نسجل في متابعة هذا التحليل عملية التبيئة التي يخضع لها كل فكر ثقافي أو تربوي أو أخلاقي. و مع هذه العملية سنجد ان الدين الإسلامي هو الآخر قد خضع و يخضع لعملية التبيئة على مرّ العصور. ما يجعله أشكال إسلام متعددة بدل إسلام واحد. فكم هي العادات و التقاليد و الثقافات التي توافقت مع الإسلام، و أخضعته لشروطها و ظروفها محافِظة بذلك على شرعيتها و استمراريتها، متلوّنة مع المزج الجديد بين الديني و الأخلاقي و الثقافي المجتمعي الناتج عن أسلمة التوجه و أنسنة التدين و تبيئته.ـ
نفس الأمر نسجله كملاحظة تاريخية موضوعية و كتشبيه يعطي الشرعية لها حينما نتكلم مثلا عن مركسَة المجتمعات الحديثة. ذلك أننا نجد ماركسية سوفياتية و أخرى صينية و ثالثة كوبية، و غيرها بين الفلسفي و التصوري التطبيقي المنطقي الذي يرى بدائل لماركسيات و ليس لماركسية واحدة.ـ
هكذا كذلك الحديث عن الليبرالية أو المسيحية، ما يجعلنا نتفق في إطار الإيمان بنسبية الحقائق على نسبية الإسلام المتبع، و كونه لن يكون المطلق و الكمال و النموذج المثالي الذي يجب على الكل اتباعه. فكل عمل به هو اجتهاد. و كل اجتهاد هو منتوج بشري متضمن للصواب و الخطأ. و بالتبع فإن ما سنجتهد فيه يدخل داخل الإنساني و لن يكون للبشر الحق في نقضه مادام يرسم و يرصد المستقبل و البحث عن المصلحة العليا للبشرية داخل هذا المستقبل. لن يكون الجهد حكرا على فئة خاصة تدّعي امتلاك الحق دون سواها و القدرة على النجاح فيه وحدها، و إلا فلِمَ كانت أشكال ضعف و جهل و تفرقة و حرب و تخلف و مرض وجريمة ، عبر التاريخ الإسلامي و في حضن الحكم الفقهي و السياسي المحتكِر لما هو ديني و أخلاقي إسلامي؟
ما علاقة ما سبق تحليله و ملاحظته بموضوع اشتغالنا؟
مجال الأخلاق هو لوحة تشكيلية يتفق المجتمع على ألوانها و طريقة توزيعها و تقاسم خطوطها. هو مجال تقاسم الأدوار و المبادىء و القيم. و بلغة نيتشه، فالأخلاق طبقية و فئوية و حقن موهوبة للأفراد حتى يكونوا خاضعين و خانعين و قانعين، داخل منظومة مصالح موزعة و متفاوتة، و داخل أشكال استغلال بين الأفراد و الطبقات. فأخلاق الفقير ليست هي أخلاق الغني. و الخطاب الديني يحافظ على توازنات العلاقات و عدم وقوع الاصطدامات أو فرقعة الوعي المشكَّل داخل لوحة التشكيل الموزعة الألوان.ـ
لن تحيد الأنثى عن هذه الملاحظات في مجال الأخلاق. فهي المعنية الأولى في تقسيمها و توزيع المصالح فيها و تنظيم العلاقات و أشكال الخضوع و القبول بنصيبها فيها.ـ
و بالرجوع إلى المرجعية الوجودية التي أسست لفكرة وجود الأنثى داخل هذا العالم، فإنها نتاج و فضل آدم. و إنها سبب شقاوته الدنيوية و نسبية عيشه بدل المطلق الذي كان فيه في جنات عدن خالدات.ـ
و إنها بحكم الطبيعة مجال العوز و الضعف و الدنس في كثير من المواقع و الوضعيات. هكذا كان الاحتكار للمجال المقدس من طرف الذكور في الغالب. و كانت المرأة تابعة له في الولاء و العبادة و الطاعة. فطاعته من طاعة الخالق لكل شيء، و جنتها من جنة رضاه.ـ
قد تكون عبثية هذه المحاولة بالغوص في المجهول الدفين الماضي. لكنها منطلقنا لمعالجة الحاضر الخفي و المبهم بطلاسيمه العتيقة و المستعصية على الفهم الآن و غدا.ـ