يرتبط الحديث عن الفن بالحديث عن الابداع والذوق الجمالي واشكال التعبير المتنوعة التي ميزت تاريخ البشرية، ومعها تاريخ العصر الحديث خصوصا. فقد تنوع الابداع اليوم وانتقل من مجرد أداء شفهي أو مكتوب أو مرسوم أو منحوت، إلى استعمال تكنولوجي سمعي وبصري، تكونت معه وسائل الاعلام، وتدرجت مراتب الفنون من الأول الى السابع فما تلاه...المسرح، السينما، التلفزيون....
وفي الحديث عن الابداع،مطالبة بالانفراد في الشكل الجمالي المعبر به، والدقة الصنعية المرتبطة به، إن كان شعرا فنظما، وإن كان شريطا سينمائيا أو مسلسلا تلفزيونيا أو مسرحية فإخراجا وأداءً.... وهكذا دواليك...
وما دامت سلطة السياسة تمتلك النفوذ، كما تمتلك أوامر الصرف،والسهر على التنظيم واستعمال اللوجيستيك الذي توفره الدولة النائبة عن الأمة في تدبير شؤونها العامة....فإن هذه السلطة تكون الساهر على تدبير الشأن الثقافي والفني، كما الرياضي والتعليمي وغيرهما...
احتاج الحاكم دائما الى من يرصع بهوه،ويمدح فعله،ويخلد ذكره...ارتبط الفن بالمال والسلطة، فتداخلت الوظائف، كما افترقت الرؤى .... مادام الفنان يمتلك حسا نقديا وذوقا جماليا وحدسا معرفيا، فإنه يكون العبقري الذي يتنبأ بما سيأتي، أو الذي يفك ألغازالمضمور في لعبة السياسة والمجتمع والاقتصاد وسلطها....
لم يكن الفنان إذاً في خدمة السلطة،ومرآة لها دائما.كم مرة نفي أو اغتيل أو سجن أو تمت مضايقته ومحاصرة أعماله... ما يدل على أن الفن وسيلة تعبيرية تمتلكها جميع الطبقات الاجتماعية وليس فقط الطبقة الحاكمة... على أن الحياة الفنية تعرف هي كذلك صراعات وتضارب فلسفات ومصالح...
سياق الحديث،الحركية المجتمعية الجديدة داخل شعوبنا ودولنا،وسباق من فازوا بصناديق الاقتراع إى طرح بدائلهم وممارسة رؤاهم للحقل الاعلامي والفني على الخصوص...
المثال الذي سينصب على تناوله هذا المقال، هو محاكمة الممثل المصري عادل إمام.. فخصوصيات بلد مصر، وقانون الحسبة المرتبط بالقضاء، والمخول لهيئة من العلماء ومن جاراهم لمتابعة ما يرونه مُخلاّ بالآداب والأخلاق الاسلامية...إنها محط امتصاص لغضب الفقراء والمقهورين والمحرومين من مواكبة التطور الحديث... هي امتداد يشد حبله طرفا نقيض...
فمن جهة ، كان النظام السابق لحسني مبارك،والذي هو أحد رموزه وليس ممثله الوحيد،يريد الظهور باسم حامي الدين والاخلاق، فيطلق العنان لهذه الفلتات التي تُلهي الشعب عن الأساس، عن ديمقراطية الاستفادة من تنمية البلاد وثرواتها... هي عملية اجترار لاستعمال الحركات الاسلامية في اطار الحرب الباردة بين الراسمالية والشيوعية،بادر انور السادات الى الانتصاب للتكلم باسم الدين مع مجمع الازهر...
ومن جهة أخرى،المد الاجتماعي الذي بنته الحركات الاسلامية، ممثلة أساسا في حركة الاخوان المسلمين،وشعارها (الاسلام هو الحل)، وتعويض المحرومين عن نعيم مفقود في الارض، بعد في المستقبل مثالي أكثر منه واقعي، يرتبط بنيويا بعقدة الشعور بالذنب، وتأنيب الضمير على تفريطه في الواجب والامر بالمعروف والنهي عن المنكر، وابتعاده عن الاخلاق الكريمة المطلوبة ، ومسؤوليته على ما يجري في الواقع من انفلات عن آداب الشرع الحكيم...
هذا الشعور بالذنب يهيج الجماهير ،يدفعها الى الصراخ والانفعال،والمطالبة بالتغيير للمنكر،وترصده أينما كان حتى يرتاح الشخص المثالي في دواخلنا،وحتى يقترب الانقاذ والسعادة،وحتى ننجو من العذاب والحساب والعقاب....
داخل هذا السياق النفس ـ اجتماعي،والسوسيو ثقافي،والسوسيو سياسي والأخلاقي،يصبح الفن محط اهتمام،وداخل قفص الاتهام. ما دام رمز الحرية والتعبير،ورمز الجمال الفاتن الذي يزعزع استقرار الغرائز وخمودها...
ما أغرب المصادفة، بين حدثين.أولهما،كان خلال بداية القرن الرابع الميلادي. سجلته رواية (عزازيل) ليوسف زيدان، مستوحاة من مخطوط باللغة الارامية،قديم. متطرفون مسيحيون يتابعون الوثنيين، ومعهم يتابعون المنتوج الفلسفي والفني الذي بنته الحضارة الاسكندرية في ذلك الحين... يتم إحراق (هيباتيا) حكيمة زمانها، وفيلسوفة مجتمعها، ونجمة شخصيتها ودراساتها في الفلسفة والشعر والفلك ... ويأتي شريط (AGORA) لمخرجه أليخاندرو أمينابار، 2010، ليترجم سينمائيا المشاهد الدرامية للحدث في ابداع الفن السابع ...
الحدث الثاني،تجسده وتمثله محاكمة الممثل عادل إمام،حول أدواره في افلامه ضد الحركات المتطرفة والمتعصبة لإيديولوجياتها الدينية الخاصة بها، والتي قد تكفر حتى من يصلي ويصوم ويخرج زكاته ....
المناقشة لرمز الحدث وليس للحدث في حد ذاته. ذلك أن الواضح هو امتلاء دواخل الحركات الواقفة وراء المحاكمة بروح انتقامية وحقدية ، وبانفعال عاطفي شديد مرَضي، شكله دور الممثل وليس الممثل. فكانت الرغبة في سحقه ولو سرابا قائما، وبقيت الغصة في الحلق، وها هم اليوم يريدون تحويل السراب الى واقع.
الغريب أن هذا الوعي الانفعالي، لم ينظر الى أن عمليات الانتاج مؤسساتية، قانونية، حقوقية، موضوعية، ونسبية... ما دام ما تنتقده عمليات الانتاجِ واقعٌ سلبي في مجموعة من جوانبه ... ما دام البعض استغل المقدس، فدنّس جنبات الشوارع بالدماء البريئة، وأحرق فؤاد الحرية وحرية الفؤاد.... وطمر كل رغبة في الابداع وأرهب كل عبقرية تتوق للبوح والتعبير والانتاج...
ماذا لو حاكمناهم هم باسم التقاطع مع أفكار الحركات الارهابية؟ أتُرى سيكون الأمر عاديا وعادلا؟ مقبولا؟ طبعاً لا. وإلا سنكون واقعين في تطرف مقابل تطرف، وإرهاب مقابل إرهاب. والضحية فيه البشر، وزبانيته ماسكون بأطراف اللعبة النارية يمينا وشمالا،أفقيا وعموديا...
يحتاج هؤلاء إلى وعي جديد،بأن البناء يكون موضوعيا،باعتبار معايير وقوانين وتطوير مؤسسات، وتوعية ثقافية تخلق القناعات والمبادرات مع كل هذا... لكن، للأسف، سياسة الانفعال، تجييش للبلداء، وإهانة لكرامة الانسان الشريف،ونباح على قاطرة تاريخ لا نركبها ولا نستفيد منها في التطور....
الديمقراطية أن تعارض بالمثل،أن تنتج فنا بديلا تراه مناسبا،تحاول عرضه وإقناع الآخر به،وتترك له حرية الاختيار... الديمقراطية أن تمتلك فلسفة حياة وتترجمها في برامج في مختلف الميادين،وتبنيَ حضارة... حينئذ سنقارن تاريخا بتاريخ،وثقافة بثقافة،وفنا بفن،ونختار... ولنا حرية الاختيار.
قد نختلف مع عادل إمام في اختياره السياسي.لكن حقه الفني والثقافي مِلكٌ له.
فعل الجبناء هو الانقضاض على الأفراد بجماعات،دون وعي بأن التغيير يكون مؤسساتيا وتدبيريا بمشاريع وبرامج،وليس باحتقان ٍ وهدر حرياتٍ وقمع حقوقٍ وسفك دماءٍ...