ارتجت الكؤوس من فوق الطاولة المستديرة... لم يكن وقع هزة ارضية تاتي على الاشياء برقصة الارتعاب ، بل هو الخبر الذي سارع ابن الجيران الى نقله الى الام الجالسة امام التلفاز في رفقة سرابية تحصد قارب الساعة اليومية التي تمر بشقاء الاعمال المنزلية وفوضى العلاقات الاسرية الغير منتظمة عموديا وافقيا...ـ
ـ ولدك ، شدوه البوليس ...!
هكذا كانت صرخة سعيد وهو شاعر باهمية دوره الآني في نقل خبر مهم واعلام الام به ... تبعته ولولة واستفسار ... كانت تلابيب "المنصورية" هي ملجأ اليدين في التمسك خوف السقوط من هول هذه الهزة ـ الخبر ، قبل ان تنتقلا الى الخدين للطمهما، كما لو انها تلطم الواقع البائس الذي لا ياتي الا باخبار النحس في هذه الحياة ...
عمر في سنه الاثنى عشر ، لم يفلح في الدراسة ... هوايته كلما دخل قاعة التعلم، الدندنة والغناء و التطبيل ... دروسه كانت تلك الدقات الجزائية التي تلقاها من معلمته التي كرّر عندها المستوى الاول ، ثم لم يجدوا بُدًّا من إنجاحه حتى لا يخرج للشارع، فكانت سياسة الخريطة المدرسية شفيعا له في تسلق الاقسام حتى المستوى الرابع برحمة الله وليس بمعدل للنجاح مستحق ... حتى إنه في الساحة خلال الاستراحة ، يجعل حلقة تلاميذية حوله ، يتابعون ويشاركونه هوايته ... وما من فائدة...
تعبت المعلمة من البحث عن حل ، وهي التي خرجت يوما صارخة من القاعة ، ملقية بحقيبتها من نافذتها. مستسلمة لقدر الجنون الذي افقدها اعصابها ، فلم تجد من انفلات لوضعية عمر ، وجحود التعلم عن عقله الطفولي المتهور، إلا هذا الشكل من الاحتجاج ... : واش آ عباد الله تابعني في كل مستوى درسته(كيف به يتواجد عندي في كل قسم ومستوى درّستُه)؟ ماشي(هذا غير) معقول .. فقدت اعصابي وصبري ...لم تنفعها إلا مواساة وتهدئة باقي المدرسين لها في الساحة ودفعها الى الصبر ومناداة اهل عمر لمناقشة وضعيته الغريبة ...
عمر، بصوته الغليظ المهمهم الموحي بكبر سنه ، لم يخن هوايته ، رغم فصله عن الدراسة نهاية تلك السنة... حوّلت سخرية الاقدار خصوصيته الى مؤنس لاهله و صحبه في متابعة ترديده للاغاني الشعبية و اغاني الراي ، و كانت السهرات الاسبوعية التي اتقنت القناة الاولى في شحن ذوق المشاهدين فيها ، تصقل ميوله اليها ، خصوصا وان الجلسة امام التفاز تأتي على الكبير و الصغير من بدايات البث الى نهاياته ، فتختلط العقول و الاعمار والسلوكات والعبارات ، في شكل عبثي غير سوي ...ـ
أمام مركز الشرطة ، استعانت الأم ، كما العمة ، ببعض المعارف داخل اجهزتها ، لكي يجدوا حلا في هذه الساعة المتأخرة ليلا ... الهواتف النقالة مشتغلة افقيا وعموديا ... ايجاد حل لعمر ... يتدخل الضابط من معارف الاسرة : إذا سألوك عن سبب تواجدك في الزنقة في الساعة التاسعة ليلا ، قل لهم خرجت لشراء شيء ما للاسرة من عند البقال ، زيت ، سكر ...أرز ... لا تنسَ! ـ
لم يكن الاب على علم بما حصل ... منشغل بالجلوس في المقهى وتمتيع بصره بالمارات ، بعد جهد يوم عمل شاق ... وتلك هوايته التي كاد ان يحقق بها تعدد الزوجات ، لولا تفطن ام الاولاد وتهديدها له بالطلاق ...
هاذ ولد الحرام طالع لباباه خزيتْ يا لطيف ... أنا عييت منهم كاملين ـ ــ:
الَْْعَنِي الشيطان آ فاطمة .. الولد ما زال صغيرا ... : قل لي عمر، ماذا وقع ؟
ـ وجدت رْباعة ديال الاولاد مارة من قرب حينا ، آتية من الملعب ... يهتفون الكوديم خسرت ، و هم طالع لهم الدم... انضممت في الصراخ : هذا الشيء ماشي معقول الكوديم ديما تخسر ! ـ بدأ تكسير زجاج السيارات، كلنا قمنا بذلك ... مع رؤية اضواء البوليس ، فر الجميع لحَيِّه ... أغلبهم من حي القصبة ... أما سيدي عمرو، فلم يكن أحد منهم الا أنا .. كلهم خوافة ... وقفت سيارة الشرطة ، حملوني على متنها .. مع كل ضربة على خدي او كتفي ، اقول لهم فلان كان معنا ، فلان كان معنا ... كل من رايته مارا في الحي جعلته من العصابة ... حتى أَنَس ، كان ذاهبا للدكان فقط ، أخذوه... لقد اتفقنا أن نجتمع للتظاهر تاريخ المقابلة المقبل بالقرب من مقهى "لاغورا" ... البارصا ديما رابحة ، و الكوديم ديما خاسرة ...
ـ واللـه ياولد الحرام و تعاود تمشي معهم حتى نقطعك اطراف ...صرخت الام وهم في طريق العودة الى المنزل حوالي الساعة الواحدة ليلا. ـ
ـ آجي .. ولد غاغا* ، لماذا جاء صارخا أمام باب منزلنا ؟ توجهت اليه الخالة بالسؤال
ـ هذاك صاحبي ، حتى هو يجب ان يكون معي في المعمعة ... قلت للبوليس كان معي كذلك
ـ إيوا راه خوه جاء لباب المنزل ،وأخذ يتوعد ويصرخ... نبهت الام
ـ لا نقدر على تلك العائلة .. مصيبة عمر هذا .. ورطنا في مشكلات كبيرة ولد الحرام ... هي اسرة امها خدامة بركاكة مع البوليس ... وبنتها مصاحبة مع العميد ... واولادها ما يقدر عليهم غير سيدي ربي ... أويلي آشدانا لهم .. باب دارهم تخلع بالشعارات : عاش الملك ... عاش غاغا ... لقد أُخْبِرُوا بالهاتف بابعاد ابنهم من المنزل لان البوليس سياخذونه ... وانت ها انت كبّرت المشكل بالداخل و بالخارج ... الشكوى بك لله آ عمر ...
بصوت غليظ ، شعر معه بانتصار مغامرته ، ما دامت قد اكتملت بالتدخلات والعودة الى المنزل ، والتي هي المهمة يوميا : واحنا بغينا الكويدم تربح ... علاش ديما خاسرين .. ولاد القصبة يخرجوا للغوات ، واحنا لا ؟
ـ هذا لازماه الذبيحة ... ياربي كيف نعمل مع المصائب المسلطة علي .. أنا غير وحدي ، حتى بَّاه مشغول بالتحرش و الصيادة ديال العيالات الشارفات ...!!!؟؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*ـ الكوديم : فريق كرة القدم هو النادي المكناسي يلعب الدرجة الممتازة للمحترفين. ـ
*ـ ـ غاغا : لقب رمزي لعائلة هي نتاج واقع مجتمعي شعبي ، تختلط فيه القيم والوظائف وطرق كسب العيش
* ـ سيد عمرو + حي القصبة : حيان شعبيان كبيرا ، موجودان داخل أسوار تاريخية قديمة وعالية ... يمتلكان خصوصيات شعبية واستقلالية نسبية في تصريف الممنوعات وايواء بعض تجار المخدرات ...وووَ ... ـ.