لما أقرأ لكبار الروائيين والشعراء، أجدني واقفا أمام هرم، أمام جبل، كمن ينبش من سفح قامته لينهل منه مادته التي سيصنع منها خزفه.
كيف يتشكل الجمال داخل هذا البناء الهرمي الذي اعتلاه صاحبه باعتصار صبيب عرقه، ونور بصره، وحبر دمه الذي غزل من خلايا جهازه العصبي، واستدعى عراكا بين حواسه والعالم المحيط به من طبيعة ونجوم وكواكب ونفسيات وثقافات... لابد لكل واحد منا أن يعترف بجميل مقروئه واستفادته وانطباعه واندهاشه، ووقع الابداع على مخيلته وطاقته التعبيرية والفنية والتشكيلية...
ما تداوله النقاد والدارسون حول التناص، هو اعتراف بديمقراطية الفكر البشري، الذي يجعل كل إبداع ٍ ملكا إنسانيا كونيا، تنهل منه باقي العقول والأذواق والحواس، لكي تشكل بوحها ورسمها ولوحها....
حينما يبدع الفنان، فإنما ينتج باقة للعموم، يجعل ذاته في خدمة الموضوع والقضية والمجتمع الانساني بعمومه...
بهذا الشكل، تتفاوت تدرجات البساطة والتعقيد...يمكننا معها تخيل درجات انفتاح الذات على الآخر من انغلاقها...
طبعا، يؤثر المحيط بظروفه ومناخه السوسيو سياسي، والسوسيو ثقافي، كما تؤثر سيكولوجية الكاتب والفنان في لحظات الكتابة والابداع ...
يعيش المبدع أشكال صراع خفي مع الطابوهات والممنوعات، مع أشكال الرقابة الاعلامية والثقافية والسياسية ... يرتهن كل شيء بقدرته على الصدق والاخلاص في تناول الحقيقة، والاقتراب من ترجمتها داخل إبداعه الفني والادبي. تكون الحقيقة جمرة متقدة في الفؤاد. فإما يبلورها بحرارتها في الخارج، وإما يحاول تقليم جوانبها، وتقليص حجمها... وبالتالي قد يخون أمانة الرسالة الفنية والادبية، إن كان يحملها كهَمٍّ في وعيه وعبقريته وجنونه الابداعي...
يأتي الشاعر الكبير محمود درويش بقصيدة سهلة في عباراتها،عميقة في دلالاتها، ثائرة وعاصفة على الواقع والسياسة والتاريخ البشري في تركيبها ومنطق وهندسة بنائها... تحدث العاصفة وتخلق الزوابع، وتقوم المتاريس لمقاومتها ومحاربتها...
في قصيدته(عابرون في كلام عابر)،ينهض الاعلام السياسي المضاد لها، يريد تشويه حقيقتها، وتلبيس صاحبها تهمة : المعاداة للسامية، حتى يستطيع تأليب الراي العام الغربي في ثمانينيات القرن العشرين، ضد علَمٍ من أعلام الفكر والشعر والسياسة، ضد محمود درويش...
|
ينهض من يترجم القصيدة للغة موليير،وعبرها اللغات الأخرى، فتنجلي الحقيقة الانسانية، والقضية العادلة، وتنقلب الزوبعة على خصم القصيدة ، محدثة ثقبا على ظلمات التاريخ ، نستطيع أن نرى من خلاله جزءا من الحقيقة المغيبة تغييبا قسريا عن الضمير الانساني ...
يأتي الشاعر الألماني ( غونتر غراس ) (بالألمانية: Günter Grass ) ولد في 16 أكتوبر1927 في مدينة دانتسيغ (ضمت إلى بولندا بعد الحرب العالمية التانية). شارك غونتر غراس سنة 1944 في الحرب العالمية الثانية كمساعد في سلاح الطيران الألماني. وبعد انتهاء الحرب وقع سنة 1946 في أسر القوات الأمريكية إلى أن أطلق سراحه في نفس السنة. يعد غونتر غراس أحد أهم الأدباء الألمان في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية, حاز على جائزة نوبل للآداب سنة 1999. وهو يعيش اليوم بالقرب من مدينة لوبيك في شمال ألمانيا.) ـ عن ويكبديا-*
، يختار فيما تبقى له من العمر أن يخرج من صمت التاريخ الذي أسكن كهوف الظلام داخل أفواه البشر، وألجم ألسنتها بسلاسل وهمية باسم الدين والعدل والتاريخ.. ...يقارع بقصيدته عُقدة الغرب، بأسلوب سلس، بسيط، مجزأ، متدرج، عيادي ولغوي ... ولأنه يعلم أنه يجري عملية جراحية داخل فواهة فم السبع، ويتناول خدعة (المعاداة للسامية) ، التي اسُتغلت تاريخيا، مثلما تستغل الشجارات من أجل الانقضاض على الفريسة... يربط السياسة العالمية بمحورها الذي آرقه وأتعب سكوته، وأتعس ضميره المبدع والكاشف للحقائق....
الهولوكوست ـ النازية ـ إبادة الشعب اليهودي ـ مسؤولية أوربا والغرب على ما وقع ـ غرامة الجريمة المستمرة سياسيا وماليا واقتصاديا ـ تحالف الضحية مع المنتصر في الحرب ـ بك أرسم ميزان عدالة ـ أجعل كفة قضيتك بين أدراج مرتبة في ملفاتي السياسية والاقتصادية والعسكرية والثقافية ـ بك اسود العالم ـ بك أحكم ـ بي تنتقم وتحقق مبتغاك واساطيرك....
هكذا كانت هذه العناصر، خيوط الأرجوز التي أرجعت الكرة الارضية مسرحية بهلوانية ساخرة ومضحكة ومؤسفة...
صحا ضمير الشاعر، لكي يبرىء روحه،وشعبه وثقافته،من جرائم لم يرتكبها هو،وإنما ارتكبها نظام، ولَّى عليه الزمن، كما ولى على هذه الجرائم ...
نفس ما مورس على مجتمعات أخرى،بين آل إسحاق وآل إسماعيل ... ولو أنهم وجدوا خيوط أسطورة رابطة بين ال(نحن) و ال(هم)، لجعلوها بين آل قابيل وآل هابيل، فجعلوا أنفسهم من آل الضحية، وطالبوا بدم الذي كان الغراب درسا في دفنه، درسا في ندمه واستحقاق العقاب ... لكن الحكاية لم تنسج بعد بهذا الشكل المطلق الوجودي ... إذاً لَفجروا السلاح النووي للانتقام من قاتل الضحية، حيث قابيل قتل أخاه هابيل...
كانت قصيدة (ما ينبغي أن يقال) ل(غونتر غراس)، بداية إعصار جديد سيجتاح الغرب، لمحاربة اساطير آل صهيون الذين يريدون إعادة الخلق الأول، والإله الأول، واستعجال الحشر والبعث، والخلود لشعب الله المختار، والفناء والضمور لباقي الشعوب الانسانية...:
ما ينبغي أن
يقال
لماذا
أنا صامت؟
لماذا أدمنت الصمت طويلا،،
أمام ماهو جلي،،
أمام ما يمارس كألعاب،،تشبه الواقع
سنكون الناجين في نهايتها
و في أفضل الحالات مجرد هوامش
يدعون حقا مزعوما لتوجيه الضربة الأولى
ضربة قد تمحو من الوجود الشعب الفارسي
الذي تضطهده المزايدات
وسط ضجيج غير منسجم
شعب قد يباد
لمجرد شك في امتلاكه قنبلة نوويه فوق ترابه
و لكن،،،
لماذا أمنع نفسي من ذكر إسم ذلك البلد الآخر
الذي يملك منذ سنوات-ولو سرا-ترسانت نووية تتضخم
بعيدا عن مراقبتها
لأن فحصها لا يفكر فيه أحد
صمت مطبق عن هذه الحقيقة
و وسطه يندرج صمتي كذلك
أحسه ككذبة توجعني
و كأمر مفروض
و إن تحديت صمتي
سأواجه العقوبة :
عقوبة معاداة السامية
و ما أفظع منها
و لكن اليوم،،
و لأن وطني الذي عاش جرائم فظيعة،لا مثيل لبربريتها
جرائم عرضته للمساءلة
سيقدم غواصة أخرى لإسرائيل
تبدو كصفقة عادية
من تبعات التعويض إياه
لكن ما يميز الغواصة هذه المرة
قدرتها على حمل رؤوس نووية
ستدمر كل شيئ هناك،،
حيث لا دليل على وجود و لو قنبلة نووية واحدة
لأن الشكوك تدعي قوة الدليل
لكل ذلك:سأقول ما ينبغي أن يقال
لماذا بقيت صامتا حتى هذه اللحظة؟
لأني وجدت أن أصولي
التي ألصقت بها جرائم
لن تمحوها السنون
تمنعني من الجهر بالحقيقة
في وجه إسرائيل
لماذا أفك اليوم عقدة لساني
و قد وصلت إلى أرذل العمر؟
لماذا أكتب بآخر قطرات حبري
إن الترسانة النووية الإسرائيلية
تهدد السلم العالمي الهش أصلا؟
لأن ما ينبغي قوله اليوم
قد يفوت أوانه غدا
لأننا الألمان مثقلون أيضا بأوزار
لا تسمح لنا أن نصبح مجددا مشاركين في جريمة محتملة
و سنكون آنذاك شركاء في آثام لن تمحوه تبريرات
واهية
لكنني أعلنها
لن أظل سجين صمتي
لأن نفاق الغرب أرهقني
لأن أسعى ليكسر الكثيرون جدران الصمت
و يطالبوا المتسبب الحقيقي في الخطر القادم
بأن يوقف العنف
و أن تخضع دون صعوبات للرقابة الدائمة كلا
من :
ترسانة إسرائيل النووية
و منشآت إيران النووية
رقابة تخضع لها حكومتا البلدين دون تمييز
هكذا فقط،،
يمكن مساعدة الجميع
إسرائيليين و فلسطينيين
بل كل الشعوب
في هذه الناحية من العالم التي يحكمها الجنون
و الكراهية البغيضة
و هكذا سنساعد أنفسنا أيضا
ماذا لو كان *الربيع الغربي الثقافي*، على اسطورة (المعاداة للسامية) و(شعب الله المختار) و(لعبة الشطرنج بين الملك والفارس) ... ماذا لو تحول الى ربيع سياسي* يوقف ميكانيزمات الاستغلال الاسطوري في الواقعي والموضوعي الغربي الاكثر عقلانية في العالم؟ و يا لَلمفارقة التاريخية !