في مجال البصر هناك ما يسميه اصحاب الاختصاص بالنقطة الغير المرئية او العمياء.نقطة دالة على النسبية،على الاختراق.... في مجال التفكير نجد الثقب الاسود او ثقب الذاكرة.حالة دالة على خيانة العقل لصاحبه،انفلات في المعلومة وفي الذاكرة......
خرج حميد لساحة السوق الداخلي.قصد دكان التبغ .العلاقات الاجتماعية والثقافية متداخلة مع الاقتصادية وغيرها...
عبد الحق صاحب الدكان منشغل متوتر:
ـ آش حب الخاطر آسي حميد؟
ـ باكيا (و) آسي عبدالحق. مالك تالف؟
ـ هاك ها الباكيا والله يعاونك.
ـ هاد الكارتون لي منزل بقرب السارية لا حاجة لك به؟
ـ خذه وبعد مني دابا راني مشغول...
فتش حميد ما يناسب من علب الكارتون،لاحظ نقودا ورقية في احداها،انتبه لدوخة عبدالحق:
ـ آمالك هاد النهار تالف؟ماكاين زبيطي في الفيقي...؟
عبد الحق زير نساء،له لسان تجاري يذيب به بخل الزبائن،ويفتن به عقول النساء وابتساماتهن... معروف بعباراته ولازماته في الكلام التي أرَخت لها ذاكرة المدينة
(الزبيطي في الفيقي) دلالة على لون حرير تشتريه النساء.لون زبطي اشارة الى بياض مائل الى حمرة البشرة. اما الفيقي،فهو خزين الدكان الذي يصعده بالدرج فوق ويضيق مع سقف هذا الدكان.يصبح الزبيطي في الفيقي،الحرير المناسب فوق اذا أردته،لكن الايحاء واضح في اشارة خفية تتربص استمالة الزبونات.تصبح العبارة دالة على تجرد من اللباس في المكان العلوي،مما يزوبع دواخل النساء الرقيقات المشاعر... والفاهم يفهم....
تسجل الذاكرة هذه اللمسات الثقافية والاجتماعية التي يزخر بها الشارع المغربي عموما.وتبقى مقبولة في التداول خارج الرقابة،مادام السوق والشارع هو متنفس الكل من القوانين والاعراف والاخلاق المتشددة والملزمة التي تقيد الجميع... لابد من بعض الانفلاتات منها ولو بالكلام،مادام اللسان ما فيه عظم ،كما يقولون.فليزل هذا اللسان كما يشاء بعض المرات....
أخذ حميد الكرتونات ووضعها فوق الكونتوار.جعل المملوءة بالنقود تحت وجعل اخرى فارغة وسطها:
ـ ناولني خمس علب سجائر من نوع (و)،وخمسة من نوع(ك)،وخمسة من نوع (ك).......
ـ مالك آش دير بهذه السجائر باكملها؟؟
ـ ماشي شغلك،اعطيني لي بغيت،غادي نبدل الحرفة ونبيع السجائر بالتقسيط آ سيدي... بدلت الحرفة.. و قل لي آش متلفك ليوم؟؟
ـ ابحث عن نقود وضعتها في الدكان.
ـ كم مجموع ثمن هذه العلب؟
ـ انتظر... خمسمائة درهم ونصف درهم.
ـ ايوا غادي نخلصك من هذه العلبة الكارتونية.
رفع حميد العلبة الاولى من الكارتون،فتجلت اوراق نقدية في الاخرى.
ـ على هذه تبحث؟؟؟
تصبب عبد الحق عرقا ورجعت له الابتسامة في عينيه وجلس على كرسيه متنفسا الصعداء.
ـ الله يرحم الوالدين.لو كان شي واحد آخر كون مشاو.
ـ ايوا غادي نخلصك في السجائر من هذه النقود.
ـ تستاهل آسي حميد.
ـ شحال بعدا هذه البركة فالكارتون؟
ـ خمسة ديال المليون.
ـ جرى ليك ما جرى ل ( حميدو).
ـ ما له حميدو هذا؟
ـ حميدو آسيدي الذي يبيع الحلوى بالقرب من مركز الحراسة.هو اول من يستيقظ من تجار المدينة.يصلي الفجر،يفتح الدكان،ياخذ وقته في تصفيف السلع وترتيبها، قفة الخروب،قفة الحناء،علب الشموع للزيارة،قنينات ماء الزهر والورد،الحلوى المعلبة بألوانها الحمراء والبيضاء والصفراء،الأواني الخزفية من الطين مثل احمد وحليمة والبرادات في أحجامها المختلفة....
سمع الخياط بجانب دكان عبد الحق حوار الاثنين،وهو يسقي غرس (الفريزي) الذي يهتم بخضرته ونضارته بعناية ،خصوصا وان هذا النبات يبعد بعض الحشرات كالناموس وغيره... سألهما معلقا ومنضافا لحوارهما بدون دعوة او إذن:
ـ اشكون لي تزوج؟سمعت حميد وحليمة.ياكما احمد مول الفران؟ راه لبارح اشترى بلغة جديدة.
ـ هذا الخياط آسي عبد الحق لن يبارك زواجا حتى يخيط جلابة العريس ويتخلص فيها هي والدراعية..
ـ مازال ما خيطنا والو آ سي حميد الله يهديك...
ـ احمد وحليمة آسيدي هما الزلافة ديال الطين بالقطران ،والغراف الطويل بعض الشيء. ياك ديما الغراف هو الذي يسقي الزلافة. ايوا احمد يسقي حليمة...
ـ آه عاد فهمت, آش داكوم لحليمة انتما؟؟؟
ـ سمع قبل كل تعليق،ونحكي ليك ما جرى لي هذا الصباح.لو لم يكن سي حميد هو الذي اعتقني وانقذني... اكمل آ سي حميد.
ـ راك عارف احميدو، ساعتان للترتيب،ثم يشتري كاس قهوة شبري بالحليب و اشفنجتان،ويتناول الفطور,,, ما زال لم يتناول فطوره، وقف عليه زبائن امام الدكان.بدؤوا في اقتناء الزهر والشمع المزوق والحلوى.. الخير موجود...علقت عينا امراة معهم على برادة منزلة ومزوقة بالقطران بشكل مزيان وجميل:
ـ هاديك البرادة فيها سأشرب الماء.كم ثمنها آالشريف؟
ـ عشرين درهم آ لالا.
لم تتردد في قبولها بذلك الثمن.رغم انه منفوخ فيه،خمسة دراهم زيادة.... باك حميدو بانو سنانو بالفرحة،همزة صحيحة على صباح..
ـ ماشي الفياق بكري بالذهب مشري آسي عبد الحق .علق الخياط.
ـكون شفتي لي طاحلو ذاك الذهب آ المعلم....
قهقه الجميع...
ـ خليوني نكمل ولا غادي نمشي لحالي وشغلي.
ـ كمل آسي حميد.
ـ باع البرادة واشياء أخرى. ساعات بعد ذهاب الزبائن في سيارتهم الفاخرة وتناوله فطورا مبرعا.....
ـ غادي يكون أطفأ البيض على الاشفنج...
هذا المعلم الخياط يلزمه السكوت... احميدو تفكر انه يضع ثلاثة آلاف درهم في برادة.وقفت أذناه،التقيا حاجبيه،انزوت خدوده،جحظت عيناه... اسرع في تفتيش البرادات،حتى ان احداها كسرها لما سمع صوتا متدحرجا في جوفها،لم يكن سوى صوت جوز متدحرج بداخلها... تصبب عرقا،وجلس جامدا.ضاعت الثلاثة آلاف درهم.تاكد انها ذهبت مع البرادة التي باعها ب عشرين درهما... ولكن جات غير ف حميدو مسكين الذي دائما الصلاة والحانوت.اما هاذ العفريت ديال عبد الحق عندو الزهر... الله يعاونكم ،صباحكم مبروك.
علق الخياط : كيفاش ،لم افهم شيئا؟
ـ ها جارك معك يحكي لك،عندي شغلي نمشي نقضيه،حتى المساء ان شاء الله.السلام عليكم.
ـ حتى للعشي و آجي نحكي ليك القصة ديال( باالزين) الله يعاونك.