الثقافة ومنظومة القيم
تتداخل في هذا العنوان قطاعات متعددة،إن على مستوى التوظيف القطاعي السياسي او الاعلامي او التربوي.
وداخل الجريدة الواحدة نجد الملحقات والملفات تتوزع حول هذا الموضوع بين الاشتغال الديني والثقافي الابداعي والتربوي التعليمي وهكذا دواليك...
الاصدارات كذلك تهتم بهذه الاشكالية إن على مستوى المقاربة الاكاديمية أو على مستوى المعالجة الواقعية لها .
اذا كانت منظومة القيم هي مجموع البناء المحكم والمتكامل في نسقه المنطقي الرابط بين عناصره، والمتضمن لمجموع المبادىء والقناعات والمنطلقات ـ المسلمات في التفكير وفي قراءة الواقع والموضوع...، فإن هذا التعريف سينطبق على كل حقل يوظف مجال القيم ورسالتها.سيشمل كل الاديان ،و كل المذاهب التربوية والفلسفات الاخلاقية،وكل المرجعيات التي تريد انخراط الجميع واقتناعه والتزامه وتنفيذه وخدمته لمقاصدها ومراميها العامة والخاصة ، القصيرة او المتوسطة او البعيدة المدى....
سنتحدث هنا عن كل الميادين إذاً،السياسة والاقتصاد والاجتماع والتربية والرياضة والثقافة والحياة المدنية،والمشاريع المختلفة التي تحتاج دائما الى العنصر البشري الذي يحققها...
وحصرا للموضوع في سياق منهجي ملتزم بمجال دراسته ومعالجته ، نستحضر ونتساءل عن مدى حضور رسالة قيمية داخل الرسالة الثقافية بين الذات المبدعة والهيئة المشرفة والمنظمة ، وبين النص او المادة ، منتوج العملية الثقافية ؟
الوضعية الصحية والسوية بمنظور علم النفس والصحة النفسية ودراسة الشخصية الانسانية ، تحضر في توافق الذات مع العمل ومع المنتوج.
وحيث إن الذات هنا مثقفة، مبدعة ، ورائدة داخل المجتمع، وحيث إن العمل هنا ليس مجرد أداء لوظيفة في الجندية أو داخل معمل سيارات، وحيث إن المنتوج ليس تنفيذا لأوامر ولا نتاجا ماديا ميكانيكيا مجردا من طريقة الاستعمال كما في انتاج مسدس او سيارة مثلا، فإن الذات والعمل والانتاج ، كل هذا متعلق بقناعات وافكار، رابط بينها وبين رؤية فنية وفكرية وثقافية ذوقية وجمالية للحياة وطريقة عيشها وبدائل راهنها الذي يريد المثقف تجاوزه الى ما هو افضل...
اذا نظر المثقف الى الخطاب الذي ينتجه نصا كان او مادة، وربط منطقيا وتقويميا بين ذاته المبدعة و فحوى اصداره ، سيتساءل ونتساءل معه عن مدى توافق خطابه الثقافي مع منظومة القيم، قيمه طبعا ...؟
واذا نظر المتلقي والمستهلك الموظِّف لهذا المنتوج الثقافي في حياته واختياراته الثقافية والفلسفية والتواصلية العملية،سيكون السؤال معه عن مدى انسجام كل هذا بين عناصره واطرافه...؟
بتبسيط أمثلة، المثقف الذي يتحدث عن الحداثة والتحرر ويتسلح بادوات العلم ومنطقه، وفي نفس الآن يجد نفسه غارقا في محافظة قروسطية ومسلمات قدرية في رؤية الحياة وعيشها ... كذلك رجل الدين الذي يتربع على عرش القيم الاخلاقية في الامانة والنزاهة ، وتجده ذاهبا الى وصولية وخيانة امانة واستغلال نفوذ واستفادة مصالح خاصة في اطار استغلال المصالح العامة بغير حق قانوني ولا منبع ثقة وضعها فيه المجتمع..
واذا تتبعنا واقعنا المغربي ، أمطرت الأمثلة بعواصف رعدية في مجال السياسة والثقافة والاقتصاد...
وجه آخر للانفصام بين منظومة القيم والممارسة الثقافية، هذا الحضور الاحتفالي والدولي الغفير في مهرجان الموسيقى الروحية الرفيع الذي تعيشه العاصمة العلمية بالفخرية
التاريخية . هل مارس الحضور طهارته الروحية من اجل تلقي هذه التغذية الروحية والثقافية والفنية ؟ هل وضع حدا لاشكال قسوة المنطق المادي المصلحي الاناني الذي قد يصل الى الانتهاء من تصفية جريمة مادية او
مالية او اجتماعية تواصلية ظالمة، وغسل يديه في طست فضي وبإبريق بقبضة مرمرية بيضاء، وبعد هذا المشهد يتوجه الى احسن مقعد لمتابعة الموسيقى الروحية او اوبيريت فنية وتاريخية...كما في الافلام الدرامية
الشهيرة
يتطلب البناء الحضاري في مشروع كل أمة تحقيق هذا التوافق الصحي بين الحياة الثقافية بمفهومها الانثروبولوجي الاوسع ، وكذا بمفهومها الابداعي والفني، والحياة العامة ، ومنظومة القيم التي تعتبر البنية التحتية المعنوية، والهندسة الذهنية والسلوكية التي تؤطر قوله و فعله وتواصله. وحينئذ لن نختلف حول البناء الهندسي للمجتمع ،هل البناء المركب له هرميا أو مكعبا او تقعيديا او غيرها من اشكال البناء... ـ