في رحلة بين الوحي و الواقع، نجد ذلك التواصل بين الخطاب و الفعل السياسي و هو تواصل يعكس مرة ذلك الالتقاء الباني للعلاقة، كما ذلك الانفصال المعيد للنظر فيها أو الرافض لطبيعتها.ـ
سيتجلى ذلك في وصول الصراع السني الشيعي بسبب الصراع السياسي حول السلطة و الحكم، و بإيعاز من المكونات الفاعلة في حلبة الصراع و لعبته ـ القبيلة كما يقحمها ابن خلدون و الجابري، و الفئات المتطلعة بمصالحها تاريخيا مع هذه الصراعات، و الآتية من مشارب الخدمة الإدارية أو العسكرية أو الفقهية و الفكرية المرتبطة بموازين القوى داخل هذا الصراع و التفاعل ـ
أسئلة كبيرة طرحها الواقع، و لم يجد لها جوابا. تصارع كتاب الوحي و حفظته حول السلطة و وجهتها و خدماتها. تطاحن و مات المبشرون بالجنة، فسقطت تلك اللوحة الناعمة و المرسومة من حرير من صفحة السماء التي تتطلع لها العناق في بحث عن انعتاق.ـ
استغرب المطمور في اللاوعي عن هذا التصادم مع ثوابت الوحي و مخفيه. كيف يمكننا معالجة هذا الواقع المندمل، و الذي مزق أحشاء الفؤاد الذي تربت بداخله روح دين جديد، واعد بأفضل مما سبق.ـ
و في رحلة الصراع كانت الأزمات و الطرق المسدودة و الأسئلة المحيرة التي تبحث عن سبل نجاة و أجوبة تداوي الفؤاد.ـ
لكنها إذا مثّلت هروبا إلى دواخل الذات، هذه الأزمات، كما مع أبي ذر الغفاري، فإنها شكّلت طريقا جديدا لإقحام هذه الذات في صياغة العلاقة مع الوحي و فرض الأمر المرغوب في الواقع. كيف ذلك إذن؟
تجربة البحث عن جواب داخل فضاء الوحي، كانت محصورة على عهد الرسول صلى الله عيه و سلم. و حتى ما جاء في غيابه أو بعد مماته، كان بحثا عن سنته و قوله و فعله و إقراره فيها. وهي مسالك محصورة باعتبار ما استنتجه علماء الأصول من كون اللامنتهي لا يحصره ما هو متناهي. كون الوقائع لا يحصرها النص. احتاج الكل إلى الاجتهاد. لكنه اجتهاد يعكس بمرآته تناقض المصالح و الاختيارات. و هو بالتالي سيخدم كل الأطراف المتناقضة و المتصارعة. سيبرر أعمالها و أقوالها. سيعطي الشرعية لهذه على حساب تلك. كلها امور لاحظها المؤرخون كما المحدثون كما السياسيون. و قد تجلّت عبر مستويات عدة، بما تترجم تماوجها العمودي بين السماء و الأرض، بحثها الأفقي عن أجوبة العقل.ـ
المستوى الأول : كان استغلالا للنص و الرواية، و انتصارا للصيغة التي تخدم الموقف و المصلحة. قد لا يكون التصريح ضروريا لأن السياسة و خطابها يحتاجان إلى إضمار القصد حتى تحقيق المصاله معه غالبا.ـ
المستوى االثاني : كان توليدا لنصوص جديدة لم ترد في متن الوحي. و بدرجات الحاجة و الخطورة، تم التركيز على اختلاق نصوص حديثية مزورة انتصارا دائما للمواقف السياسية و الولائية بالخصوص. و هو امر ليس بجديد في الاستنتاج. فقد سجله العلماء عبر التاريخ.ـ
المستوى الثالث : طرق لأبواب السماء و بحث عن جواب غيبي لما عجز عنه العقل في معالجته كقضايا في الواقع. و هنا ظهر صراع جلي بين اتجاهات سنية و اخرى شيعية اجترته من جعجعة الصراع حول الخلافة، و تفرق حفظة الوحي و أصحاب النبي الكريم سيعا مختلفة. و هكذا أصبح منطق التوازنات بدل منطق بساطة التنفيذ للأوامر و اجتناب النواهي التي جاء بها الوحي. و لعل هذا الشق لخطورته لم يتوسع في الاستغلال و التحريف عن المصدر الأول بكثرة. لذلك سيكون اللجوء إلى الاشتغال بالفكر و بالمنتوج الديني و الفلسفي السابق و ما ارتبط به من معتقدات و اساطير.ـ
المستوى الرابع : نصل هنا إلى بيت القصيد من الملاحظات التي نسجلها حول العلاقة بين الوحي و الواقع. فإذا كان النص القرآني يستحيل على أصحابه تحريفه بشكل يترجم موقفا سياسيا أو يناصر فرقة على اخرى، فإن الرحلة ستبدأ في البحث عن مراتب و طرق للوصول إلى روح الوحي و إيجاد مفاتيح تجيب على كل تنزيل و تخلق فلسفة توازنات جديدة. هكذا ستبدأ الرحلة في غزو فكري و فلسفي للآخر، بعد أن قامت بالغوز العسكري و الجهادي باسم نشر رسالة الدين الجديد. ستنهل الاجتهادات من فلسفات الشرق و الغرب و من أساطيرهما. ستتبنى تصورات تنظم عالم الروح و رحلتها، و تخلق مستويات الإشراق التي تأتي بالأجوبة و بالإلهام و أشكال وحي جديدة ليس من الضروري ان نماثلها مع الوحي القرظىني، لكنها تلعب دروه في تنظيم العقيدة و استقامة الفكرة و الالتزام بحكمها و تنفيذه سلوكيا من طرف الفرد و الجماعة.ـ
و داخل هذا المستوى الرابع كانت رحلة مجموعة من الفلاسفة و المتصوفة. نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر الفيلسوف ابن سينا، و الفيلسوف المتصوف ابن عربي.ـ
و للذكر المسبق، فإننا لن نسلّم بكون المتصوف مجرد عرفاني إلهامي بحدسه. ذلك ان مثال ابن عربي يبين بالبرهان الاطلاع الواسع و الشاسع على فلسفات و معتقدات متنوعة و متناقضة، ليس من الضروري أن يعالجها بالنقد الصريح أو التبني الجلي، و لكنه يوظفها في سلوكه و خطابه و يوازنها مع متوافِقاته العامة و الخاصة.ـ