ملامح أمي يوم جاءت لزيارتي، خوف و أمل. شفتان ترتعشان و تختلط معهما قسمات الفرح و الحزن الساكن في أحشاء فؤادها. كان لابد لها أن تبكي دون أن تنهار. كان الانهيار آخر ما تتمناه لأنها كانت تودّ معانقة طفلها الذي افتقدته لتسع سنوات تقريبا بين مرحلة ما قبل و مرحلة ما بعد. تبلل صدرها كما تبلل وجهي و شعر رأسي. كنت أرتوي بهذا الدمع حين معانقتي لها و تقبيل يديها و رأسها وكتفيها و كل جسدها الذي احتضنته لأسقي ذاك العطش الذي تحوّل موتا يتعايش مع حياتي في غيابها.
كم رافعت باسمها في نضالاتي الجامعية و في مخاطبة جدران كل زنزانة استضافتني خلال رحلة الاعتقال و السجن:
حينما ستتحدثون عن الكدح و الكادحين و تريدون استحضارهم في تحليلاتكم لا تنسوا أمي المهدية. امرأة ترملّت في بدايات زواجها. أعالت طفليين صغيرين. كافحت و اشتغلت كمساعدة في البيوت و المناسبات. خدمت في الحقول و في جني الزيتون. وقفت في طوابير تلقي المساعدات المغشوشة. أهانت طولها و كرامتها توسلا من أجل إعالة صغيريها. توسلت للمعلمين حتى يرأفوا بهما. بحثت لي عن الحذاء اللائق من أجل ذهابي إلى الدراسة. وفّرت لي من ثياببها التي قد تبيبعها لكي ترسل لي نقودا حتى أكون غدها و مستقبلها و أعوّض لها ما فات و ما شقت به من اجل فلتة كبدها. كنت شمس غدها لها و لأختي. تنتظرني داخل أنين ألمها و دموعها التي تحولت بين ملوحة و مرورة، بين جمر يحرق الجفون و يجفف القلب حتىى يستريح من حرقة أشد و بين موتة واقفة لم ترِدْ أن تتسلم الروح المتألمة بشدة. تركتها لرعاية الحياة و عذاباتها.
سامحت الكل من أجل شرط واحد، من أجل ولديها، من أجل رؤيتي أعود إلى الحياة. كانت ترفض كل ادعاء. عانت مراحل الهذيان و الجنون دون أن تفقد صوابها و أملها في معاودة رؤية ابنها الغائب. رفضت كل التحليل بجميع اللغات. ما دامت تره و تلمس خدّيْه أو تُقبّل عينيه فهو مسافر و غائب و سيعود. هو قلب الأم.
وقفت في باب السجن. آزرها مرافقون و أختي التي كانت طائرا من حرير احترق بغيابي و اعتقالي. حين رؤيتهما، توزعت نظراتي بيين عينيهما. اختلطت الابتسامة و الفرح بمشاكسات الصبا. و كأن شيئا لم يكن. ها أنا ذا لم أغب. لم أمت. تصلبت جامدا واقفا لم أنحن للعواصف التي كسرت عظام جسدي. نظرت إلى اختي أصد لومها الأخوي و أنا أعلم لومها لي و شرعيته. كانت ستفترسني في شفاء غليل. تسترجع محطات الصراع الطفولي حول من يسود و من ينتصر في لعبة اليومي و لعب الحياة و أحلامها... و انهارت عقولنا و حيلنا فتعانقنا نحن الثلاثة. ربت الحضور على أكتفنا منتزعين ذلك النكوص الغارق في نفوسنا و الراغب في الهروب إلى العدم في لحظة احتضان أمومي مقدس لا يساويه شيء في الدنيا.
سقيت قفتها بدمع حقيقي لم أذرفه من قبل. رغيفتها المعسلة و الممزوجة بالزنجلان. رغيفة الأفراح و الأعياد. كان فعلا عيدنا الأول الجديد. ولادة جديدة وحياة جديدة بنهر من دموع.
و تحوّل الدمع إلى لهيب نار ينبعث بجمر داخلي و يترجم غضبا تاريخيا و وجوديا أجنه لكل مسببات و عناصر الجحيم. اكتشفت منذ مدة أن الجحيم واقعي و أنه وجب علينا محاربته و لو في عقولنا أولا. كان الأب مدمن تدخين الكيف. كان سلاحه خضوعنا لرغبته و لحظات مزاجياته. كانت الأم أمنا زوجته التي تنوب عنا في تلقي اللوم و الضرب على الإزعاج. يوم تكسرت يده جعلها تجز له سنابل الكيف و تقصها لكي يدخنها سعادة الأمير. و نحن صغار أو نحن كبار، و نسمع مرويات ما كان يجري و جرى، كان لزاما علينا أن ننتصر للعدل و إنصاف الطرف المظلوم.
كانت أمي من أسرة فلاحية بالغرب و سهول الغرب. جاءها خاطب مبتسم و كانت الورود بلاستيكية آنذاك في التقديم و الاستقبال، لم يكن ليُرَدّ الخاطب. على بركة الله. كان يمتلك بضع شياه، تدحرج في تقلص رقمها ببين نزوة و رغبة وخصاص. تحوّل إلى سارح و راعٍ للغنم عند الآخرين. أخذ العروسة من عامها الأول و هي حامل لكي ترافقه في خرجاته الرعوية. يغني لها و يدندن طربا بعروسته و كيفه، و بدأت سنوات الجحيم الذي أفقد أمنا وهجها و سعادتها ليبدأ الشقاء الحقيقي. تفنّنت عائلتها في رفض رجوعها و دعوتها كل مرة للصبر وتحمل مسؤوليتها و رعاية أولادها. و كأننا أفواه سنكون عالة على نفقتهم و قفتهم.
من أجل هذا العدم أرادت الوجود و الحياة. كنا نبتتها التي حمتها من الاحتراق واليبس و الزوال. تحدي الزمن و المجتمع.
هذا معنى الكدح الذي أفهمه. هو الذي أُرَقّي له وضعيات الطبقة الكادحة. هو الذي غرس في وعيي معنى الفقر و المعاناة و التهميش و الاستغلال. مرارة العيش مرض سرطان تسقى به أفئدة الفقراء و المحرومين. لذلك وجدت دستوري في قيم الاشتراكية و خط اليسار. عوّضت حلْم الآخرة بحلْم الدنيا. من حق الفقراء أن يعيشوا بأمل مستقبل دنيوي أفضل. لم أزعج و لم أضايق عوالم الآخرين و لا أحلامهم. دافعت عن حق المحرومين و الكادحين. جعلت اسم أمي ينضم لطبقة الكادحين حتى تكون نبيتهم و ملاكهم المغرد بنشيد الصمود. ذاك دمي و صراخي الذي أردت أن أكسِّر به هذه الأقفاص التي تغتالني و تغتال حياتي و شعبي.
عفوا وفاء. لم أسأل عنك بعد. سأسوّي أمورا و أطلب رؤيتك. أينك يا وفاء الآن؟ أما أنا فإنني هنا الآن، داخل هذا القفص الجديد