(حول جوانب الخلل في نظامنا التعليمي)
لا تخفى على احد أهمية الضبط والعقلنة وحسن التدبير لقطاع كبير ومعقد كقطاع التربية والتعليم.
ولا تخفى أهمية الأرقام والإحصاءات ومساعدتها على القيام بقراءات مكروتحليلية لوضع التعليم وصيرورته البشرية والمالية والبرمجية والإدارية...
لكن القراءة للأرقام تختلف باختلاف الزوايا التي تنطلق منها و تريد معالجة الظاهرة بها. حيث إننا هنا لا نتوخى العلاج الطبي لبدن ما حتى يصبح صحيحا، بل نريد تطويع هذا الجسم حتى يصبح بلياقة مناسبة لما نريده أن يكون عليه وما يجب أن يقوم به. وهنا تحضر الايديولوجيا والسياسة والمال في تدبير هذا الشأن العام.كما تحضر الثقافة والتربية التي تحول هذا الكائن المعنوي وداخله الكائنات البشرية السوسيو مادية إلى ما نريده أن يكون عليه، في تقاطع مع قطاعات أخرى، تحقيقا لتوازنات تخدم مصالحنا وآفاقنا وسياساتنا.
هذه الأرضية الموضوعية لتحليل قطاع التعليم ضرورية لتفسير كيفية قراءة الأرقام لنرى ما تهدف إليه كل قراءة، ونفسر لماذا هذه القراءة، قبل أن نحكم عليها بأحكام قيمة كما هي في عنوان هذه المحاولة.
يبدو الرقم الإجمالي مهولا: 15مليارات درهم.فهذا فعلا هدر مالي ينذر بنخر جسد التعليم العمومي ومعه سياسة الدولة العامة في كل القطاعات.لكن الوقوف على تفاصيل جوانب الخلل يضطرنا للقيام بقراءة، ونرى كيفية انجازها ونجاحها.
تنطلق القراءة من دراسة أسباب الخلل وتحليل ترابطاتها وتفرعاتها، ومنهجيا سنحاول تناول كل جانب على حدة كمنطلق لتيسير هذه القراءة:
1 ـ توقف الدراسة أو الوقف غير المبرر للدروس:
أولا من العنوان يمكن القول بوجود تسرع في إصدار حكم غير مبرر.لماذا ؟كأننا لا ننتمي لهذا الواقع الاجتماعي والثقافي والإداري والسياسي الذي أنتج هذا التوقف والذي أسميناه بغير المبرر.
فالظاهرة عامة مرتبطة بالسياسة العامة للتعليم.حيث أصبح يخضع لسياسة تقشفية، وتسميته بالقطاع غير المنتج، وتهميش دوره الثقافي والتوعوي والتربوي، وإفراغه من قيمه التاريخية والحضارية التي يخاف كل مسؤول من زحفها على سلطته ومكتسباته،بدءا من المدرس الواقف أما التلاميذ،مرورا بالإداري الذي يشعر بامتيازات سكنية وتعويضية وإشباع سلطة تسيير عنادية، فيخلص في دور الحارس على التوجيهات الرسمية، ولو كانت على حساب قطاع التربية.. وهذا الإداري يبدأ قوسه بالحارس العام حتى الوزير...
الظاهرة سياسية واقتصادية ثقافية وإعلامية ضحيتها إذا قطاع التعليم والتربية. فالتعليم مقلق للأنظمة منذ عقود، أرادوه مسخرا مطيعا، فكان فاضحا مغيرا ثائرا. لم يعد هذا التعليم مسلكا آمنا للرقي الاجتماعي والمالي، بل ارتبط بالتعبير عن الأزمة الاقتصادية وسبب الأوضاع المتردية. لم يعد التعليم طريقا للتوظيف والتشغيل، فقد أصبحت الشواهد مطروحة في الرصيف، كما أصبحت كلفة الدراسة أزمة مالية للأسر المغربية ... و ما النتيجة؟.. بتوجيه الإدارة الرسمية أصبح الخطاب في التسعينيات :
ـ ا سيدي ما قولناش ليكم قريوهم ، قولنا ليكم غير حضيوهم و صافي...
هكذا سيصبح دور رجل التعليم هو حراسة الفرد المواطن التلميذ، جعله تحت المراقبة الفكرية والسلوكية، إخلاء الشوارع منه حتى نوفر الأمن المادي بالأمن التربوي السلبي والفارغ..
هذا الخطاب سيقتل الهمم ويجعلها منكسرة.وكم من رجال تعليم أصبحوا يعانون من هذا المرض الذي يجب تسميته ب ( المرض التربوي) وأسباب هذا الوباء واضحة كما سبق ذكره.
وعمليا سينتقل من المدرس إلى المتمدرس، وسيلتقي قتل العزيمة وإفراغ الهمة مع أزمة كل أسرة وشلل كل شهادة أو دبلوم ، سيصبح الطفل منذ ولوجه المدرسة حاملا لشعار تعلمه في البيت والشارع:
ـ القراية مضيعة للوقت، لا مستقبل معها.
ـ الحريك لأوربا هو الحل.
ـ العلم نور والجهل مهند، كما يسخر الجيل الصاعد اليوم من شعارات التربية والتعليم المعبرة عن فراغه من كل قيمة معنوية.
توقف الدراسة أو الوقف غير المبرر للدروس تعددت أسبابه وتعقدت بتعقد المتدخلين في صنع الحياة المغربية.
إذا رجعنا إلى البرمجة، وجدنا ضعف التجهيز وغياب الموارد البشرية، وكذا انعدام البنايات الكافية من قاعات ومؤسسات...عوامل أساسية في عرقلة بداية كل سنة دراسية.. وينبني العرف ويصبح التقليد هو التأخر في الالتحاق بالمؤسسات التعليمية.والكل يجد متنفسا لترقيع مشاكله وخصاصه كالداخليات التي توفر قدرا ماليا في كل عملية تأخر دراسي فتحمد الله على ما يساعدها من الوقوع في أزمة تدبيرية. فيغيب ضبط الزمن الدراسي وكل برمجة إدارية. أضف إلى ما سبق ظاهرة ثقافية مرتبطة بأعراف الأسرة المغربية، وبوظيفة العطل المدرسية.فنحن والحمد لله عندنا زخم وفائض من الأعياد الدينية والوطنية والدورية. والمشكل أن برمجة السنة الدراسية تتأثر بتقلباتها وتفرض التكيف مع الثقافة الاجتماعية والتساهل مع أيام قبل وبعد كل عطلة دراسية.وهذه ظاهرة عامة في كل إدارة مغربية وليس المدرسة الوطنية.
فالقضية إذا سياسة تعليمية وأوضاع مادية وظاهرة ثقافية وخلل في بنية الإدارة المغربية عموما.
2 ـالرسوب والتكرار:
تفسيره يتقاطع مع ما سبق في جوانب عدة.نضف إليه الأوضاع المادية والاجتماعية والاقتصادية وتفشي الأمية في كم من بيت وأسرة، ومستوى الأسرة الاجتماعي والثقافي، إلى جانب تهميش المدرسة العمومية في إطار سياسة تقشفية تنعدم معها شروط النجاح في الحياة الدراسية. و كذا التشجيع على التعليم الخصوصي وظاهرة الرشوة في الحصول على أعلى المعدلات لضمان القبول في امتحانات المعاهد والكليات.... بعدها يمكن الحديث عن عوامل داخل مناخ الدراسة والعوامل النفسية والشخصية والتربوية في كل الفصول الدراسية.ثم و قبل : البرامج الموضوعة والمنهاج الدراسي الموضوع على الطريقة الكندية أو البلجيكية في غير قالبه بتعسف على الحياة البدوية ولو كانت هي الدار البيضاء العاصمة الاقتصادية... كل هذا حتى لا نعمل بمقولة السخرية: طاحت الصومعة علقوا الحجام( صناعة مغربية)، فنلقي باللوم على المدرس وحده ونجعله مجرم القضية وكبش الضحية وحبل الغسيل الذي ننشر عليه ما نريد تعريته....
3 ـ الهدر المدرسي: سنبدؤه بالحديث عن المدرسة كرمز ثقافي وحضاري ومشروع للسياسي والاقتصادي والاجتماعي.نقول المدرسة المغربية رمز للتنمية والوطنية، رمز للقضاء، للصحة،للبرلمان، ولكل القطاعات والمؤسسات التمثيلية.فهي المهد الأول الذي يترعرع فيه الجميع ويتهيأ ليلج هذه المجالات الحياتية والمؤسسات التمثيلية.المدرسة تتقاطع وتتثاقف مع باقي القطاعات والمكونات.
هذا الرمز الوطني والثقافي سيفقد قيمته واحترامه بفقدان القطاعات والتمثيليات لقيمتها كذلك.فالواقع قد تعرى وأصبح العري مكشوفا ومعروفا عند الجميع.تجلي الفساد والرشوة ونهب الثروات الوطنية وسرقة الأموال العمومية والاغتناء بكل هذا وبالطرق اللا قانونية، ما دام المال والنفوذ قد طغيا على باقي القيم الوطنية، فجعلوها شعارات جدرا نية لمسرح الحياة المجتمعية التصنعية.
بعد هذا يمكن الحديث عن العوامل المباشرة اليومية في العالم القروي أو مع ثقافة الذكري والأنثوي في حق الاستفادة من التعليم التربوي....
فالتعليم حق وواجب.والحق شروط تحقيق وظروف استفادة غائبة مع السياسات المالية التقشفية:
ـ قسم بدون طاولات هدر.
ـ مدرسة في طور البناء تأخرت في الاكتمال هدر.
ـ نقص في الأساتذة والمدرسين هدر.
ـ تغليب شكل المحاضر في الاجتماعات على المحتويات في الانجاز هدر.
ـ انعدام امن ووسائل مواصلات: هدر.
ـ عدم تكافؤ الفرص في الاستفادة من ثروات البلاد وفرص العمل والاستحقاق العادل : هدر
.......... وتتعدد أشكال الهدر ، وحين يغيب شرط توفير الحق، يتقلص القيام بالواجب...
4 ـ غياب الأساتذة: تناول الظاهرة في ارتباط مع الواقع السوسيو اقتصادي والثقافي، لن يعفينا من تحميل المسؤولية لمن لا يقومون بواجباتهم المهنية وكثرة الشواهد الطبية، وإيثار البحث عن الساعات الخصوصية ما دامت عملية حلب أموال الدولة قد أصبحت عادة نهبية عند واضعي الأرصدة البنكية في سويسرا أو فرنسا أو اسبانيا.... ما دام نهب الثروات الوطنية سرقة مكشوفة ومفضوحة، ولكن لا يحاسب عليها في المجالس العليا أو المنابر القضائية. فكم من شخصية متورطة عسكرية،برلمانية،حكومية،جماعية... حتى أصبح المغرب طبقات قانونية وسلطوية، منهم نخبة بامتيازات سيادية وأخر محط تربص تتصيد لإعطاء المثال والعبرة بالدروس القانونية والدستورية... و يا للسخرية.
لا شعوريا يحرك هذا الواقع الأطر التعليمة لتنهج سبلا مماثلة بحثا عن تراكم أرصدة مالية...ربما تنفجر ألغام هذه اللعبة الجهنمية، فلا ثقة في حقول خطرة خارجة عن القانونية...
كل هذا للتفسير، لكن لا يلغي السؤال للتعليل، وتحميل المسؤولية.لان رجال وامرأة التعليم نبيان عليهما طريق الهداية وليس لهما الحق في الانحراف لطريق الضلالة،رغم أنهما بشر وظروف حياة ومعاناة وأزمة....
فهل تراعي هذه الأرقام وضعا وغاية، وتجعل تدبير سياسة التعليم في سكة الهداية؟ مادام النبي يعمل بوحي، فما على الرسول والوسيط إلا أن يكون في مستوى الرسالة، رغم أن معادلة المجتمعات الحديثة تنبني على الديمقراطية بإشراك واستشارة جميع الفعاليات، على النسبية بلا اطلاقية ولا قداسة القرارات البشرية، على التعددية بمراعاة الظروف وتقدير القدرات وتوفير الإمكانيات ومصداقية التوقعات والتطلعات وكذا النيات والقرارات.....