imami hassan
ثانيا : معالجة مكسيم رودنسون لقضية الوحي المحمدي والقضايا المتعلقة به:
ان معالجة قضية الوحي الالهي لمحمد (ص) قضية مرتبطة بحقيقة سماوية يصعب على القل بحثها كما تبحث الاشياء داخل المختبرات. وتصديقها ينطلق من التسليم بوجود قوة غيبية خارقة، ومن اقرار بحادث النبوة كما جاءت عند رسل وانبياء عبر تاريخ البشرية منذ آدم حتى محمد (ص) خاتم النبيئين.
لكن معالجة الكاتب م.رودنسون لها كانت مغايرة.فاذا علمنا موقفه منها فيما سبق ، موقف ملحد لا يقر بوجود اصول ماورائية للمعرفة ولتفسير التاريخ عامة، فظاهر التناقض هنا بين الاتجاه المادي للكاتب وطبيعة المةضوع الماورائية الاصل والواقعية التجلي ملاحظ وبارز.
ا ـ موقفه من الوحي: ميزة الكاتب هنا انه كان صريحا بتعبيره عن رايه قائلا L(( لا اريد ان اغلط احدا ، المسمون يمكنهم بشرعية رفض قراءة هذا الكتاب ، اخذ معرفة بالتفكير غير الاسلامي....لااعتقد طبعا بان القرآن كتاب الله، دون نذا ساكون مسلما...الاكثر قربا الى الحقيقة هو كما فسرته مطولا بان محمدا فعلا قد احس واختبر التجارب الحواسية وعبر عنها بكلمات وبجملوالتي فسرها مثل تبليغات للخالق.))(1)
ب ـ هل كان النبي صادقا فيما اعتبره وحيا: كان طرح الكاتب لهذا السؤال ـ الفرضيةـ طريقا لتناول آراء المستشرقين السابقين له والمعاصرين.فبالنسبة لرجال الدين و بعض الفلاسفة العقلانيين، راوا فيه شكل غشاش، لجا الى ادوار الشعوذة، لكي يسترعي اهتمام خيال معاصريه.والفارق الوحيد بين علماء اللاهوت والفلاسفة هو ان الفلاسفة راوا في كل منتجي الديانات تفسيرا كهذا.وبعض منهم مثل فولتير voltaire ، وجد لمحمد ظروفا مخففة في رغبة شرعية لدفع شعبه الى مكانة اقل احتقارا L(( ...جعلت ضروريا اللجوء الى الغش والمكر لكي يمارس تاثيرا على هؤلاء الناس)).(2)
اما هوبرت جريمh. Grimm في نهاية القرن 19، فقد اسند لمحمد (ص) اهدافا حميدة.فقد وصفه بالاشتراكي الذي كانت وسيلته الوحيدة لهذا هي تصور اسطورة، على الاقل مصغرة في حساب اخير سيخرج منه الاغنياء خاسرين اذا لم يؤدوا الزكاة.
لقد لا حظ الكاتب هنا عند جريم تاثير اتجاهه السياسي ( التقدم الحمهوري للحزب الديمقراطي الاشتراكي الالماني).
ياتي بعد هذه التفسيرات علم النفس و طب الامراض الغقلية اللذان حكما بعدل هذه التفسيرات التبسيطية للغش والمكر. اقد اتى سرد الكاتب لهذه الآراء كتقييم لمجهودات سابقة، لكنه لم يجاريها لرلي: (( لان حالات المكر الواقيعية توجد ووجدت، لكنها في رقم محدود.على اي ، الكل يفهم ويقبل الآن بان افرادا يمكنهم الاعتقاد بانهم يتلقون رسائل سمعية وبصرية وعقلية من ما فوق. وكذلك بان جديتهم ليست دليلا على ان تلك الرسائل قد اتت فعلا مما افترض ان تاتي منه. انه مبدا اللاشعور الذي سمح لنا بفهم هذه الاحداث....))(3)
واضح تبني الكاتب للتحليل النفسي في فهم الظاهرة الدينية التي منها الوحي.فالدراسة الموضوعية لحالات اشخاص ـ ذوي اعتقاد صحيح وحسن راوا مشاهد وسمعوا اقوالا في حالة هلوسة ن والذين اعلنوا جديا عدم رؤيتهم لها قط من قبل ـ تبين (( ان الامر يتعلق بتنظيمات جديدة معمولة من طرف اللاشعور انطلاقا من اشياء مرئية ومسموعة لكن منسية...))(4)
فما علاقة تجربة محمد (ص) بهذه الحالات؟ يعتبر رودنسون انه (( معقول اذا بان محمدا راى وسمع كائنات فوق طبيعية وصفها له اليهود والمسيحيون الذين سالهم)). وكذلك مفهوم (( بانه التقط اقوالا حيث عاصر تجربته الواقعية...ظهرت من جديد محللة و معاد تاليفها ومغيرة مع وضوح واحساس بالواقعية التي وجبت عليه مثل اقرار بنشاط خارجي موضوعي ..رغم كونه متعذر بلوغه في حواس الآخرين))(5).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Mahomet 1 ـ ص 252 . 2 ـ نفسه ص 103. 3 ـ نفسه ص 103ـ104. 4 ـ نفسه ص 104.
نلاحظ هنا تاثير التحليل النفسي في فهم التجربة الروحية و الدينية عند محمد(ص).فاللاشعور هو الذي رتب ما تراكم في فكر محمد(صً) من معلومات وتكوينات مختلفة، واعادها في شكل وفي حالة اقرها علم النفس عند حالات مشابهة... يقولL( عندما ندرس المرسلات الاواى لمحمد ، عندما نقرا فضلا عن ذلك الروايات التي تعرض لنا نوبات الشك وفقدان الامل التي تلتها ورافقتها، لامكننا الا ان نكون مرتابين شاكين تجاه الابحاث التي ترى هنا تجليات لسطح محسوب ببرودة ومهيا بعناد تحت الهام طموح .... وهذه الروايات تبدو صادقة جدا))(1).
فالكاتب يرفض التحليلات المنكرة لصدق محمد، لكنه لا يذهب بعيدا في ذلك التصديق.فصدق محمد ينحصر في تجربته النفسية المماثلة لتلك الحالاات التي اقرها علم النفس والتحليل النفسي. كما ان هذا التصديق لم يقع بشكل اكيد الا على المرحلة المكية دون الاخرى المدنية. يقول الكاتب في هذا الصدد : محمد فعلا قد احس واختبر التجارب الحواسية، عبر عنها بكلمات وجمل... صدقه بدا ثابتا في مكة ، خاصة عندما نرى كيف ان الله يعامله بشراسة،يصححه، يقوده الى خطوات ...لكن في المدينة ...عنما نرى ان هذه الايحاءات اللاحقة تاتي لتقويم اتجاهاته الاقل تهذيبا... جد حذر باصدار ايحاءات للتاكيد...تضمن بطريقة جد صريحة خلاصات توصل اليها...يصعب علينا الاعتقاد بانها نفس الطريقة البريئة مثل الحقبة السابقة.(2)
يتساءل الكاتب في هذا الصدد : هل الالهام تحول الى خداع؟ لقد راى الكاتب ان بعض الايحاءات لم تكن صادقة او عفوية، اذ انها جاءت بعد مدة من التروي و التفكير والاستشارة ، او مرضية له او لاقرب الناس له ـ عائشة مثلا في قضية الافك، عمر في بعض مشوراته الصائبة ـ.(3)
يبدو ان الكاتب قد احتار بين امرين التصديق او الانكار واعتباره ماكرا، حينما يقول : (( يصعب تفسير محمد الصادق مثلما يصعب تفسير محمد الخادع))(4).
لكنه بعد تحليل وترو لم يقر لا بغش و لابمكر، لان معطى الرسالة والقيادة أقوى من فرضية الخداع:((... لا يقود بعنف إلى افتراض المكر والغش ، قدرة الناس على التغاش هم أنفسهم، غير محدودة... ولكن إلى أقصى حد، عدة أحداث تقره لنا، بقي معتقدا بان ما يتكلم داخله كان نداء المعلم الشديد والقوي الذي سيره من أعلى السماوات السبع والذي من اجله خاطر كثيرا وتألم، والذي من اجله كان مستعدا لكي يتألم من جديد)).(5)
ج ـ علاقة محمد (ص) في تجربته بتجربة الزهاد والمتصوفة:
اعطى م.رودنسون لحادث الوحي ونزوله على محمد(ص) في اومره تفسيرا ربط فيه تجربته بتجارب المتصوفة وتحاليلهم. واعتبر الاطوار التي مر بها محمد (ص) في تجربته شبيهة بمثلها عندهم.فتعود محمد على التحنث داخل غا ر حراء، كان جاريا به العمل عند الزهاد اليهود والمسيحيين و الحنفاء الذين الهموا بهذه التجربة. (6).لقد عرف محمد الظواهر الحسية والمسومعة، ومراحل الشك ، ثم الذهول تحت شكل موثق ونهائي.(7)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ mahomet ص 104. 2 ـ نفسه صص 252/253.
3 ـ نفسه ص 253. 4 ـ نفسه ص 253.
5 ـ نفسه ص 104. 6 ـ نفسه ص 95.
ـ نفسه ص 106.
(( لقد بدا تعاطي تجارب الزهد ، التي هي عند كل الزهاد مرحلة من مراحل الوصول الى الهدف الذي رسموه او الذي دفعوا اجاهه وسيلة للتخلي عن الانا الحادث والجسماني المتدي ، لقطع ما امكن العلاقات مع العالم الخارجي...وسيلة لتحقير النفس، مع خضوع امام الكائن الذي نبحث عنه...لقد وصل الى حالات الانجذاب او الوجد l extase ...)) (1) لقد اشترك معهم في كل هذا ، لكنه لم يسايرهم في تجاربهم التي تصل الى حد الحلول والاتحاد مثل ما وقع لابن عربي وغيره: (( لقد راينا ان محمدا قد احس مرحلة الجفاف المعروفة جيدا عند باقي المتصوفة، ولكن لم يصل ابدا الى مرحلة الذهول هان هاو الوجد والانجداب.. لقد احس دائما بالتفارق والتمايز ، وكذلك كان مفروقا عن الاله الذي كان يكلمه والذي يرسل اليه الرسل، والذي يوبخه ويشجعه...لقد كانا في عالمين مختلفين...(2)
توقف محمد اذا في المراحل الاولى لرحلته الصوفية حسب راي الكاتب.التشرفات السمعية والرؤيوية التي تلقاها..اعتبرها المتصوفة الكبار انها لم تكن سوى مشاهد زائلة، ومرحلية.كذلك مشبوهة وخطيرة...وبالاولى فانها مراحل من المستحشن تجاوزها.
هذه الاوهام ، وهذه الانجذابات اقلقت كذلك اطباء النفس المعتقدين الذين يعيشون في العصر الحالي.ذلك لانهم في راي الكاتب ، يعرفةن بحق ا ناي شيء لا يميز فعليا تلك عند الكتصوفة من تلك عند المرضى.فمحمد اذا ، اتبع التقنية الزهدية التي اعطاه شكلها الميحيون العزل ، كما احتضنت من طرف الحنفاء، ولم يكن يتوقع المشاهد الحواسية الفائقة الوصف، التي اثارت هذه التمارين.لقد استقبلها من خلال الشكل الوحيد الذي اعطاه اياه المجتمع : تجارب الكهان و الشعراء... عندما يجري الى خديجة لكي يتغلف برداء، فالكلمات الاولى التي كان يسمعها و يكررهاL( الايحاءات الاولى التي اسندها للاهه هي في الشكل مرادفة للكلمات التي يلهمها العقل او الروح لكهان الصحراء)).(3)
د ـ حول تعامل محمد (ص) مع الوحي: في هذا الصدد يقول الكاتب بان انبياء سابقين تقبلوا الرسالة الشفاهية الفوق طبيعية بكاملها للاشعورهم.....
اما محمد فالتجربة التي بحث عنها والتي مارسها لم تكن في الاول كلامية شفاهية، في مرحلة لاحقة اصبحت كذلك.كانت منذ البدء موازيةـ من وجهة نظر الكاتب على الاقل ـ لالهام الكاتب المؤلف الذي يريد ان يقدم ليس فقط اقوالا ولكن معنى مفهوما.(4)
ان محمدا (ص) شبيه بالقديس بولس الذي ك (( اراد بوعي تصغير وتضييق عطاءاته الفوق طبيعية)). (5) وعليه فمحمد (ص) كذلك (( اضطر الى حذف واختيار ـ لاشعوريا بدون شك ـ وعدم ترك سوى ما يعلم و يوعظ ويسلي)) (6).
لقد راى الكاتب ان محمدا (ص) كانت له اشعار مثل اشعار المتصوفة ، لكن (( اشعاره الجميلة لم تكتبقط بدون شك))(7).
وذلك في نظره انتظارا لرسالات اخرى في معنى معطى بحث عنها (ص): (( وانتظاره هذا شكل الكلام الذي بحث عنه...اكثر و فوق المسيحيين ذوي اللغات المعتوهة.لقد وجد نهج انبياء اسرائيل الكبار... لم يبحث ابدا في خلق عمل حيث الاسلوب والمحتوى يفرضان عليه بعض الشهرة مثل شعراء الصحراء. ولكن مثل الشعراء الكبار الخلص عند الانبياء، كانت تجرته الذاتية.هذه اللحظة السامية لا تبلغ في كمالها)).(8)
ان محمدا (ص) على هذا الاساس لم يرد ان يكون شاعرا و لاحتى كاهنا، انه اراد طريقة الانبياء في الالهام والتعبير.فتجربته (ص) قد حوت القدرة على العكاء الشعري وغيره.لكنه بحث عن اظهار تجربته كتلك عن الانبياء.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ mahomet ص 105ـ106. 2 ـ نفسه ص 107. 3 ت نفسه ص108.
4 +5 ـ نفسه ص 121. 6+7+8 ـ نفسه ص 122.
فرغم ان اشعاره لم تكتب قط ، فانها قد ظهرت في بداية وحيه على الاقل.يقول رودنسونL(( لقد كان رغما عنه في الاول على الاقل ، شعرا ورسالة في وقت واحد.شعرا لان النداء...وجد ثانية كلام الكاهن والزاهد الملهم...لكنه وجد خاصة الوزن والانساق التي يسيطر عليها قانون القافية المكيفة لمتطلبات اللغة المستعملة...))(1).
هكذا راى الكاتب ان محمدا (ص) قد تعامل مع تجربته بانتقاء، فهو اولا لم يرد تجربة الشعراء و لاالزهاد، بل اراد نهج الرسل والانبياء.وثانيا لم يرد اصدار الهامات كلامية شعرية كتلك التي في وسطه، بل ارادها شعرا خالصا منتقى.هذا الشعر الخالص كان اكثر من ذلك الهاما الهيا ـ في نظر الكاتب هو لا شعوره ـ الذي عمل محمد فيه على L(( ...اختيار ـ لاشعورياـ وعدم ترك سوى ما يعلم ويوعظ ويسلي)) كما سبقت الاشارة اليه.
ه ـ حول مضمون الوحي: بالنسبة للايحاءات الاولى ن فمحتواها جد جديد : (( انه عال بمائة دراععن الكهان الفقراء الذين يلعبون دورا تقليديا نقصورا على رجال من مزاجهم.لا شعوره ـ بما ان لا شعوره هو الذي ينكشف في محتواه ـ جد غني من جهة اخرى.لقد راينا كيف كان تكوينه ، والافكار التي جاءت من الوسط الاجتماعي القرشي، التي ترسخت من خلال التربية ةالمثال الذي مثله الطفل في وسطه الثقافي ، هذه الافكار قد رئيت ومزجت وقننت تحت حركة المجرى التوحيدي الكبير الذي يجيري في شبه الجزيرة العربية في تلك الفترة... سوف يرجع الى الناس في المكان لكي يطلب منهم الحساب و يهدم الايديولوجية التي تساعد كتبرير على قوتهم.لهذا تبنى موقفا ضمنيا ثوريا))(2).
فتجربته شبيهة بالتصوف ، الذي راى فيه كولاكوفسكي kolakowski ثورة للوعي الذاتي ضد الجهاز او النظام القائم. فما سر نجاح هذه الثورة؟ لقد ارجع الكاتب ذلك الى انعدام المؤسسات الدينية والسياسية القوية التي يمكنها ان تمنعه من معارضة معتقداتها.
اما اللوحات التي قدمها محمد(ص)، فقد تساءل الكاتب من اين استقاها النبي (ص)؟ انه يريد بذلك قوله تعالى L(( اذا السماء انشقت واذنت لربها وحقت...)) (3). وقوله تعالى ايضا (( يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران، فباي آلاء ربكما تكذبان، فاذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان ، باي آلاء ربكما تكذبان))(4).
هل هي فقط معطاة بواسطة رؤاه واوهامه الجد مشبوهة والجد مماثلة لتلك التي يمتلكها الشعراء والكهان ذوي اعتبار اخىقي مرتبط باعين الكل؟ يجيب رودنسون بانه لا يرى ذلك، بل عنده براهين قوية على ان هذه الكتابات الرائعة التي حرم منها العرب حتى تلك اللحظة، كانت في متناول الشعوب الجد متحضرة ...
بدون شك يجعل استقاءه لتلك اللوحات في علاقة مع مثيلاتها عند الشعوب المتحضرة في وقته.اذا لم يوجد مرجع داخلي عربي لذلك، فليس ببعيد انه استقاها من الشعوب السلفة الذكر. فبمجرد ان يعطي لكلمة القلم في قوله نعالى (( الذي علم بالقلم، علم الانسان ما لم يعلم))(5)، يعطي لها معنى كلمة يونانية kalamos والتي تفيد انه القصب الذي به كتب الرسل السابقون الوحي، يظهر ان هذه اللوحات استمدت من شعوب متحضرة.
ليس هذا فحسب ، بل انه جعل للتصوير والتعبير الذي جاء به محمد(ص) للجنة صلة بكتابات قديمة جدا عند رجال الكنيسة الذين صوروا فيها الحياة المبتغاة بعد الموت... منهم القديس افريم الذي عاش في القرن الرابع الميلادي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ mahomet ص 122. /// 3 ـ سورة الانشقاق الآية 1و2. /// 5 ـ سورة العلق 4ـ5.
2 ـ نفسه ص 109. // / 4 ـ سورة الرحمن الايات 35ـ38.
فبالرغم من ناه لم يجد دليلا للبرهنة على اللاقة بين الراهب المسيحي ونبي الاسلام(ص)، فقد قال : (( لكن يبقى التاثير الغير مباشر محتملا ومن الاكيد ان الزهاد المسيحيين قد حلموا بتعويضات في العالم الآخر)).(1)
ان تلك الثورية التي وصف بها محمد (ص) مزكيا راي كولاكوفسكي، لم تدم على ما يبدو كحكم وكوصفن اذ سرعان ما تحول الحكم الى ضده والوصف الى عكسه.ذلك لانه اتعبر الرسالةك(( في البدء لم تكن لها صبغة ثورية ولا صادمة، لم يات باي جديد رسمي)).(2)
فعلى مستوى الديانة السائدة لم يات بايجديد لعدم اصطدامه بآلهة مكة: (( وهذا شيء ملاحظ، اله محمد في ايحاءاته الاولى لا يلغي ابدا وجود ىلهة اخرى كما لا يلغي قوتها. انه يطمئن بعدم التكلم عنها قط، لم تكن اية مسبة مثلما هي في الايحاءات اللاحقة ضد اولئك الذين يشركون مع الله آلهة اخرى...))، (( انه جد محتمل بانه في هذه المرحلة..قد ظن بوجود ممكن حوله لجماعة من الآلهة الثانوية بدون فائدة كبيرة، بما انه خاضع في المجمل للمعلم الاله الاعلى))(3).
لقد ارجع الكاتب ذلك واستدل عليه بقصة الغرانيق التي تجعل تقديرا لآلهة قومه اللات والعزى ومناة، وعلق على هذا الحدث الذي وقع مع نزول سورة النجم بقولهL(( يظهر جليا بان لاشعور محمد قد اقترح عليه صيغة يمكنها فعلا عمل اجماع، بما ان هذه اطيور الكبار شبيهة بالولائكة او الجن، كانت مصورة مثل تابعة لله)).(4)
فبالنسبة لمكسيم رودنسون سواء وقع الوحي من طرف الاله او وقع له علطا وخطا بتسرب شيطاني، فالامر سواء لانه الحالتين معا تعبران عن تجربة ذاتية واحدة، التجربة هنا تعبر على كون محمد لم يرفض الالهة العربية الوثنية.وقد جسد فكرته في سورة النجم حتى ظن اليهود والمسيحيون بان محمدا رجع لثنيته الاصلية.
ويخلص رودنسون الى ان التبشير الجديد لم يكن شيئا من الثورية، وبان المذهب الجديد يعشق معبودات المدينة،يحترم معابدها ويعترف بشرعية دينها.(5)
على المستوى الاخلاقي كذلك، انعدم اي تجديد اخلاقي: (( الممارسات المقترحة كانت منتشرة قبل ذلك عند المكيين)).(6) فاذا كان محمد (ص) قد الح على واجب الصدقة ... وعلى الكرم كاسمى فضيلة، فان هذه الجوانب كانت منتشرة بن القبائل العربية......الالحاح على واجب الصدقة ليس شيئا غريبا ويمكنه ان يعتمد على المثال القبلي القديم....المثال الذي جعل الكرم في الصف الاول للفضائلن يشبه كذلك الفكرة الدينية الجارية للحاجة للتضحية...لم يكن كما نرى في كل هذا اي تجديد اخلاقي اساسي كذلك)).(7)
وعلى النستوى التوحيدي اليهو ـ مسيحي، فقد تطرق اليه الكاتب في عدة مانسبات .فبالنسبة له السبب الذي جعل العرب يقبلون بافكار اجنبية عنهم ـ نادى بها اليهود والمسيحيون من قبل ـ هو صيغتها بلون عربي وطني، الذي((Lلن يمكنه سوى الارضاء لسامعي التبشير بدين جديد))(8). لماذا ضرورة هذا اللون الوطني العربي؟ انه لسبب الكبرياء العربي الذي لم يرد مجاراة الحضارات السائدة في عصره، ولم يرد ان يخضع ويكون تابعا لها، كي لا تنمحي بذلك حريته وطابعه الخاص واستقلاليته.
فالافكار التي كان اهل الكتاب يفتخرون بها قد حورت وقننت واكتست طابع الاستقلالية والاختلاف عن تلك عند اهل الكتاب.لقد كانت رؤية عربية مجردة لها عن معتقدات رسخت في ذهن اليهود والمسيحيين.لكن الكاتب لم يعتبر هذا الاختلاف كتصحيح وانتقاد، بل اعتبره صورة مشوهة لمعتقدات اهل التوحيد(( كل هذه الروايات مجلوبة من الرواية العربية او من الكتب المقدسة اليهودية.لم تبق في شكلها الاصلي في مرحلة معينة...))(9)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ mahomet ص 280. /// 2 ـ نفسه ص 124. /// 3 ـ نفسه صص 124ـ125.
4 ـ نفسه صص 125+135. //// 5 ـ نفسه ص ص:125+135.
6 ـ نفسه +7 ـ نفسه ص125. /// 8 ـ ص 125. //// 9 ـ نفسه ص ص 152ـ153.
وكذلك فهذه الروايات: (( جاءت من كنز الاساطير المشترك في الشرق المسيحي ،عن طريق الادب الشامي.هكذا قصة النيام السبعة.....)) (1).
هذه الافكار الفاتنة لدى الكل ملونة بنعيم الحضارات العالية والامبراطوريات القوية التي هي في عز وشرف،(( اصبحت مقبولة بكاملها داخل الكبرياء العربي بفعل انها مقدمة بالعربية، مصغرة من طرف رسول عربي ....))(2).
وعلى هذا الاساس فما جاء به محمد (ص) في هذا السياق لم يكن منعدما ولا مرفوضا لدى المكيين.وسبب قبول العرب للدين الجديد وانخراطهم فيه هو تلون الافكار اليهو ـ مسيحية بلون قومي عربي، وتقديمها بالعربية مصغرة من طرف رسول عربي.وكذلك وجود عقول حرة في مكة اختارت الاتجاه الى محمد(ص) مع تجواز للامثتالية للطبقات المسيرة للمجتمع المكي، حرية عقول حسب الاشخاص.(3)
و ـ حول شكل الوحي:
بالنسبة للايحاءات الاولى التي سمعها فهي مرادفة للكلمات التي ينفخها او يلهمها العقل لعلبدي الصحراء... مرادفة للكلمات عند الكهان. فالكلمات : (( تنظم في جمل قصيرة باهرة، ملفوظة بتقطعات عنيفة مع قافيات غنية نوعا ما.انه ما نسميه بالعربية السجع او النثر المقفى))(4).
فوحي محمد (ص) كان في الاول شعرا ورسالة، لانه : (( يجد كلام الكاهن والزاهد والملهم)).(5) يجد مثلا القواعد العادية.... و خاصة كذلك L(( الوزن والانساق التي يسيطر عليها قانون القافية، مكيفة لمتطلبات اللغة المستعملة))(6).فهو شعر خالص طبيعي كما اقر بذلك الكاتب.
اما بالنسبة للاسلوب فهو كما سبق ذكره ، اسلوب تجاري في بعضه، لانه موجه الى تجار يعاملهم بالحساب.من اطاع فله الجنة وخير الدنيا، ومن عصى فله العذاب الاليم.لكنه لم يكن كله كذلك،ستبقى قيمته كخطاب ديني عال عن منطق اللغة العادية المتعامل بها في العلاقات المادية بين الافرادL( له احيانا تعابير تجارية عنيفة...لكن في اوقات اخرى له لغة عالية جدا.))(7)
لقد ناقش م. رودنسون اهمية الاسلوب القرآني وشكله. وتطرق لراي العلماء المسلمين فيه، الذين يعتبرونه شكا اعجاز قرآني وبرهانا على اصالة هذه الكلمات الالهية، وهذه الجمل بدليل انهL( لم يصلنا اي شيء من النثر العربي السابق....الظهور المفاجىء لنوع ادبي جديد... لا يمكن ان يفسر سوى بكونه معجزة... لم يكن شيء ليوحي عند محمد كرجل له قدرات ادبية ما )).(8)
يرى الكاتب ان النثر القرآني جد خصوصي ، وبان المؤلفين العرب نفسهم يقولون لنا بانه وجدت فبله خطابات من نفس الشكل.فقط هذه القطع الادبية لم تكتب ابدا.كذلك وجدت معارضات للقرآن ككتابة فنية لمفكرين مسلمين احرار.ويشير للمستشرق نولدكهnoldeke الالماني في هذا الاطار ويقول عنهL0...عارف ماه باللغة العربيةكتب مادة غزيرة حول الاخطاء الاسلوبية للقرآن))(9).
لقد حاول الكاتب من خلال اشارته الى اخطاء اسلوبية في القرآن والى وجود معارضين له ككتاب سماوي ، الى وجود كتبات من نفس الشكل قبله ـ لكن عذرها انها لم تكتب قط ـ ، حاول رودنسون من خلال كل هذا الاقرار بعدم اعجاز النص القرآني.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ mahomet ص 153. // 2 ـ نفسه ص 126. /// 3 ـ نفسه ص 150.
4 ـ نفسه ص 122. ///// 5 ـ نفسه ص 122. ///// 6ـ نفسه ص 122
ـ نفسه صص 155 ـ 156. //// 8 ـ نفسه ص 119. ///// نفسه ص 120.
الباب الثاني:
الفصل الثالث:
مناقشة مكسيم رودنسون في معالجته لموضوع النبوة المحمدية:
ان مناقشة م.رودنسون في كل الجوانب التي تطرق لها في كتابه تتطلب منا وقتا وجهدا طويلين، لاتسعفهما حدود هذا العمل.اذلك ساحاول مناقشته في بعض منها، ذلك ان ما لايدرك كله لايترك جزؤه.
اولا: مناقشة المنهج والموقف: في البدء نسجل ان الكاتب تبنى في الاول كمنهج التزام الموضوعية العلمية وعدم التحيز في تحليلاته للطروحات الضيقة لاصحاب المذاهب والاحزاب السياسية والفكرية. فهل فعلا استطاع م.رودنسون الالتزام بما تبناه؟ وهل فعلا كانت تحليلاته زمناقشاته حتحرم النص التاريخي وآفاق التعامل معه؟
في الحقيقة يصعب الجواب بالنفي او الايجاب لاول وهلة.ذلك ان الكاتب في اطار ما تبناه كمنهج تطبيقي تعاملي يرتكز على العلمية وموضوعيتها، تبنى منهجا آخر اعتمده اساسا لبحثه وموجها لفكره ونظره في الموضوع. فقد اعتمد المنهج الماركسي المرتكز على السببية الاجتماعية، ونعرف جيدا ما معنى هذا.حيث لا يخفى على احد اهمية المنهج والطرح الماركسيين في عصرنا الحالي، ودورهما في الحياة البشرية الآنية.
السببية الاجتماعية تعني انعدام عوامل اجنبية خارجة عن المجتمع، الواقع والصراع العام في الحياة.فما وقع لم يكن سوى حالات مادية ونفسية او فكرية او مرضية. يمكن تفسيره وتحليله على قاعدة ما توصلت له العلوم الحية من نتائج هامة تعمق الوعي الانساني وفهمه للحياة.هذا عامة ما اراد الكاتب الوصول اليه.
لكننا نجد من يخالف الكاتب في وجهة نظره هذه، وفي طريقته في التعامل مع موضوع حساس كهذا. و عامة، فالمفكرون المسلمون لا يقبلون النتائج التي توصل لها الكاتب في بحثه.يرفضونها لانها تحالف الحقيقة الدينية والتفسير الديني لها. وبالتبع تخالف حتىما توصل اليه علماء الدين والباحثون المسلمون من خطوات جبارة في اثبات الحقيقة الدينية ومحاولة تقريبها للفرد الكائن على ظهر هذه البسيطة.
واكثر من ذلك ، فان طبيعة الوضوع تتطلب عدة شروط يجب توفرها في الباحث اذا اراد تقديم بحث قيم وموضوعي.فاذا كان م.رودنسون قد الغى اي تحيز ضيق للباحثين، فان الدكتور عماد الدين خليل(1) قد اشترط في البحث في السيرة ، وكذلك موضوعنا الذي يكتسي طابعا جوهريا والقلب النابض في السيرة النبوية، منهجا متماسكا وسليما: (( يقوم على اسس علمية وموضوعية لا يخضع لتحزب او ميل او هوى... ويمتلك عناصر جماليته الخاصة التي تليق بمكانة الرسول المتفردة... وقد كانت مناهج البحث الغربي ( الاستشراقي) في السيرة تفتقد احد هذين الشرطين او كليهما... وكانت النتيجة ابحاثا تحمل وجها و ملامح وقسمات مستمدة من عجينة اخرى غير مادة السيرة، وروحا اخرى غير روح النبوة)).(2) لذلك تكون نتائجها غير علمية وغير قادرة على ادراك وفهم عصر الرسالة وشخصية الرسول بمحاولتها اخضاع __ حقائق السيرة لمقاييس عصر تنسخ كل ما هو جميل وتزيف كل ما هو اصيل)).(3)
وهكذا فانه من الوجهة الاسلامية يصعب اعتبار وقائع السيرة مسالة تاريخية صرفة تخضع لاساليب النقد والتحليل التي تعامل بها مراحل التاريخ المختلفة.خاصة وانها وقائع تعتبر بمثابة التشكيل التاريخي والواقعي لعقيدة الاسلام.فبالتالي على المثقف المسلم ان لا يقبل بنتائج البجوث الاستشراقية قبولا تاما ونهائيا ، لانها حسب راي د.خليلL(( ولابد ان تسقط في ... القصور عن الفهم وتدمير الثقة باسس هذا الدين)).(4)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ مناهج المستشرقين/الجزء الاول. 2+3 ـ نفسه ص 118.
4 ـ نفسه ص 118.
يبدو ان د خليل قد دعا الى الاحتراس جيدا من دراسات المستشرقين في السيرة النبوية وبالتبع في النبوة نفسها. فعقيدة الكاتب غير الاسلامية ن والتي هي مادية او كتابية، ثم عدم التزامه للموضوعية كاساس و كذلك عدم توفره على ادوات البحث التاريخي والعلمي،كلها عوامل تخل بالفهم الحقيقي لدين الاسلام وقضاياه.
لهذا فدراسة الموضوع علميا تتطلب شروطا مناه شرط الموضوعية وشرط الاحاطة بادوات البحث التاريخيك(( يصعب علينا ان نطلب من الغربيين... التعمق بايمان كهذا... ولكن من ناحية علمية، بالمفهوم الشامل للعلمن فانه لابد من هذا التحقق)).(1)
اذا فما هو موقع م.رودنسون في هذا الحكمظ واضح وجلي بان منطقه لا يلتقي مع الشروط التي سنها د.عماد الدين خليل كلها. اذ انه ، اذا توفرت ادوات البحث التاريخي ، فان شكل التعامل مع المصادر ومع طبيعة الموضوع يبدو جد غريب عن الحقيقة الدينية التي تحتاج الى احترام خلال البحث فيها وعدم الاقتصار على الحلول النسبية للعلوم الحديثة.
لكن هذا الحكم يبقى نسبيا، خاصة اذا علمنا ان جل ابحاث المستشرقين من طبيعتها انها مخالفة للحقيقة الدينية الجوهرية: الاسلام كرسالة وحدث نبوة. فلا يحتاج الى توسل لمحاولة توجيه هذه الابحاث، ذلك انها امر واقع وجهزت لها معاهد ومؤسسات ومؤتمرات ومجامع اكاديمية انطلقت من باعث آخر ومن هدف آخر غير الباعث الاسلامي ولا الهدف التقريري للحقيقة. وقد اكد د. خليل ذلك بنفسه، لكنه لم يقبله كله ربما لانه بحث عن ايقاظ غفلة المسلم ، ولفت انتباهه الى خطورة الدراسات الاستشراقية والاحتراز منها.
فاذا كان هذا الموقف النظري المادي عند م.رودنسون يعوق فهمه لحقيقة وطبيعة الفكر الديني في جوهره ، فهل استطاع رغم ذلك التزام الوضوعية في تحليله للسيرة النبوية وخاصة في الجانب التكويني لشخصية الرسول (ص)؟هل حقيقة وجدت كل تلك الجوانب التكوينية في نبي الاسلام؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ مناهج المستشرقين ، الجزء الاول ص 118.