Overblog Tous les blogs Top blogs Littérature, BD & Poésie
Editer l'article Suivre ce blog Administration + Créer mon blog
MENU
Le blog de mondevenir/imami hassanإمامي حسن
Le blog de mondevenir/imami hassanإمامي حسن
Menu
رحلة الإيمان...

رحلة الإيمان...





4195831956_ce8c20310c.jpg

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ****************************************************************************************************************************************************

 

 

رحلة الإيمان

 

 

           سيساعدنا هذا العنوان على احتواء الأسئلة المطروحة في التقديم  و خلال ثنايا التحليل. ذلك أنها رحلة ٌ تبحث في العلاقة بين الإنسان و ما يؤمن به , بين الإنسان و الاله ، رحلة تتشكل فضاءاتها لتبين الانتقال عبر الزمن و التاريخ، و فعل الطبيعة،و الحضارة، و الثقافة، و المنتوج المادي، و المعنوي داخل التجمعات البشرية .كل ذلك في رصد تبلور و تطور الإيمان كسفينة نجاة ركبها الإنسان ، يريد بها الفوز في حياته الآنية و الآتية و اختراق الغيب و المجهول و اكتشاف المكنون.

 

         ماذا لو أردت تمثل صورة الإله؟ ماذا لو بحثت على الإنسان داخل مفهوم الألوهية؟ ما الرابط بين أبعاد تكوين الشخصية بتأطيرها التربوي و الأخلاقي الاجتماعي و الثقافي و السياسي و علاقتها بالواقع المادي و الحياتي ، ما الرابط بين هذه الأبعاد و تمثلات الإله كما وضعها العلماء في ذاته و صفاته و أفعاله؟ ما العلاقة بين دلالات أسماء الله الحسنى و صفات كماله، و ما نريد لهذا الإنسان أن يكون؟ من ينتج الآخر الله أم الإنسان ؟

 

       أسئلة متتابعة تتوخى تعميق البحث عن سر انبثاق  الدين و تشكله في وعي الإنسان و تنظيمه لحلقة محورية توجه سلوكاته العامة في جميع مجالات الحياة.

 

         فمن هو الإله؟ و من هو الإنسان؟ من أين تبدأ طريقة الجواب؟ يجتر الإنسان معه وعيا شقيا وجوديا يريد أن يمتلك به سلطة  تحكم  في الكون و الحياة،أن يفسر به المجهول فيهما ،أن ينزع عنه الحيرة النسبية التي تحد من طموحه و تكرس  ضعفه مهما رقى في حياته. هذا الوعي الشكلي ارتبط بالسؤال الفلسفي الفكري و العقلي الشامل ، من اوجد؟ لماذا وجد كل هذا؟ من أنا ؟ لماذا وجدت هكذا؟ إلى أين يصير كل شيء و أصير أنا ؟

 

          لنبدأ بوجود الإنسان. كيف وجد هذا الإنسان؟ من أوجده؟ لماذا وجد؟ إلى أين يصير وجوده؟ حلقات كبيرة للانتقال و التفكير و المعاينة. مرجعيات كبيرة راكمها الفكر الإنساني و منتوجه الثقافي العام. خيوط كثيرة تبدو لنا في التحليل ، و قد تتباعد في طريقة التناول و تتناقض،رغم تجاورها ،حرصا على اختلافها و نسبيتها، و بحثا عن شرعيتها بالنقائص الموجودة في سبل سلوك الخيوط الأخرى .

 

          واكب العقل الإنساني تجريب و عيش هذه الخيوط . رتبها تاريخيا و صنفها .

و لنا أن نشير باقتضاب إلى مرجعيات دينية سماوية و أخرى متنوعة في طرحها ، يبقى الفرق في كوننا نحتاط من انتقاد ما نعيش داخلها منها, و جرأتنا على طعن نقيضها و مرجعيات علمية تاريخية،جارية في البحث لتأكيد استنتاجات من أصول الإنسان الأرضية و الطبيعية البدائية لكن حلقتها المفرغة اليوم في هذا التشكل الثقافي و الحضاري الإنساني، و طبيعة العقل المفكر، و ماهية الوجود و الأسئلة الفلسفية المرتبطة بها .

 

          نضيف محاولات المزج بين الديني و العلمي، جعل توافق بين إنسان الجنة ( آدم) و إنسان الأرض (البدائي) تلفيق بعيد عن الموضوعية و الرابط المنطقي الجلي.

 

       و وجود الإله، كيف تصوره النص الديني و الفكري الإنساني؟ كيف تشكل في ثقافات الشعوب؟ لماذا وجدت آلهة مجسدة و أخرى مجردة؟ لماذا التعدد و لماذا التوحيد؟ ما الرابط بين كل عقيدة و منظومتها المرجعية القيمية و الثقافية و السياسية و الخ .... في العيش و تنظيم العلاقات ؟

 

         سنترك هذه الأسئلة المتراكمة الآن ، و المتصفة بتغطية عامة لتجارب الإنسانية و مجتمعاتها و ثقافاتها, سنركز على بعض ملاحظات في ثقافتنا و ديننا , الإسلامي عَلنَا نجد خيوطا للإجابة تعطي الشرعية لطبيعة التساؤلات و الافتراضات التي انطلقنا منها و هي صورة الإله و صورة الإنسان ،أية علاقة؟ أي إسقاط؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 هل هناك علاقة بين تصور الإله المعبود والتشكل الاجتماعي والثقافي والعلاقات الاقتصادية والسياسية والأخلاقية والاجتماعية التي تسود داخل جماعة بشرية متوحدة في معتقد واحد؟

كيف يستطيع أن يتحقق التوازن بين هذه المكونات المركبة والمعقدة داخل رأس قمة محوري مجرد وجامع لتركيبة التناقضات والتوافقات والطموحات؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

              

                              لقد عرف تصور الإله تطورا ملحوظا واكب التطور التاريخي والثقافي والسياسي والاجتماعي الذي عرفته الأمة الإسلامية،بدءاً بنزول الوحي،اكتسح التوحيد عقلية سوسيولوجية كانت وثنية بعصبيتها وعاطفتها وهويتها،أكثر من كونها وثنية بوعي عقلي ممنطق. وثنية ترجمت حالة التشرذم الاجتماعي واليأس من وحدة اجتماعية وسياسية،خاصة وأن الظروف الطبيعية كانت قاسية.خاصة وأن الصراع كان أقوى مع أحوال الطقس وندرة الماء وقلة الزاد. خاصة وأن هذا الصراع جعل تنقلات داخل رقعة شطرنج متغيرة في ضماناتها غالبا،إلا ما استقرت به جماعات وقبائل هنا وهناك،فبنت بجانب عمرانا،وبجانب آخر احتفظت على خيام ونوق وخيل،استعداد ليوم الرحيل،إما لسبب طبيعي أو لغزو عدو يصارع للحفاظ على الوجود وعلى البقاء،لإطفاء الظمأ وملء البطن وما جادت به الغزوات والحروب لأجل الغرائز الأخرى...

 

                           إنها وثنية،جعلت الآلهة مشاركة في ليالي الأنس كما في ليالي الخوف.شاهدٌ ماديٌ على هذا الحال الوجودي الإنساني. لا مجال لآفاق أوسع،مادام التهديد البدائي الطبيعي هو المُشَكل لشروق وغروب كل يوم جديد أو ماضي.

 

                           لكن هذه الجزيرة، ليست بمحيد عن العالم،عن الحبشة كما عن مصر أو بلاد فارس أو بيزنطة والروم.... اخترقتها عقائد الآخرين،كما اخترقتها سياسات الآخرين ومصالحهم وتدخلاتهم.ضمانات لبعض مكوناتها سواء بالعقل الراغب أو بالإكراه.

 

                          عندما يتساوى التهديد الوجودي بين هذا وذاك،عندما يتشكل ويكبر الخوف فينافس خوفا آخر يهيمن على دواخل كل منها،يأخذ الخوف مكان الخوف،ويزحف التهديد مكان التهديد،ويحتل المجال النفسي والوجداني... هكذا تكون صاعقة خفية تحول الاعتقاد وتفرض النظر إلى الأرض وما تهبه كجديد،فتتشبث به كأمل للحفاظ على الذات والكيان والوجود والمصالح...

 

                       إن زحف التوحيد والإله المجرد بدأ منذ قرون في العراق والشام ومصر والحبشة،كما زحف نقيضه الذي يجعل الرمز بالنار،نار المجوس،ويبقى القوس مفتوحا لمؤثرات متعددة...

إن الرابط الاجتماعي والقبلي وشجرة الأنساب والعشيرة واللغة،فرض المقارنة بين ما أورثه ووهبه القدر لكل منا،بين ما جاد به على هؤلاء وحرم منه آخرين.. ما الفرق بين توحيده ووثنيته،مادام الاستمرار موجود،والحظوظ مدٌ وجزرٌ ممدود؟؟ لن نوقظ روح الآلهة بهذه الأسئلة.إنها مجرد رياح غير عاصفة،لاتحرك ساكنا،فبالأحرى إنسا أو جنا...

 

                        في إشارة ذكية،يسجل الأستاذ محمد عابد الجابري في سلسة مواقف(عدد 52صص 42 فما فوق..)،وجود هذه الروح التوحيدية،والتنبؤية التي أخذت تكتسح فضاء الفكر العربي والحياة الاجتماعية في شبه الجزيرة العربية... لقد كانت ترجمتها الناجحة حركة توحيد وإصلاح قام بها نبي الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم.شكلت دعوة محمد(ص) صفعة قوية لبنية تربوية وأخلاقية ومصالح اقتصادية وسياسية واجتماعية قبلية عربية.

 

                جانب التضامن الوجودي الذي يبادل الخبرات في تحدي صعاب طبيعة شبه الجزيرة ،ويقي من أطماع أفواه الحيتان المفتوحة في بيزنطة وفارس،كسره كبناء هرمي أفقيا وعموديا،ما دعا إليه رسول الإسلام.صدمة الابن لعرف القبيلة والجزيرة من منظور حراس أخلاقها ووثنيتها طبعا.

 

                           كيف نترك آلهتنا الخاصة المكلفة بحمايتنا،وننتقل إلى تقديس إله يحمي عدونا وينتصر به في المعارك ويشكل به مصالحه؟ يشير الأستاذ محمد رضا في كتابه الخاص بالسيرة النبوةية(محمد صلى الله عليه وسلم) الى الفرق الذي جعله بعض الباحثين القدامى بين الصنم والوثن.قال ابن سيدة الصنم ينحت من خشب ويصاغ من فضو نحاس... هو ما كان له جسم او صورة فان لم يكن له جسم او صورة فهو وثن.قال ابن الاثير:الفرق بين الصنم والوثن،أن الوثن كل ما له جثة معمولة من جواهر الارض او من الخشب والحجارة كصورة الآدمي تعمل تنصب فتعبد.والصنم الصورة بلا جثة.


                            تحاول الروايات جعل أصل عبادة الاوثان قد استوردها البعض من الشام في ظل التشرذم الاجتماعي الذي عرفته ش ج ع بين بني اسماعيل... وقد ورد حديث عن عمرو بن لحي الذي يجعل هو من ادخل عبادة الاثان الى الجزيرة العربية... قال النبي (ص): رفعت لي النار فرأيت عمراً أي بن لحي،رجلا قصيرا أحمر أزرق يجر قصبه في النار.قلت من هذا؟قيل هذا عمرو بن لحي أول من بحر البحيرة ووصل الوصيلة وسيب السائبة وحمى الحامي وغير دين ابراهيم ودعا العرب الى عبادة الاوثان.


                               وقد ذكر الصنم في القرآن خمس مرات:( قال نوح رب انهم عصوني واتبعوا من لم يزده ماله الا خسارا ومكروا مكرا وقالوا لا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا وقد اضلوا كثيرا ولا تزد الظالمين الا ضلالا).....ومن الاصنام المشهورة القديمة :أساف ونائلة عبدتهما خزاعة وقريش ومن حج البيت بعد من العرب. ومناة كان منصوبا على ساحل البحر من ناحية المشلل بقديد بين مكة والمدينةوالكل يعظمه خصوصا الاوس والخزرج.( ومناة الثالثة الاخرى).وكانت لهذيل وخزاعة.هدمها علي رضي الله عنه عند فتح مكة.والفلس صنم طيء.واللات وهي احدث من مناة،وهي صخرة وربعة وهي بالطائف.وكانت قريش كلها تعظمها.(افرايت اللات والعزى).

                   

                             العزى أحدث من اللات ومناة.كانت بواد من نخلة الشآمية وكانت أعظم الأصنام عند قريش وكانوا يزورونها ويهدون لها ويتقربون عندها بالذبح.يقول تعالى:( افرايتم اللات والعزى ومناة لاثالثة الاخرى). وكانت لقريش اصنام حول الكعبة وفي جوفها وكان اعظمها عندهم هبل.قيل انه كان من عقيق احمر على صورة الانسان مكسور اليد اليمنى.ادركته قريش كذلك فجعلوها له يدا من ذهب واكن اول من نصبه خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر وكان يقال له هبل خزيمة.وعنده ضرب عبد المطلب على ابنه عبد الله بالقداح.لما فتح المسلمون مكة احرقت وكان يبلغها عددها 360 صنما ومن اصنامهم مناف. وكان لأهل كل دار من مكة صنم في دارهم يعبدونه فاذا اراد احدهم السفر كان اخر ما يصنع في منزله ان يتمسح به ايضا وكانوا يسمون الحجارة التي ينصبونها حول الحرم( الانصاب). ومن اصنامهم ذو الخصلة وسعد وذو الكفين وذو الشرى والاقيصر وسعير وعميانس.

 

                             لنتصور كم من إله،كم من وثن،كم من تصور ومعتقد،جاءت رسالة الإسلام وأرادت هدمه وإفناءه،سلخه من الارتباط المادي إلى ارتباط مجرد لم يتهيأ العقل بعدُ له، ولم تتضح ضمانات المصالح معه بعدُ.

 

 

لكن أكيد هناك شعور بالخوف.بنية أخلاقية مرتبطة بشخصية العربي صاحب الامتياز داخل قبيلته  ،وبتابع يخاف من خوفه على خوفه داخل علاقات الميز والامتياز والاستغلال هاته. شعور بالخوف،لم يحتج الى عمق تفكير.رد فعل رافض محارب متوعد لهذا الثائر الجديد.اصطدام بين العقد الاجتماعي القبلي الذي بنته ساكنة شبه الجزيرة العربية،وهذه الدعوة الجديدة وصاحبها. رفض للدعوة وعدم قدرة على سحق صاحبها مباشرة لامتدادات شخصه في بنية العقد القبلي العربي... ربما محطة أبي طالب في حياة الرسول،هي فترة التفكير الحاسمة في كيفية التعامل مع هذا "المتمرد" على وثنية وأعراف عرب الجزيرة،وعلى مصالحها العليا المتمزقة بين عصبيات شطرنجية مُعرقلة لتفكير سياسي ناجع في التعامل مع مهددات شبه الجزيرة العربية...

 

                               إن ردة فعل الانسان العربي على الدين الجديد،بقدر ما تجتاح محيطها بالرفض والغضب،بقدر ما تخترق الذات بالتساؤل عن هذا المد الجارف في الوجدان،عن مدى خطورة اقتلاع اعتقاد واستبداله بآخر... لم يكن سهلا. ولكن،كيف سيتحقق؟ طبعا الفعل الاجتماعي والسياسي والاقتصادي له دور. القابلية الشخصية والنضج الفكري الجاهز للتغيير له دور كذلك،وحاضر مستعد عند فئة عريضة اخترقها تساؤل النبوة والتوحيد وأفق الاله المجرد في السماء.

 

                               علينا الاقرار بأن حركة التوحيد  حاضرة من ناحية بشكل بنيوي  tفي حقل الجزيرة العربية.كم من فرد تَهَوَدَ وتنصر؟كم من فرد ملم بالحنيفية الابراهيمية؟ حدث انه بينما كانت قريش مجتمعة يوما في عيد لهم عند صنم من اصنامهم يعتكفون عنده و يدورون به وكان ذلك عيدا لهم كل سنة اذ خلص منهم اربعة وهم ورقة بن نوفل بن اسد  بن العزى.وعبيد الله بن جحش بن رئاب وعثمان بن الحوريث بن اسد بن عبد العزى وزيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى فقال بعضهم لبعض تعلموا والله ما قومكم على شيء لقد اخطؤوا دين ابراهيم. ما حجر نطيف به لا يسمع ولا يبصر ولا يضر ولا ينفع. يا قوم التمسوا لانفسكم دينا فانكم والله ما انتم على شيء.فتفرقوا في البلدان يلتمسون الحنيفية دين ابراهيم.( كتاب محمد (ص) لمحمد رضا).
يخصص محمد رضا لزيد بن عمرو صفحتين من كتابه،ناقلا اخباره من كتاب أسد الغابة.... هو ابن عم عمر بن الخطاب.قال فيه الرسول: يبعث امة وحده يوم القيامة. كان يتعبد في الجاهلية ويطلب دين ابراهيم.كما كان يتخذ من غار حراء متعبدا.كان يقول: الشاة خلقها الله وانزل لها من السماء ماء وانبت لها من الارض ثم تذبحونها على غير اسم الله تعالى.


                      كان لا ياكل مما يذبح على النصب.اجتمع به رسول الله في بلدح وهو واد قبل مكة من جهة الغرب.وذلك قبل بعثة الرسول (ص).وكان ينقذ الموؤودة.خرج الى الطائف باحثا عن معتقد التوحيد،فوجدهم يشركون مع الله عبادة الاصنام. فوجهه  شيخ منهم للقاء شيخ بالحيرة،ولما التقاه اعلمه بان الذي يبحث عنه ظهر ببلاده الحجاز. وشهادة اسماء بنت ابي بكر،ورثاء ورقة بن نوفل فيه دليلعلى حضور شخصيته الثقافية والدينية بمحيط بلاد الحجاز:
رشدت وانعمت ابن عمرو انما *****تجنبت تنورا من النار حليما.


                      كم من قبيلة اعتقنت الديانات السماوية؟وكيف كان تشكلها واستقرارها مع هذا التدين الجديد؟وكم امتد في الزمن قبل ظهور الاسلام؟ (( قبيلة تغلب)، وكان بنو تغلب بن وائل من أعظم بطون ربيعة بن نزار، وكانوا من نصارى العرب الجاهلية الذين لهم محل في الكثرة والعدد.   وكانت مواطنهم في الجزيرة وديار ربيعة، ثم ارتحلوا مع هرقل إلى بلاد الروم، ثم رجعوا إلى بلادهم، وفرض عليهم عمر بن الخطاب الجزية، فقالوا: يا أمير المؤمنين، لا تذلنا بين العرب باسم الجزية، واجعلها صدقة مضاعفة ففعل))http://islam.3rbdream.net/book6-60.html

 

                            أسئلة عدة تساعد على الدفع بالفهم لحركة ظهور الاسلام وتطور دعوته داخل شبه الجزيرة العربية.. أسئلة عديدة تجعل البحث عن العلاقة بين التشكل الديني التوحيدي والتشكل الاجتماعي والاقتصادي والثقافي... البحث عن مدى استيراد النموذج الخارجي عن شبه الجزيرة العربية وأقلمته مع النموذج القبلي العربي داخلها...

 

                       ظهور فكر توحيدي،تعبير عن الرغبة في الرقي من المرحلة الشبه بدائية المرتبطة بطريقة العيش ومصيدة الصحراء والغرائز،والترحال وفكر الغزو والسبي،إلى مرحلة مناسبة للتحضر والاستقرار والتشريف أمام الأمم الأخرى المجاورة.لا زال العربي حُرًا داخل شبه الجزيرة العربية،الذي اصطاده التاريخ هو الذي يعيش في أطراف ش ج ع على عتبات وتهديد كراسي العرش الفرس ـ بيزنطية... رغبة الرقي من الداخل،يمتلك خطابها عقلا وفكرا وأخلاقا وفلسفة حضارية جديدة بالمقارنة،لأنها فلسفة نقدية لزمنها وسياسته ومعتقداته وعلاقاته... وهذا تميز لها فريد انفردت به هذه الفلسفة الجديدة... حكمة صمت الصحراء،وأطلالها اللامعة تحت ضوء القمر،وندرة جديدها الطبيعي،إلا ما كان من تحولات كتبان الرمال وأخبار القوافل... جعل العقل يرسم البديل،يفترض احتمالات التطبييق،يكسر هاجس المجهول والموت بانطلاقة مشروع قوي بدرجة قوة شخصية الانسان وقيمه وأخلاقه،والتي تعد رأسمالا وشرفا،تراق عليه الدماء،هرما يُمجد لصاحبه في غياب أهرامات أو قصور عمرانية... إنها همة شخصية الانسان العربي الذي نضج تاريخيا للخروج من مصيدة بقايا بدائية اعتقادية داخل الحضارة القروسطية... الخروج مما انزلق به التاريخ والطبيعة،فجعل الانسان بين أوج ومجد وتهديد وجود، بين ماض زينه التاريخ بالرواية والقصيدة وأصل الحكاية،وحاضر أزعجه أرق المشاكل الحياتية،والبون الاجتماعي بين محيطه في ش ج ع ، وخارجه بفارس والحبشة وبيزنطة....

 

                            هكذا كان الفكر التوحيدي حركة ثورية لأجل التغيير،لا بد من التضحية فيها. وما التضحية إلا شرف يسجل البطولات،ويشرف صاحبها تاريخيا ووجوديا. ما دام السفر مغامرة مع الصعاليك ومع الظمأ والذئاب... ما دام السفر، سيفا دالا على كنْ أو لا تكون،وكونك عزة بين الحياة والموت،فهما سيان. حركة ثورية،كان الحدس مرافقا لها. في طريقة تصريفها،في أقل خسائر فيها.

 

                          كان عبقر إذا ألهم الشعراء،هام بهم فرادى تتبعا للأطلال. فما أدراك إذا كان الملهم هو الإله؟هو الموجه المجرد لهذا التشريف الجديد لشخصية الانسان؟وهذه المهمة الحكيمة التي تريد إخراجه من وجود تهديدي أو تهديد وجودي مستمر،إلى وجود متحكم في المصير،راسم للطريق،عالم باحتمالات الكسب أو الفقدان،مرتاح لأي نتيجة كيفما كان الحال؟؟؟؟

 

                            هكذا كان أفضل ربما.لن أكون الفريسة للطبيعة وقدر أشرارها،سأكون المنافس الذي يمتلك رسالة،يرسم هدفا،يطرح بديلا... هكذا أفضل ربما.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

من سبق لشبه الجزيرة :التوحيد أم الوثن؟سؤال لا يحتاج الى اولوية سبق.فقد تعايش المعتقدان كما امتزجا.فكان الاله في السماء والاصنام آلهة الارض.كان هناك بَوْنٌ في العلاقة بين الانسان العربي وإله السماء.حينما يستنجد،عنده الصنم في كل حين.حينما يريد مطرا يرفع رأسه للسماء واله السماء.وحينما يريد مطاردة خوف او خسارة ،هناك الصنم، قريبٌ له، لامسٌ لأصابعه.تيه الصحراء،معه تيه الاعتقاد في إله السماء،وملائكة إله السماء. "فأستفتهم ألربك البنات ولهم البنون"الصافات149. والآية 16 من سورة الزخرف تقول : "أم اتخذ مما يخلق بناتٍ واصفاكم بالبنين". وفي الآية 19 من نفس السورة يقول : "وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن اناثاً أشهدوا خلقهم، ستُكتب شهادتهم ويُسألون".لقد جعل العربي قسمة اعتقادية ربطها بميوله وأخلاقه.جعل الاوثان ذكورا وقربها لنفسه،وجعل الملائكة إناثا ونسبها لله،ههن بنات الله. هكذا رفع عبء الانثى الى السماء،مادامت مشكلة في حياته بين الرغبة في سبيها،والخوف على شرف فقدانها وعار القبيلة اذا غزا طرف من قبيلة أخرى... إلى درجة دفنها حية ووأدها.هكذا سادت أخلاق ذكورية كرست طبقية وتبعية،ومنظومة أخلاقية في بنية الاعتقاد.... حضور المرأة فيها ثانوي قد يصل الى درجة العبيد ربما.ما دامت تورث مع ما يورث،فيرث الابن نساء أبيه،ويتصرف فيهن بمشيئته،هو حامل السيف والرمح،وهن حمولة الخيمة والهودج،مُرْفق المتاع والزاد.. لكن أكيد أن نوعية العلاقة تحكم وضع المرأة إذا كانت أما أو أختا ...أو غنية من أشراف القوم...

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

                         تسجل سورة سبأ في الآية 32 صراعا اجتماعيا فئويا بين أغنياء أسياد ومستضعفين محرومين،بين مستفيد من الواقع منتفع راض به وبمصالحه فيه، وبين محروم من الرزق والحرية والارادة.يقول تعالى( وقال الذين كفروا لن نومن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه،ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم الى بعض القول،يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مومنين.قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم،بل كنتم مجرمين.وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار إذ تامروننا ان نكفر بالله ونجعل له أندادا....) واضح استغلال القوي للضعيف وجره لموقفه ومعتقده... واضح كذلك تبعية عاطفية يتقمص فيها الضعيف مشاعر القوي وينوب عنه في تصريفها... فالنص القرآني يفكك هذه البنيات المتناقضة المستكبرة والخاضعة حتى يبني تركيبا جديدا بديلا عنها،هو تركيب الإيمان الجديد والاله الجديد.

وهذه قصة سعد بن ابي وقاص في الآية الثامنة من سورة العنكبوت،تبين تركيبة الشخصية أخلاقيا وتحكمها في المواقف الاعتقادية والسلوكية.فقد هددته امه بالانقطاع عن الاكل حتى يتراجع عن الاسلام وإلا قال العرب لقد قتل أمه، فلن يرضى وسوف يُذل.كلٌ يبحث عن نقاط ضعف في الآخر ليؤثر فيه ويجعل موقفه موقفه ( ووصينا الإنسان بوالديه حسنا.وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما،إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون).

 (ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين )

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

                      مسكوت عنه،وصمت وجودي لا ينطق بصوت،بل يعيش بوعي وروح،كم من حقيقة تسكن في أعماقنا لا تستطيع البوح،ولا تقلقنا بإلحاح.كم من شعور يحتاج إلى تعبير كحاجة الرئتين إلى الأكسجين.

 

                      هل نحتاج الى تبرير موقف السامرائي كما نبرئ موقف هارون أخ موسى عليه السلام؟ في سورة طه الآية 87،تسجل مجاراة القوم خوفا من الصدع ومن التفرقة،ومجاراتهم الى حين.نسجل كيف يمكن للوعي أن يبقى حريصا على وعيه،مختبئا في وجدانه وعقله حتى تحين وتكتمل شروط تجسيده وتعبيره.كم لحظة من التاريخ جانب فيها الصواب تحقيقه وبوحه لأجل الجماعة وتفادى فتنتها،فتركها في طبيعتها أو جهلها وسيرورة ووتيرة زمنها،ذلك لأن الفتنة أشد من القتل.ولكن،أي فتنة أكثر مما قام به بنو إسرائيل في غياب موسى عليه السلام. لاتحامل على هارون،فقد جعل الانتظار سيد الموقف،رجوع موسى الحاسم في الأمر.فلرب موسى القول فيما يجري.يقول تعالى واصفا ذلك:

سورة طه (20): الآيات 77 الى 82]

وَلَقَدْ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لا تَخافُ دَرَكًا وَلا تَخْشى (77) فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ (78) وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى (79) يا بَنِي إِسْرائِيلَ قَدْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى (80) كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى (81) وإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا ثُمَّ اهْتَدى (82)

سورة طه (20): الآيات 83 الى 89]

وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى (83) قالَ هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى (84) قالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (85) فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفًا قالَ يا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (86) قالُوا ما أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا وَلكِنَّا حُمِّلْنا أَوْزارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْناها فَكَذلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (87) فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ فَقالُوا هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى فَنَسِيَ (88) أَفَلا يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا (89

[سورة طه (20): الآيات 90 الى 98]

ولَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (90) قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى (91) قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (92) أَلاَّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (93) قالَ يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (94) قالَ فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ (95) قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (96) قالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا (97) إِنَّما إِلهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا (98)

 

                        نستحضر هنا،كفار قريش كيف كانوا يسترقون سماع القرآن،وكيف يتناهون عن ذلك جماعة،فيتسللون فرادى لسماعه.هي الروح منادية له ولو رفضها الوعي الجمعي القرشي.وكم منهم دخل إلى الإسلام بمجرد سماعه لذكر القرآن وآياته.فكان نفاذه مُخرجا الإيمان من أعماق فطرته الروحية.فهذا عمر بن الخطاب،في لحظة غضب وإرادة معاقبة أخته وزوجها على إسلامهما،يخترقه ذكر القرآن،فيشهد ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.

وكم منهم خبأ إيمانه وجارى جماعته إلى حين اكتمال شجاعته أو توفر أمنه.

ما دام الأمر جوهره الوجدان والعاطفة العميقة في وعي الإنسان،أي الحياة الروحية بامتياز والمرتبطة بالمعتقد في الجانب الغيبي الوجودي والذهني،والمرتبطة كذلك بحياة سعادة يطمح لها كمناخ عليل ونسيم دافئ يستنشقه،فإن الخطاب لابد له أن يُسائل مكونات وأركان هذا المجال.أكيد انه سلاح قوي فوهتُه صوت وسماع،سهامه دلالة كلمة،يستعملها للاختراق وزعزعة الأركان كما زعزعت أركان عرش قيصر،واستبدالُ مكونات بعدَ هدم القابعة المهترئة في دهاليز ظلام وجدان متقادم البناء يفوح ثقل رطوبته نتانة... فلابد من الهجوم على هذا الوجدان وتطهيره من المتقادم وبنائه من جديد. وهذا يفسر الأثر النفسي الذي يخلقه الخطاب القرآني في النفاذ والتغيير في المواقف والمعتقدات... ما دامت قابلية الغيب موجودة وقابلية الاعتقاد موجودة طبعا.لنتأمل سورة (يس)،ابتداءً من الآية السادسة وما بعدها، ولنَرَ التصوير القاسي لحال المشركين،كيف يقض مضجعهم،ويشعل حسرتهم ويطيل أَرَقَهم،ويحط من حالهم النفسي وفقرهم الروحي،لكي يذكرهم بالبناء البديل،والتركيب الجديد بعد التفكيك للقديم: (

لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ (6) لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (7) إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (8) وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (9) وسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (10) إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (11) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ (12)

سورة يس (36): الآيات 13 الى 27]

واضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (13) إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ فَقالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (14) قالُوا ما أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنا وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ (15) قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (16) وَما عَلَيْنا إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (17) قالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ (18) قالُوا طائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (19) وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (21) وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (22) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلا يُنْقِذُونِ (23) إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (24) إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (25) قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26) بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (27)

[سورة يس (36): الآيات 28 الى 32]

وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ (28) إِنْ كانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ خامِدُونَ (29) يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (30) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ (31) وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ (32).

 

                              لقد بدأ إبراهيم عليه السلام مشروع هدم عبادة الأوثان داخل العالم المشكل الجديد،وفتح القوس والدعوة بكسر آلهة المعبد،خالقا الصدمة والمواجهة لأجل اختراق وجدان قومه... واكتمل غلق القوس مع محمد صلى الله عليه وسلم بكسر آلهة المعبد،وتحطيم أصنامه... بين" أور" و "مكة"، رحلة إيمان توحيدية أسدلت الستار داخل المجتمعات الشرق أوسطية لحياة الوثنية الصنمية.

 

                               هكذا رست من جديد سفينة نجاة نوح عليه السلام،واكتملت مسيرتها المادية والمعنوية مع القضاء على حطام الأصنام وجعل خبر أمن الطوفان، لتبدأ رحلة سفينة جديدة،هذه الرحلة والمرحلة داخل رحاب التوحيد،لتبني سفرا جديدا،وتكتشف عالما فريدا،وتقيم تصورا جديدا في العلاقة بين هذا الإنسان المسافر الطموح والحالم للعلا،والإله المشرف على الرحلة الحبلى،بأحداث وتركيبات جديدة مع أمواج الزمن وعواصف التاريخ.فكيف كان صمود سفينة التوحيد؟وكيف كانت رحلتها وعتادها؟وما الذي أنزلته وأفرغته،والذي شحنته واعتمدته عند كل رسو وانطلاق؟

 

الكفر السياسي والإيمان السياسي:

 

 

                           بين أبي طالب وأبي سفيان،شخصيتان متباينتان،مساران مختلفان،قبيلتان متعاشرتان،مصالح متجاورة ومتداخلة،مصاهرات  عديدة،ثقافة ولغة مشتركة....

المشترك فضاء مكة وقريش الجامعة،والكعبة المكرمة.المشترك علاقات اقتصادية واجتماعية وثقافية.

فمن هو أبو طالب ومن هو أبو سفيان؟ما علاقتهما بالدعوة الإسلامية؟وبالإيمان بها وصاحب هذه الدعوة؟ وأي استنتاجات نرصدها في هذه الرحلة المقارنة بين الشخصيتين؟

 

                                  ينحدران من بني هاشم وبني أمية.جيلان متباعدان في السن. أبو طالب مات (قبل الهجرة بثلاث سنين) عن سن متقدمة،أبو سفيان مات عن سن يناهز الثمانية والثمانين أو التسعين سنة (اثنان وثلاثون هجرية)32.

 

                        لماذا كان مسار ابي طالب  دون شهادة بالاسلام؟ ولماذا كان مسار ابي سفيان اعتناق للاسلام؟ استفادة من الدين والدولة الجديدة؟ يستغرب الانسان لقدر ومسار الرجلين.ابو طالب عم ومربي وراعي وحامي نبي الاسلام ورسول الله محمد(ص).لعب دورا كبيرا في مؤازرة الرسول (ص) في دعوته في اشد مراحلها صعوبة وخطورة.فخلال المرحلة المكية،كانت قوة محمد (ص) هي كلمته وشهادته وايمانه بعدالة دعوته.كانت نقاط ضعفه من وجهة نظر موضوعية وضعية،هي قلة معتنقي دعوته بالمقارنة مع رافضيها ومحاربيها. لم يكن الرافض للدعوة الاسلامية بآخذ الأمر على محمل الجد فيما يخص ما ستؤول اليه الامور.فمواقفهم وردود افعالهم غلب عليها الاستصغار والتسفيه والغضب الذي لا يرتبط بمبرر مباشر لتصفية وقتل صاحب الدعوة.ففي اليوم الواحد يتوزع ذهن القرشي بين حياته العادية وتفكيره في دعوة محمد بن عبد الله بن عبد المطلب.يتساءل اين وصلت؟ماذا تريد؟ الى غير ذلك من الاسئلة.مسافة امنية وزمنية حاضرة في التعامل مع الدعوة الاسلامية.لكن لما بدأت الدعوة تمس شرعية العقد الاجتماعي والاقتصادي والأخلاقي القرشي بالأساس والعربي عموما،هنا اخذ التوتر والغضب والقلق يتضاعف،وبدت المواقف وردود الفعل تزداد حدة....

 

                        في هذه اللحظات بالذات،كان من يحتبس شر وردود فعل القرشيين الرافضين لدعوة محمد هو ابو طالب،سنده الاجتماعي والأمني.بينما كان سنده العاطفي والاسري هو زوجته خديجة رضي الله عنها. اضافة الى المعتنقين للدين الجديد والذين بدأ عددهم يزداد كما ونوعا،ما أخاف الكفار ودعاهم الى الضغط حتى القضاء على هذه الدعوة الجديدة. لا ننسى انه كلما دخل عنصر جديد في الدعوة الجديدة كلما أثر ذلك على العلاقات في جميع الميادين.ذلك ان الناس تواصلات ومعاملات يومية،فيها تأثير وتأثر، تبادل مصالح.والتموقف من شخص يؤثر على الموقف من آخر في الاخلاق والتجارة والمصاهرة وغيرها..... في شدة الصراع والمساندة،كم حدث وقع؟كم من شخص دخل الاسلام؟ او تعرف عليه؟او زعزعه ذهنُه بقضية الإسلام مدا وجزرا؟

مع وفاة ابي طالب وخديجة أم المومنين،تحولت المعطيات بين الحزن الداخلي في ذات محمد (ص) والإصرار على مواصلة الدعوة ،وبين ترقب رافضي الدعوة لمرحلة جديدة من التعامل.

 

                          تحول الرافضون الى مرحلة اشد قسوة،تهيؤوا للتصفية الجسدية لصاحب الدعوة،استطاعت العصبية القبلية ان تعقلن مصالحها لكي تضحي باحد افراد مدينتها،حتى لا يثور بنو طالب وبنو عبد المطلب ضدهم.كان الخيار في انهاء الامر بقتل الرسول محمد بن عبد الله،رغم ان الضحايا كثر،مات بعض المستضعفين الذين اعتنقوا الاسلام وغيرهم كثير...

 

                              يفتح قوس لتحليل سبب رفض الدعوة الاسلامية.وهو رفض ليس حبا في الاوثان على الخصوص.فقط، نشير الى ما بدأناه بأن نزعة التوحيد معروفة مسبقا في ش ج ع،كما ان نزعة التمرد على كل المعتقدات،ما دامت قدرا سرابا في بعض الاحيان موجودة كذلك.والقرآن نفسه يسجل النزعة المادية المتمردة:

وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر.

 

 لا غيب اذا.طيب، فلماذا رُفض الاسلام ولم ترفض الوثنية؟

 

                           ارتبط مجيء الاسلام بتغيير شبه جذري،حكيم،لبنية مركبة سوسيولوجيا واقتصاديا وثقافيا وسياسيا. لكن الاكيد انه اعتمد وحافظ على عناصر قوته التي تحفظ التماسك والاستمرار في المهمة الجديدة.بنية الاسرة الذكورية وعلاقات صلة الرحم والتوارث بينها،إنها العصبية القبلية المنحلة من العشيرة لتصبح في خدمة البناء المجتمعي الجديد.مع المجتمع الجديد والدين الجديد،الاولوية للدعوة ولعملها السياسي ولانتشارها ولأهدافها المرسومة.فقد كان التوارث في بداية الهجرة بين الأنصار والمهاجرين،نظرا لكون الطائفتين اقتسمتا الأموال والزاد خلال عملية التآزر بينهما في شدة الخصاص في ضروريات العيش بالنسبة للمهاجرين....

 

                             إشارات بسيطة في حمولتها الأخلاقية،لكنها قوية في اضرارها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.صراع طبقي خلق مع الدعوة الجديدة.تمرد العبيد على أسيادهم.ارتبط التدين بالتحرر.وان كان هناك تدرج ،فهو يحمل معه رياحا عاصفة مهددة لا محالة.ان الولاء والتبعية لدين الاسياد يضمن الطاعة الاجتماعية والاقتصادية،والاستغلال المناسب. هذا كله زعزعَهُ الإسلامُ.

 

                       ياتي التخويف الذي مارسه الخطاب القرآني على وجدان القرشيين،كان منطقيا رد الفعل،رد الخوف بالخوف،خوف بتخويف.

 

                     في الجانب الاقتصادي،تجارة العبيد اقتصاد،وهي اقتصاد يحقق الثروة والقوة،تجارة الخمور كذلك،التعامل بالربا،وغيرها من اشكال المعاملات التي حرمها الاسلام بشكل متدرج غالبا،تحقيقا للتوازن السياسي الذي تفرضه مراحل الدعوة الاسلامية،بين القوة والضعف،بين الاستعداد والانتظار...

                            تحريم الاسلام لهذه المعاملات لابد للطبقة المتضررة من القيام برد  فعل،بكل ما تمتلكه،كما في مواجهة الرسمالية للاشتراكية في عصرنا الحالي... خصوصا وانها هي المالكة لحكامة الدائرة التي تعيش فيها،بلغة عصرنا طبعا.

 

                          هذا التحليل السابق جامع لاستنتاجات نهائية للدعوة الاسلامية.لكن مقارنة بين المرحلة المكية والمرحلة المدنية،نقول غياب الدولة المؤَسسة في المرحلة المكية،غَيَبَ التشريع لعلاقاتها ومعاملاتها.لهذا ،لما كانت الدعوة ثورة،مجرد دعوة،ركزت على جانب الاعتقاد والقناعات والمرجعيات المشرعنة للدين الجديد،والمهدمة لبنيات اعتقاد الدين القديم الوثني.لذا فتأجج الصراع بين الرمزين الوثنية والاسلام سيتأجج اكثر في المرحلة المدنية،بسبب  تهيكل الثورة الجديدة وتمأسسها وتهديداتها وتشريعاتها...

 

                       لما يصبح التهديد للاقتصاد ولموارد الحياة ،فذلك إنذار بقاعدة كن او لاتكون.. معادلة السلم والحرب... هكذا بدأت المواجهات بين الطائفتين المومنة والكافرة...

 

                       عنصر آخر يفسر مسار الدعوة ،وتداخل الارتباطات الشخصية بها،وهو عنصر العصبية القبلية.فقبل ان تكون رمزا للتاخر والعرقلة للتطور ـ وهذا ما أكد عليه الاسلام،حيث قال الرسول (ص): ليس منا من دعا الى عصبية،وليس منا من قاتل على عصبية،وليس منا من مات على عصبية) أخرجه ابو داود في سننه. ـ ، قبل ان تكون رمزا للتأخر،كانت رمزا للالتزام بما تعاقدت عليه القبائل العربية داخل دائرة قبيلتها ،و في علا قتها مع القبائل الاخرى. وهو ارتباط بعلاقة الدم وامتداداتها في الاصول والفروع وفروع الاصول وفروع الفروع.... امتداداتها في المصاهرة التي تعني فتح عهد للتعامل الاقتصادي المتطور والمعزز،وللنصرة الامنية والحماية والمؤازرة في الشدائد الطبيعية وغيرها...هكذا تكون العصبية لحمة تتماسك بها علاقات وبنيان المجتمع العربي المتفرق في القبائل والمتكامل في اللغة والثقافة والاخلاق والبيئة ونمط العيش في ش ج ع....

 

                           يمكن ان نقول إن ابا طالب حافظ على التوازن بين حماية ابن اخيه وبين رد غضب القرشيين... الارتباط العقدي قمة التعبير على الالتزام بالارتباط المجتمعي.ضمان للعقد العام الجامع لافراد امة او قبيلة.كذلك كان ارتباط ابي طالب بقريش وديانة قريش.وباعتبار سنه ،ووقوفه بين بين،وسطا بين تيارين ،الاول رجعي والثاني تقدمي متطور ، كان لزاما عليه ان يفكر بتأن في المناسب من الحلول.لذلك كان يرجىء ولا يحسم في قضايا النزاع غالبا.ما يهمه هو ان يكون هذا التحول او الحدث الجديد سلسا في التواجد داخل النسيج المجتمعي.فهو كبير السن وغير مستعد على التحول اعتقاديا،ربما لانه يعلم  ان تغيير الموقف والاعتقاد يتطلب النهوض للدفاع عنه.وهذه من سمات الفرد واخلاقه داخل الثقافة العربية.فاليسف رفيق ورمز،وكذلك الخنجر... الاستعداد للقتال والمبارزة.حتى التفاوض والمناقشة يكون السلاح ضيفا فيهما دالا على ان الحوار مبني على امن مفروض بقوة ضده،وهو حسم خلاف المصالح والشرف بالسلاح واراقة الدم لاجل ذلك.... ورقة بن نوفل كذلك.تشير الروايات على انه يعلم بامر والنبوة وظهورها واماراتها،وتنبيهه للرسول بما سيؤول اليه امره وامرها بإخراجه من دياره.... تصديق ضمني بالرسالة وصاحبها،ولكن يبقى التقدم في السننحاجزا نفسيا شخصيا حال دون اعتناقه للاسلام.وقد عبر عن ذلك بانه لو سنح له الزمن والعيش لكان من انصاره.لكن كبر السن جعله يكتفي بالاشارة والطمأنة والتشجيع..

.

                هي نفس الملاحظة يلتقي فيها ابو طالب مع ورقة بن نوفل،وهي كبر السن وتاثيره على عدم اعلان اسلامهما.

 

                   الأولوية في الأخلاق العربية للشرف والكرامة التي بنتها الثقافة العربية،والتي جعلت التضحية والقتال لأجلها حتى بالثأر والانتقام مشروعا متداولا بين العرب. هذه الاخلاق كانت حاضرة مشروعة عند ابي طالب.فهو قد تمسك بدافع علاقة القرابة  مع ابن أخيه،وارتباطها العصبي بالقبيلة والعشيرة وشرف بني عبد المطلب وبني هاشم داخل المجتمع القلبي القرشي،المتعايش منذ عقود وعقود على التكامل القبلي العصبي المشترك وعلى المصاهرة وتقاسم المصالح المرتبطة بالدين والكعبة وبالتجارة والقوافل.... قمة هذه العصبية وخطورتها تعلمها جميع اطراف النزاع.فلو تفجر النزاع لتهدم كل بنيان مصالح القرشيين وذهب استقرارهم التاريخي بمكة وانهارت تجارتهم وما يرتبط بكل المصالح.... فيالق الجيش عصبية ذكورية متوزعة على القرابات والتحالفات.رابطتها الدم والقرابة.اكبر لحمة للتآزر البشري عبر التاريخ.... سريعة في التجمع والتلبية النداء،متوزعة في نسيج البناء الاسري والامتداد الاجتماعي والادوار الحياتية داخل المجتمع او القبيلة....

 

                            كل هذا التحليل للعصبية وبناء الشخصية العربية من اجل فهم موقف ابي طالب بين الكفر والايمان،او لنقل بين التصريح وعدم التصريح بالدخول في الاسلام....

 

                               ونشير الى ملاحظات في تضارب الروايات بين الدراسات الشيعية والدراسات السنية حول اسلام ابي طالب.فالشيعة مع تقديسهم لشخص علي بن ابي طالب (ض)، وجعل الإمامة المقدسة والمهدي المنتظر كمرتقب منقذ دينيا وافكار متعلقة بعلي في العودة و تحقيق العدل فوق الارض.... وبناء شرعية صراعهم التاريخي والسياسي مع بني امية وبني العباس،ومع اهل السنة الذين استمروا في التشكل مع الخلافات والانظمة المتداولة في المجتمعات العربية الاسلامية.... جعل الشيعة في دراساتهم الاعتماد على روايات تثبت بان ابا طالب قد اسلم ونطق بالشهادتين.وتعزز ذلك بروايات اخرى تبين ايمان ابي طالب المسبق بإله السماء وثقافته التوحيدية عبر مسار حياته.... كل هذا له اربتاط بشرف النسب وتقديس الحاكم والامام والمهدي المنتظر.... محنة الشرخ والانفصام في الشخصية الاسلامية بين السنة والشيعة.كل له اسلامه،كل له شرعيته وقداسته،طل يكفر الآخر ويريد الدخول الى الجنة،كل يريد تصفية الصراع بنسيان الآخر او البحث عن تصفيته والقضاء عليه... ولعل السياسي يحتاج الى تحليل حتى يفك الغاز هذا الصراع ويبحث عن حل له،كما هو عليه الامر الان في وجود تعايش وتوافق ملغوم بين الطائفتين....

 

                ويبقى امر الغيب عند الله تعالى.هو اعلم بالقلوب ،من كفر ومن آمن.يفعل ما يشاء ويريد. وما يعلم الغيب الا الله.

 

                   هذا الكفر سياسي فرضته مصالح توازنات وطبيعة الشخصية ومرحلتها العمرية اذاً، اذا ثبت ان ابا طالب لم يعلن إسلامه.فلنر إسلام ابي سفيان ونحلل كيف تطور من مواجهة وصراع الى اعتناق وانخراط في المشروع الجهادي والسياسي وفي تقوي بني امية داخل الدولة الإسلامية وتقلدهم مناصب الحكم؟كيف استغل السياسي والتفكير العصبي القبلي في التأقلم مع تفكير الإسلامي الحياتي فشكل الدولة الأموية مع ابن ابي سفيان،معاوية بن ابي سفيان؟ فهل الإيمان سياسي هنا كما ان الكفر سياسي هناك؟اين حقيقة الاعتقاد عند الطرفين؟

 

                        هذه الأسئلة تحتاج إلى متابعة التحليل.لكن تؤكد قيمة حقوقية راسخة إنسانيا عبر التاريخ،وهي حرية الاعتقاد واحترامه .قال عليه السلام رادا طعن الصحابي لمن اعلن الشهادة تحت رحمة السيف على عنقه في احدى المعارك: هلا فتحت قلبه فنظرت ان كان كافرا او مومنا؟(توثيق الحديث لاحقا)

لنعد الى أسئلتنا المتعلقة بإسلام أبي سفيان...
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

من هو أبو سفيان؟

 

 

هو صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي. يكنى أبا حنظلة بابنه حنظلة.ولد قبل الفيل بعشر سنين،وكان من أشراف قريش. وكان تاجرا يجهز التجار بماله وأموال قريش إلى الشام وغيرها من ارض العجم. كان يخرج أيحانا بنفسه.وكانت إليه راية الرؤساء التي تسمى العقاب.وإذل حميت الحرب اجتمعت قريش فوضعتها بيد الرئيس.وهو الذي قاد قريشا كلها يوم أحد.وكان صديق العباس،وأسلم ليلة الفتح وشهد حنينا والطائف مع رسول الله (ص).وقد أعطاه رسول الله (ص) من الغنائم في حنين مائة بعير واربعين اوقية،كماأعطى سائر المؤلفة قلوبهم.وأعطى ابنيه يزيد ومعاوية.وفقئت عين ابي سفيان يوم الطائف.كما فقئت عينه الأخرى يوم اليرموك.وقد شهد اليرموك تحت راية ابنه يزيد.ولما عمى ابو سفيان كان يقوده مولى له.وتوفي سنة31ه،وعمره بين 82 أو 93 سنة.

هذه أهم الأحداث التي تسجلها السيرة النبوية،حيث ارتبطت حياته بمسار الدعوة الإسلامية خلالها وبعدها،خصوصا وأن الدولة الإسلامية ستصبح خلافة وراثية مع ابنه معاوية بن ابي سفيان. ولنا أن نستنتج ما سيأخذه مسار الروايات المدونة لتاريخ الدولة الإسلامية.

ما سنجله لشخصية أبي سفيان في ارتباط مع رحلة الإيمان،هو محطات عرفت فيها شخصيته تأثرا وتأثيرا ملحوظين مثله مثل صحابة آخرين برزت اسماؤهم مع نجاح الدعوة الإسلامية إن خلال عهد الرسول الكريم أو بعد وفاته....

 فابو سفيان له مكانته في قريش و شبه الجزيرة العربية وبلاد العجم قبل افسلام. أخلاق وتجارة وحرب ومفاوضات وأشعار... كل هذا أكسبه خبرة وواقعية ومكانة طبعا.

فرمز الراية وبقاؤها أمانة عنده،وحملها في يوم الحرب بيده،كل هذا يدل على أن الشخصية محترمة متبعة م