8 ـ
سننتقل إلى مستوى آخر من أجل البحث عن تفسير لنوعية العلاقة القائمة بين الوحي و الواقع عند المتصوفة. ما دام شأن تطوير هذه العلاقة محتدم بين السياسي و المتصوف أكثر عبر قرون عديدة. و حيث دائما حاول احدهما إيجاد التأويل المناسب داخل الخطاب الديني ـ الوحي لما يتماشى مع تصوره و اختياره المادي و المعنوي.
يعتبر هذا المستوى اختيار خلاص وجودي و سرمدي اراده المتصوفة لوضعهم الاعتباري الذي انتجته تجربتهم و وعيهم و حبهم.
الاختيار هو جبل العرفان ( الاعراف )، بين أهل الجنة و النار. ربوة مرتفعة اعتباريا و رمزيا عن كل من سيبعثهم الخالق يوم القيامة، و بعد أن يحاسبهم ويحاكمهم فيه. هو جبل الأعراف، الذي تشير إليه الآية الكريمة في قوله تعالى : ( وبينهما حجاب وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون ).
الأعراف في اللغة الشيء المشرف. و منه عرف الديك و عرف الفرس. فالأعراف سور له عرف الديك. و رغم تعدد ألوان تفسيره بين ما قاله الرسول صلى الله عليه و سلم، و ما قاله علماء الصحابة و اللغة، فإن السياق الذي سيتخذه توظيف صورته مع المتصوفة سيكون مغايرا.
و نحن سنحاول النزول به من جديد لكي يفسر لنا تصور المتصوفة لعلاقة الوحي بالواقع. و نتساءل في البداية : أ ليس كل تفسير و تأويل جديدين محاولة لتنزيل وحي جديد مراكم لما سبقه و مضيف لما يحتاجه الواقع منه من جديد؟
ربما تتبع رؤية المتصوفة لوظيفة جبل و سور الأعراف سيساعدنا على طرح أجوبة جديدة، هي إشكاليات أكثر منها حلولا.
ـ تراتبية المرافعة الوجودية :
حينما يعلن المتصوفة مكانهم في الاخرة، بعد الحساب و التمييز بين أهل الجنة و النار، يسجلون بذلك خروجهم عن المعادلة التي وضعها الاله المالك لكل شيء لهذه الحياة الثلاثية المراحل. يبدون انسحابهم من درس الاختبار و الامتحان. يغيرون معادلات العلاقة بين الخالق و المخلوق :
أولا : العلاقة هي علاقة حب بين الانسان و الله. لا وجود للخوف في التواصل بينهما. يعشقونه بجمالية كل شيء موجود. عيونهم لمعانقة المحبوب.
ثانيا : التعالي على باقي الخلق الذي يؤمن بتراتبية العلاقة، و حسابية الجزاء، و شريعة الارض التي جاء وحيها من السماء.
ثالثا : عدم وجود علاقة بينهم و بين مهمة الانبياء و الرسل. فهم في درجة الوفاء و الاخلاص التي تقربهم إلى الخلق دونما حاجة إلى وسطاء. و تأتي نظيرة الحلول و الاتحاد لكي تؤكد ذلك.
رابعا : إعادة صياغة الحقائق بما يناسب مرتبتهم المتسامية و المناسبة لمرتبة الحب الالهي المُعلَن. ترتيب الأمور من جديد في الحقائق الغيبية حتى توافق منحاهم في العشق و التجرد من دنايا الدنيا و الواقع. و مثال ذلك هذا الإعلان على جعل جبل الاعراف بين الجنة و النار. لا هم من هؤلاء و لا من اولئك. هم خارج سياق الوجود الواقعي المعني بهذا المصير.
خامسا : مزج لحظات الوجود الزمني و الكوني، بحيث يعيشون في الحاضر كما في الماضي كما في المستقبل. و هي لحظة الهوج و العشق التي تجعل الزمن نقطة واحدة تتجمع فيها أشكال الوعي التي رتبها المتصوف في عقله و وجدانه. هكذا سيتم التحكم في الواقع من خلال هذا السفر في الارواح و الازمنة الماضية و الاتية دونما حاجة إلى شروط موضوعية. هي فقط الشروط الذاتية التي يفرض بها وضعه على من حوله و على مجتمعه.
سادسا : خروج المتصوف عن شريعة الانام و العامة من الناس، بما في ذلك سلطة الحاكم و السياسي و الفقيه التي تلجم الكل بقيود و مراقبة و معاقبة. فالمتصوف خارج هذا السياق و له حريته المطلقة التي يهبها له الحب الالهي الذي ينعم به، و التي تجعله يخلق شروط حياة بعيدة عن التجمعات البشرية المألوفة.
سابعا : الاغتراب عن الوسط و عن الحاضر، بالعيش داخل مناخ ثقافي و فكري خاص. ما يجعله نخبة متميزة عن الآخرين، و فريدة من نوعها، و متعالية في ذوقها و رغباتها، بحيث لا تزدحم مع عامة الناس فيها.
ثامنا : الإيمان برسالة الكلمة و الفكرة، و تخليدهم لمهمتهم بالابداع و الكتابة.
تاسعا : كسر و تذويب الحدود القائمة بيبن الثقافات بسبب الرقابات السياسية و القانونية العقابية التي تنهى عن كل تمازج غير ماذون فيه. و ظهور تعارض بن مصالح الوعي الصوفي و مصالح السياسة العامة للدولة التي ينتمي إليها في مجاله الجغرافي.
....