خلال الأسابيع الأولى من إقامتنا الجديدة، و بعد تنبيهنا للمطلوب منا توافقا قبليا من أجل تحقيق الوعود الآتية، اختمرت أمواج التذكر بين مدّ و جزر, و كأن عقلي مُهدّد بعقوبة أقسى، هي عقوبة النسيان. كان أكبر جلاّد يستطيع أن يُغيّب حقي فعلا في الإنصاف و العدالة و الكرامة.
كانت حيرتي كبيرة جدا. أصبحت أعيش من جديد داخل المتناقضات. بين هذه الذات و هذا المطلوب، أتساءل:
كيف لي أن أنسى و قد راجعت ملفي قضيتي في ذهني و في بعض الأحيان رافعت أمام الجدران المحيطة بكياني حتى لا أنسى، حتى أعطي شرعية لوجودي واستمراري، حتى أنتقم من وضع الجحيم و ممن وضعوني فيه... كيف لي أن أنسى؟
و بدأت رحلة تذكر جديدة داخل السنوات السبع الجديدة لِما سبق تلك العجاف:
كنا أربعة عشر طالبا، نُشكّل فصيلا طلابيا، ننتقد السياسة و نفرض البديل نضاليا داخل الحياة الجامعية. كنت بطل رفيقتي وفاء التي شربتها مَصَبّا، و كانت هي نهري الذي يسقيني بقوة هديره لكي أستمر في كلام السياسة و الثقافة. أسوار جمهوريتنا لا حدود لها. نُرسل البيانات التضامنية للحركات الثورية و لموجات الاحتجاجات العمالية و الحزبية عبر بقاع العالم، و كنا نتلقى الردود و التأييد والتشجيع. كنا نقرؤها أمام الملإ. أمام الطلبة الذين نجعلهم رفاق جمهوريتنا. و تكبر قضيتنا كما تكبر شرعيتنا و جمهوريتنا المنشودة.
لابد لي أن أسقي روحي بعيون وفاء و أن واقف داخل الحلقة الطلابية في تسيير أو في تدخل و مناقشة. كنت بطلها الذي يتضخم برؤية اندهاشها و إيمانها بخطابي وحماستي. و كان الاندهاش يغمرها و أنا أُبْدي استعدادي للتضحية و لأموت شهيدا و لأقف في وجه البارود و فواهة الدبابات. ألم يكون شعارنا: بالروح بالدم نفديك يا فلسطين؟ لن نركع أبدا لن نركع، لن يرهبنا صوت المدفع؟
ياه قوة و شجاعة بقينا معهما صامدين. يوم الاعتقال المفضي إلى السنوات العجاف، كان صيفا حارقا، و ملفاتنا وصلت بتقاريرها إلى جهات عليا فاتخذت مسارها مع قراراتهم. الظرفية كانت حرجة و خطيرة. الصراع في أوجه بين معسكرين و بين نمطين في الحكم لا نؤمن بثالثهما بل نعتبره مراوغة ضد الجماهير الشعبية. نهاية عقد السبعينيات من القرن العشرين. هي سنة 1979. غشت شهر الهروب من اللهيب القاري. اخترنا الجبال الأطلسية للاحتماء والاختباء، خصوصا و أن جلنا كان مبحوثا عنه و مطلوبا كضيف في مخافر الشرطة سرية كانت أو رسمية.
مرت إضرابات تلك السنة قوية و واعدة بمطالب سياسية و نقابية و ثقافية. تصعيد يوازيه تصدع في بنية النظام الحاكم و في قبضته التي يريدها ضربة قاضية لكل معارض أو مخالف. كنا ننتقد المحاكمات الشكلية و ندين تلفيقاتها، لكننا كنا كذلك نخشى أشكال التصفية أو الإخفاء و الاعتقال السري. كان عنق التحليل النفسي الذي درسته مفتاح تأويلي لسادية الجلاد و استلذاذه بالتعذيب للضحية، و نشوته بإخفائها لأشكال عذاب جديدة. أسعفتنا روزا لوكسمبروغ و غيرها بمفاتيح العلم والسياسة، فكانت حقنتنا لا تصهرها مضادات الإعدام.
كان المنزل الجبلي مطوقا بالعسكر و شرطته يوم اعتقالنا. مروحيةٌ و قد شرّفت مجمعنا و مخيمنا استضافتنا في رحلة جوية و نحن مكبلي الأيدي و الأرجل، ومغمضي الأعين، ربما في رحلتين باعتبار عددنا و باعتبار عودتها من جديد لمكان تنزيلنا و ضمنا في دائرة عارية تحت أشعة الشمس تفهم لغتها جماجمنا الملتهبة بحرّها.
لم نحاكم. لم يتم الاستماع لملفنا و لا لأقوالنا. لم نكن نرضى بالتناول للمحاكمة. كان عنادنا موقفا رافضا و اختيارا بين تحقيق مطالب نضالاتنا و بين الموت شهادة. لكننا لم نمت، كما أننا لم نعش كذلك. و كانت رحلة الشراب و العذاب. سبع سنوات استطاعت أن تنال من صمودنا. أصبحنا نؤمن بمناقشة وضعية أسرنا حقوقيا. نأمل في محاكمة عادلة و في مرافعة تضمن لنا كرامة و اعتقالا مشرفا. لكن درس السادية كان أكبر مما حلّلناه. تم نسياننا فوق كومة تراب و بدأ جلنا في دوار و مغص و مرض. اعتقدنا أنه شكل إعدام جديد يمارس. و فعلا، مات أحدنا داخل الدائرة التي استضافتنا في الخلاء لمدة يومين متتابعين. سمعنا وقع الحفر بالفؤوس خارج الدائرة المفترضة بالحصار الذي نستشعره هندسيا.
كان صوت الشاحنة التي أوقفت محركها و نثرت غبار عجلاتها مزكمة أنوفنا برائحة بنزينها الثقيلة منبها لبداية رحلة جديدة استغرقت سبع سنوات عجاف.
لم أجد فرصة لأشرح فيها كل هذا لوفاء، لكي أبين لها صمودي و ثبات عقلي على مبادئي و تحليلي. و يريدونني أن أنسى. فلمن سأحكي كل ما مرّ؟ و ماذا سأقول لوفاء عن بحر غيابي و عن يمّه؟