شارع العرفان:
مررت على معبر الوجود،حيث المدينة تنبسط لافاق سماوية،يرتفع معها الصعود في هذا النهج العرفاني الفسيح...الروايات معروضة للقراءة.. وكانك في شريط سينمائي ساحري ،حيث تتناسخ وتتجدد الارواح بمجرد ما تفتح صفحة من احدى هذه الكتب العجيبة المعروضة...
نهج العرفان لا يعترف بقانون الليل والنهار...سير طويل لا ينتهي...أغلفة كبيرة الحجم تزين جوانبه وارصفته... والحان منظومة بالحروف تنتظر من يطرب بها..ضوؤه مستقل في تنوير العقول والابصار والخطوات...
تخترق كل لوحة اعجبك اكتشافها. لا تحتاج الى فتح باب ما دام الدخول اختراق عبر الصفحة الاولى،وها أنت في بحر كبير يبتلع بحيرتك الصغيرة...
اللوحة الاولى،عالم روحي شرقي بالوانه القرمزية،وكيمونوه،ومسرح النو الياباني...الروح الاولى، تنقلك من الجزء الاول الى الثاني: باب الجياد الهاربة ـ رسم الروائي يوكيو ميشيما ... وهب روحه لكلماته . بمجرد ما انتهى من رباعيته حتى منح روحه للممثلين الذين شاركوا في مشاهد روايته... إنما القارىء للوحة ـ الرواية، تنجدب روحه الى تناسخ ارواح الابطال... فتخترقه روحهم ويصبح مفكرا بلسانهم، ناظرا الى العالم بعيونهم، راسما مراتب الحياة بذوقهم.. .قد تنوب عنهم اذا اتوك في حلم منام او يقظة في التعبير او التنفيد الفعلي لما ارادوه في تلك اللحظة..باسمهم تتكلم وباسمهم تفعل...من أنت؟ ابحث في الباب الثاني للرواية ـ اللوحة، تجد في العنوان رقم 273: "وعي الألايا". تناسخ الارواح.ونشاط التناسخ هو" الكارما" الخاصة بهذا الوعي وأصل الاشياء الاولى....
إنها تجربة بوذا التي ناب بها عن الانسانية في رياضة الروح والتناسخ...ها أنا أغامر داخل هذا السفر الروحي مع ارواح تزورني أو أزورها..تحاورني وأحاورها...اسجل بذلك حياة لها ، تعبر هي بلساني كلما رأت الحاجة لتبليغ رسالة أو الاحتجاج على أمر ما....تقوم بعملية السامسارا" كلما رأت الحياة في حاجة لتدخلها..
ميزة شارعي هذا أنني لا أسافر الى الماوراء، بل الماوراء الخفي يأتيني الى شارعي....
شارع العرفان هذا شارع ارواح إذن...ساطرق ابوابها واحاورها في عالم غيبها وموتها وازمنتها القصية وامكنتها البعيدة.. ليس هناك زمان ولا مكان . ليس هناك ماضي ولا حاضر و لا مستقبل... اللسان ملك جماعي. والتفكير سفينة تبحر فيها كل العقول وتتقاطع فيها
الباب ـ اللوحة الثانية (عزازيل) تشكيل يوسف زيدان... الارواح المعروضة للتناسخ، والتي هي مستعدة لمرافقتك في عرفان تلو آخر،هي هيباتيا العارفة،إسكندريا المدينة....
استطاعت هيباتيا أن تنزع من روح حروفي نظما تبعث به روحها الغابرة، وتحتج به على مظالم التاريخ وعذابها . أذاقتني بغرامها تجربة موتها وعشقها وتفكيرها....
اصبح فؤادي ناطق عاشقا لها ... تَلوْتُ مرثيتي و غزليتي دون ان استطيع الخروج ما دام قلبي بقي معها.. امتزجت الروحان معا،لا فراق بينهما ما داما عاشقين رغم مئات السنين الفارقة بينهما .. باح لسان الحال قائلا :ـ
| أتاني إعصارا من فوق سماك | صرفت القلب عن باب هواك |
| اتُرى كيف ارتحلتِ الديار فيك | وظبت الرحيل عن ديار قلبك |
| اخترقت الانوارُ الأكوانَ بصبحك | أترى لما أنت في وضع مبتسمة |
| وكنت السابح والمُسبِح في أفقك | عيون مشرقة مبعث الحياة مُقَلك |
| كنت مرسلا مبعوثا لأجل حبك | كنت إلها عشقيا روحيا لجسدك |
| شرَعَتْ لي بحور الهوى بشعرك | سامحتني اللغة حرية تعبيرعنك |
| رمانا،سلسبيلا،عطرا فيحك | ساقف ملامسا بكليَ ما تدلى منك |
| صدوقا في الكشف والبوح منهمكِ | يا ذا الهوى أرفق بيَ لا تهلِكِ |
| تراقصت السماء بقمر،بنيزكِ | سُرت عيوني بمحياك ، بليلك |
| تراقصت الحور العين لإنشادك | تناول الخلق الآلات لحنا لإطرابك |
| إن الله جميل ما لي لا أحب جمالك | عظمت الكلمات على التعبير بجمالك |
| شادةً العقول بسحرعقلك و أفكارك | رأيتك واقفة محاضرة في درسك |
| بكمال الاوصاف وذا الجمال كالمَلََك | نور العقل ومصباح القلوب ،إنك |
| ما كان لي احتياج لشيءوأنا بقربك | كفاني ارتواء بحواسي كوني معك |
| ستدون الاسفار أشعاري نظماً لك | سيخلد درس التاريخ سِفرإنجازاتك |
وتسكن المدينة في عالم هباتيا..شرطها في عشقها أن أعشق مدينتها. شوارع مدينتي فضاء كل العالم، وكل الإنسانية.. وفي داخل قلب هيباتيا وقلبي تسكن مدينة من زمن الآلهة الغابر(الاسكندرية)...ها هو قرباني وعربون محبتي للقلبين داخل شارع روحك وروحي، محبتي لقلب مدينة اردتِها بسعادة ومعرفة وعرفان: ـ
إسكندريتي
|
:داخل شارع الأرواح أجوب بحرية ِ إقامةٍ بين اللوحات...أتعمق في الزمن المقيم، زينوبيا تقيم مملكة عرشها هنا...أحاورها كامرأة فتنت المسامع و الابصار..ألتمس العدل في حكمها وقضائها..
لو وهبتك العالم، الحكم سيدتي،
ماذا عساك تفعلين؟؟
على عرش الملوك....
تحكمين......
ماذا عساك تعملين؟؟
لو وضعت القلوب العذراء شاهدة،
على اليمين...
لو وضعت المكسورة منتظرة،انصافا
..... الى حين،
ماذا عساك تفعلين؟؟
بلقيس او زينوبيا..
كيلوباترا او فكتوريا...
باي القلوب... ترحمين؟؟
باي العقول... تقاضين؟؟
سيق المذنبون،عرض المشتكون..
... بم تحكمين؟؟؟
عرض ظلام العشق على عتبات
هي مملكة عشقك،قلبك..
كيف تضخين نبضا؟تصدرين حكما؟
بالانتقام تنتصرين؟
ام بالعفو تعالجين؟
على عتبات محكمتك..
نادى المنادي على المذنب..
هو مُكسر قلبك،أتتذكرين؟
ماذا عساك تحكمين؟
طرقت باب قلبك،وجدانك،
جعلتُ نفسي الجاني
اختبرت حبك،ورحمتك..
اُحكمي،عالجي،كيف تحكمين؟
اقضي ما انت قاضية به،كيف تعاقبين؟
بين مخالب عرشك،ومشاعر قلبك،
أنا واقف انتظر و انظر،
الى .... حين.
ماذا عساك تحكين؟
انتظر الرد فانا الظنين.
انت في حاجة الى ذا الحكم والعرش
الى ذا القرار،
انا على علم ويقين.
.
رافقت الروح الطاهرة دون التي هي مريضة بسوء الوقع..ايقظني من غفوتي على سرير النجمات،صوت من بعيد ل(يويكيو ميشيما): ليس هناك شيء إلا نواة مراوغة للغاية في قرار نشاط عقلي،شيء يرتبط بدواخل دوران دولاب الظواهر المحيطة بالميلاد والموت المستمرين اللذين يصاحبان تناسخ الارواح......الوعي وحده : وعي الأنا ـ ص 273/ الجياد الهاربة. ـ
عبرت الرصيف لمحت باب زكرياء.حاورته وحاورني،دعاني الى تسجيل اللقاء،الى عرضه على سكان المدينة..جلستُ متأملا لمستُ خيوطا من سحب السماء.نسجت بها صفحة حريرية.كان مداديَ رحيق عسل محبة ذهبي.نثرت الحروف فاذا هي تنسكب على بياضٍ:
سأجعلها قصة محكية بإخراج مشهدي ـ
الحب في الوجدان
:
هذا الصباح، فتح الذهن نوافذ اشتغاله استعداد اليوم الجديد من العمل التشاركي مع الحواس والجسد والبيئة والمحيط.حكيم هو هذا الذهن في تأنيه وتهييئه لمختلف مكونات
طاقم الحياة الجديدة في اليوم الجديد. بقي الجسد مسترخيا داخل دفىء الغطاء،ممتدا براحة ليلة من عمر. لكن الكل يعلم ان الحركة آتية ،ان دوران الدم في الشرايين يحتاج الى حلقة نهارية جديدة يجدد
فيها الخلايا والتغذية والوظائف المختلفة لهذا الجسد الحكيم كذلك.فالكل حكيم في ابداعه وتكامله.سبحان الله في خلقه.
هذا الصباح،سافر الوجدان مع الارواح.وما الوجدان سوى طبقة عميقة في النفس والذهن،حيث
يستقر المرغوب والمحبوب مجردا في الذاكرة،مرتاحا له حَرَسُ العواطف والمشاعر،محافظا على التوازن وعلى الرغبة فيه داخل شخصية صاحبه... إن كان هذا هو الوجدان،أعماق أعماق،حيث اللؤلؤ والمرجان،بعيد عن المثيرات السريعة التي تحدث الانفعال،أو تغيير مع الحال،فهو في قرار مكين،على حاله غال ونفيس...
هذا الصباح،سافر الوجدان مع الارواح،استحضر المحبوب المرافق في الوجود سواء بالجسد او
بالروح.
جاءني هذا الصباح أخي زكرياء من أعماق أعماقي،حيث يستقر بهدوء وراحة بال،حيث حبه لي،تدخلٌ مناسبٌ وصحيٌ في كل حين. كانت وفاته الجسدية قبل حوالي عشرين سنة إلا شهرين
تقريبا. تتذكرون يوم كان صيامنا،إضرابنا عن الطعام بلغة العصر والحداثة،تضامنا مع العراق،يوم عبرنا
بوجداننا على عروج وصعود روحي جماهيري الى السماء،لطلب العون وللتضامن الروحي الذي ستنزل به ملائكة الفضاء... ذاك كان يوم الدفن الجسدي لأخي زكرياء.. وهو اسم أحد
الانبياء. في جنازته،رفرفت الملائكة وتحسستُها في فضاء مراسيم الدفن الاسلامي،مع قراءة (يس) والدعاء والترحم ومؤازرة الجماعة للجماعة وللذات وللنفس،ومسالمة الموت ،الرفيقة المؤجلة في الصحبة إلى حين.
وما بسط تائها سوى تأجيل لمجيئها إن استطعنا لذلك سبيلا....
كم مرة حضر أخي زكرياء لمحاورتي ومحاورته. مرات عديدة أكيد،منذ عشرين سنة. من كان في حاجة للآخر؟ لا يهم،ما دام الحب الوجداني
قائما،لا يهم ما أخذت وما أعطيت،تذوب الانانية مع الحب ،تَهدي كنوز العالم،وأسرار الكينونة والكون مع الحب.. لا يهم ما أخذ وما أعطى،من في اشتياق وحاجة للآخر؟سؤال الانانيات...
لكن، من أين أتى؟ إنه ساكن في وجداني،أطلعتكم على حقيقة هذا الوجدان قبل قليل. إنه يعلم الوقت المناسب للتلاقي،كما أعلم
كذلك الوقت المناسب للتلاقي. وأقول لكم،قد يرغب أحدنا في ملاقاة الآخر،قد يلاحظ تأخره،لكنه لا يعاتب ولا يلوم.فقط يتساءل بعواطف جياشة،كلها شوق ومحبة وإخلاص،كلها تجديد للوفاء وعهد الوصال.. إنه الحب الذي يملأ الوجدان.
جاءني هذا الصباح،هيئته ليست مجرد جسد بشري،بل فضاء مكاني وسماوي وبيئي،فضاؤه تلتُهُ أو رابيته التي يرقد فيها جثمانه،والطريق الموصلة اليها،والشمس المشرقة الدافئة،لا هي بالحارة الحامية ولا بالغائبة
المكتئبة،وخصوصا ابتسامته التي تملأأنفاسي ورئتي وهوائي وعذب ما يطعمه حلقي... فضاء جميل،كل منا يحب ان يكون له فضاء يخلق فيه سعادته. وكل منا له سعادته..
سألني عن أحوال الاحياء،وتدبير الاشياء. ماذا تَراكمْ منتظرين مني من جواب؟ أتعلمون من يشفق على حال الانسان،ويكون عالما باسباب ومقدمات وظروف وقدرات تصريف
،وسلوك وتصرف.. عالما بالنتائج وما تؤول اليه امور الناس،متنبئا بها مسبقا؟غير مفاجَىء بالواقع وما فيه؟ذلك كان جوابي.
هل تنتظرون نقل صورة الخير والشر،والحسنات والمساوىء؟والفضائل والرذائل؟والمفاخر والفضائح..؟ تلك التي تتغذى بها حواسنا ونطعم بها فضولنا يوميا،فنحولها الى غيبة ونميمة وغيرها مما نعاتب عليه
أخلاقيا...؟ لآ ، لم تكن هذه هي الصورة. و لم تكن رغبة الموتى التعرف عليها . لقد ارتاحوا منها ويشفقون علينا نحن الذين لا زلنا غارقين في اوحالها،ولكن لا يصرحون لنا بذلك شفقة علينا.الصورة شفقة
على الحال. هذا هو الانسان بايجابياته وسلبياته،جدلية قائمة منذ غابر الزمان.. منذ قابيل وهابيل... الموتى حكماء الحكمة بصمتهم وهدوئهم.استشعروا العالم والحقيقة
الوجودية بعالمهم
لم يكن أخي زكرياء ينتظر لأنْقُلَ له أخبار الدسائس والفضائح.لم أكن أنا من محبي ،الانتقام والسادية وإشفاء الغليل.. كلٌ منا،من منطلق حبه الجميع للجميع،تجريد الحب الحب الخالد لإعادة غرسه في
القلوب كشُحنة دواء مركز، نلقح به من يريد إكسير الحياة. إنه إكسير الحياة والروح والوجدان،ما استعملناه في
حوارنا،وأردنا به نشره في محيطنا أموات وأحياء..
يكفي الانسان،وتكفيه شقاوته في الحياة،حصول النسبي فيها،إخفاقه وعجزه عن تحقيق كمالها.. لا أحد استطاع الكمال والخلود فيها..فَلمَ هذا العناد وهذا التصيد
لإغراقه في رذائلها.. ولو كان نصفه غارقا في وحلها... ابتسم له النصف الآخر،ودعاه للحفاظ عليه،وساعده للخروج ،وعلى تطهير نصفه الواحل فيها... وبعدها لا لوم ولا عتاب ولا حساب... هكذا ستكون إنسانا يعيش في الحياة وبعد الحياة... يعيش خالدا ولو واريناه التراب.سيقطن في وجدان كل واحد فينا،وسيعيش سعادة أبدية وأمْنا روحيا،لأنه لا يتأثر ببرودة أو حرارة،لا يتألم بمادة.. إنه كماله الذي وجده فينا.. وهنا سر بناء
الحضارات.ذلك أن الافراد تخلد بما أنجزت من فضائل الاعمال،لا بما كسبت من مال وبنون...
هكذا يسكنني كمال أخي زكرياء،تسكنني سعادته التي يعيش فيها...
أنا كذلك سألته عن أحوال الموتى.حَمدَ الله وشكره،وأجاب إجابة المستريح الذي عانق القدر،فخرج من عجز الكمال في حياة خلال حياة البشر... الكل يسأل عنكم وعن أحوالكم، ويتمنى لكم التوفيق في الرقي
بحالكم،والنجاح في حياتكم،وتجاوز عجز ونقص وصراع وتهافت غرائزكم،حول دنيا خادعة لحواسكم... الكل وجد راحته مع الموت ـ و إن كان فراق الحياة عانى منه منذ ولادته وليس بعد وفاته.ذلك أن كمال الما
ـ قبل ولادة، في رحم الام، ومن هي الام قبل الولادة؟هل هي الحياة؟هل هي الطبيعة؟هل هي خلقةٌألوهيةٌ؟ قضاء وقدر
إلهيٌ؟ كل هذا يشكل هوية أم، يرتاح لحضنها كل منا.. لا صراع بيننا نحن الاموات،انتهى الصراع.لا أنانية بيننا ،لا أطماع.. أتعلمون سر نقصان الحياة الدنيا؟جدلية الطمع والحرمان،الرغبة
والكبت،الضرورة والخصاص؟هذا سر نقصان الدنيا.. نحن ارتحنا،وإن كنا نريد راحتنا معكم في الدنيا،أو راحتكم معنا في عالم الاموات.لكن ما دام كل منا يعيش في وجدان الآخر،فنحن في وجود واحد،أحياء وأموات،لا
فرق بيننا.هناك موت مع الحياة،وحياة مع الموت،وتواصل بين الاحياء والاموات...
فلا نقول من في حاجة الى الآخر، هل الاحياء أو الاموات...
*************************************************************** ..
في كل مرة يأتي هذا التناسخ للارواح، في شارع الألايا...وتستمر معها الحياة بذات جديدة متجددة. ربما هي التي تطلب الرغبة في البقاء داخل كون هذه الحياة، داخل شوارع مدينتي التي تسبح فيها بحيرتي