأصدقاء في منزله. 

     كانت الساعة الثالثة بعد الزوال من يوم الجمعة من سنة 1987  في شهر يوليوز، وقد اقترب عيد الأضحى بأيام قليلة. 
    لقد كان الطقس حارا بالخارج، مما جعل الجلسة بعد زوال هذا اليوم جميلة. خصوصا وأن منزل صديقنا مكيف طبيعيا بارد في الصيف إلى درجة احتياجك للباس إضافي حين دخوله. 

  شعر الجميع بالراحة والاغتباط، فهي جلسة حوار ومناقشة وشاي وحلوى وجماعة أصدقاء. كان الموضوع الذي تكلف به أحد أصدقائنا مرتبطا بتخصصه في الجغرافيا السكانية حول ( أزمة المراكز التقليدية الصغرى). 
   كم كان رائعا أن يتناول الفرد مدينتَه بالدراسة والتحليل، وأن يستشف وعيا ومعرفة بتطورها العمراني والديمغرافي ، وبالهجرة منها وإليها. 

 انجذب الجميع إلى الإصغاء ثم التدخل والمناقشة التي حمي وطيسها، والتي تربى أصحابها على حلقيات النقاش الجامعية بتنظيم التدخلات ونقط النظام وكلمات الرفاق والرفيقات. 
وبدأ كل واحد في محاولات استخدام لأسلحته المعرفية ولإثبات فكرته أو توثيق فكرة صديقه أو تعميق للأسئلة  ومحاولة لطرح الإشكاليات. 

    مرت ساعة ونصف والكل مشدود للكلام. كنا نستريح بشرب الشاي وأكل بعض الحلويات. بل إننا وضعنا فصلا بين وازع الشرب والأكل ووازع المناقشة ونهل المعرفة والحقيقة. أكلنا ما تبقى من الحلويات في الطابق، خاصة وأن عرف مجموعتنا كأصدقاء في وضعيتها أمام أطباق الحلوى المعروضة في أي مناسبة اجتمعنا فيها هو صفر خطأ مع أي طابق حلوى، لا نترك أي شيء فيه. واستمر النقاش والتواصل الكلامي حول موضوع عشيتنا. 

    لقد كانت بداية تحول من ارتباط عاطفي، طفولي وأمومي، إلى ارتباط واقعي وموضوعي، خصوصا وأن جلنا كان قد انتهى من دراسته الجامعية، وكان لذلك وقع على بلورة وتطوير شخصية في دواخلنا، واعية وعالمة بمحيطها ومجالها، معقلنة للروابط في وجودها. إنها حالة استمرار لنضج متجدد في كل إنسان فينا. 

  فجأة سمعنا صوتا مدويا وقارعا، كأنه قطار يمر بسرعة ونحن تحت قنطرة أو جسر حديدي ـ خشبي. رأينا الحيطان العريضة للمنزل التقليدي تتزعزع، والمصابيح والثريات تتمايل يمينا وشمالا. علمنا للحظة وأدركنا أنها حركات أرضية باطنية. إنها هزة أرضية دامت ثوانٍ معدودة. 
رأيت خزانة الأثاث المرتب بطبقاته يكاد يهوي ويتكسر بعد شدة الاهتزاز الذي زعزع كل شيء: الثابت والمنقول والأنفس. 

فكّر صديقنا صاحب المنزل الذي اجتمعنا فيه حينها في أمه التي ذهبت لتعزية إحدى الأسر في حي بعيد ووعر في مسلكه. فبمجرد ما لاحظ الأثاث يكاد يهوي وينكسر تذكر أمه: 
ـ ناري، ذهب رأسمال الوالدة  وأثاثها. 
   ابتسم الجميع للملاحظة وجعلها وسيلة لتعويض هول الهزة والخوف الدفين في الإنسان منها، بضحكات وإشارات كلامية بديلة. 
صاح صديق ونحن لا زلنا في لحظة الهزة : 
ـ لا يدوم إلا الله. 
   كان تعبيره هذا قد أثارته الدهشة ومحاولة التهكم من هذه الحياة التي نريد التحكم فيها، فتريد هي أن تنفلت منا كأنها زئبق وجودي لا يدوم. 
   رد عليه أحد أفراد المجموعة: 
ـ أين ذهب تحليلك يا ( ولد المعلم) ـ وهي عبارة ينادي بها بعضنا البعض الآخر ـ ؟ أتخاف الموت؟ 
ابتسم الجميع لما سمع وانصرف عن هذا الموضوع في لحظة الهول هذه. 

     أسرعنا للخروج إلى الزنقة لرؤية ما يقع بالخارج بعد انتهاء دوي الهزة، فوجدنا أفراد وسكان الحي قد خرجوا ورأينا الناس في الشارع السفلي قد اضطربوا وفزعوا. هناك من النساء من قعدن على قارعة الطريق خوفا وجزعا، خاصة وأن كراسي المقاهي وبعض الصناديق، قد سقطت على الأرض. ازداد جو التواصل والكلام بين الناس بعد أن كان فراغا يخيم على هذه الظهيرة شديدة الحرارة، بطيئا في أي حركة يقوم بها هؤلاء. 

قالت  إحدى الجارات: 
ـ أ رأيت ما وقع؟ 
  أجبتها  : 
 ـ  فعلا إنها هزة قوية، انتهى أمر مدينتنا، إنها فانية ـ بنوع من المزاح والتخفيف من وطء ما وقع ـ. 
  حاول أحد أصدقائنا استغلال الفرصة للحديث مع إحدى بنات الجيران، خاصة وأن الجميع قد خرج من المنازل ويشترك في وضع الهزة وهلعها. صحْتُ فيه بطريقة الصديق العالم بمكائد صديقه: 
ـ هل نحن في وقت تغازل وتلاطف أم ماذا؟ 
 كان تساؤلي فقط طرحا لتساؤل حول ما هو المهم في تلك اللحظة، ولم يكن نهيا ولا لوما. 

 عدنا إلى داخل المنزل لنواصل حديثنا ومناقشتنا للموضوع. فقد كانت استراحة وأية استراحة. عشيتنا كان فعلها في وعينا وليس في واقعنا. فما أثر في الواقع في تلك اللحظة هو تلك الحركة الطبيعية. ولكن ما سيأتي مدهش فعلا. 

 في الصباح الباكر كعادتي ذهبت إلى المقهى لتناول الفطور وقهوة الصباح. بدأ الزبناء في الجلوس على كراسي المقهى متفرقين، فرادى وجماعات. بدأ الحديث متناثرا ثم اشترك الجميع فيه ما دام المقهى مجلس جماعي ثان إلى جانب مجالس الأسرة وغيرها من المجالس الحميمية. 

في الاسباب:

 بدأ البعض يبحث عن أسبابها، بينما بدأ البعض الآخر يتخوف من تكرارها. اخترق الفكر الأسطوري والخرافي مجال التفكير الإنساني في تناول هذا الحدث كما يفعل دائما في وسطنا.

 قال البعض إنه بمجرد أن اخترق بعض الأجانب ـ النصارى ـ الضريح حتى تزعزعت الأرض إن لم نقل الدنيا.
 بينما ربطها آخرون باختراقهم ـ دائما النصارى ـ لمبنى جبلي، سيدي عبدالكريم بن الرضي ـ.
 آخر اعتبر الأمر مرتبطا بكثرة الناس وثقل الأرض بهم كأنها دابة تحمل البشرية فوق ظهرها. 

في المفارقات:

تهكم آخر كان موضوعيا علّق على مباني المؤسسات العمومية، فقال:

ـ أتعلمون أن أكثر المباني تأثرا بالهزة وتشققا هي مباني الإدارات العمومية، فرغم جِدتها تعرضت للشقوق بينما منازل قديمة وأسوار مائلة تاريخية لا زالت قائمة. 

    قهقه الجميع في المقهى وتناول آخرون كؤوسهم تلويحا ببراعة هذا الاستنتاج ودقته. 

في الأماني:

 تخيل البعض مجيء خبراء أجانب من الأوربيين والآسيويين البارعين في دراسة الهزات الأرضية. تخيل الإتيان بتجهيزات ووسائل إعلام وتنبيه أولي للهزات. هي أماني تشير إلى ما يمكن أن يكون أو ما يجب توفره لأمن الناس. 

  أيقظهم زبون آخر من زبناء المقهى :
      ـ  لكنكم تعلمون أننا لا نتوفر على أبسط ما تقولونه. هيهات هيهات. يستحضر الجسر الكلامي الذي ينهي كل كلام وحوار متأزم: 
ـ سّْلكْها تْدوزْ. 
عقب آخر : 
ـ صايكها جربوع(سائقها جربوع). 
ترى من يكون جربوع هذا؟ الله أعلم. ربما هو رمز العبث والفوضى التي تسم حياتنا ومخططاتنا. فقط أتذكر أن هذه العبارة توجد في إحدى أغاني فرقة ناس الغيوان. 

في الاعلام: 

  انتظر الجميع نشرة الأخبار خلال زوال اليوم الموالي للهزة:
ـ اسمعوا إنهم سيتحدثون عنا في هذه النشرة ـ أشار أحد الأصدقاء في المقهى-. 

ابتسم الجميع وفرح لكون مدينتهم ستكون موضع اهتمام إعلامي وطني وربما دولي: 
( وقعت أمس هزة أرضية بدرجة 2.5 ولم تخلف أية ضحايا. وقد نعمت مدينة أثينا بالهدوء بعد ذلك رغم بعض التخوف الذي طبع الناس. لكن الجهات الرسمية طمأنتهم وأكدت أنها عابرة ولاتشكل أي خطر مستقبلي عليهم. ).

   بمجرد سماع الجالسين لأثينا كانت ردود فعلهم بين ساخر ومتنكر لتجاهل الإعلام لمدينته التي لا زالت الهزات متواصلة فيها بين لحظة وأخرى. 
علق أحدهم:
ـ  نحن لا نوجد فوق هذه الأرض، تحسبون أنكم معترف بكم؟ موتوا واستريحوا. 

قال آخر: 
ـ إيوا، حتى يكون هناك زلزال حقيقي، حينئذ تأكدوا من أنكم ستذكرون في نشرات الأخبار العالمية وليست الوطنية. فهذه مجرد هزة و: 
                         الزلزال لم يأت بعد. 
                                                              حسن إمامي