فماذا عن تجربة التصوف و المتصوفة في مقاربة موضوع الوحي و الواقع؟
و هل هناك لجوء يتمظهر بين السياسي و المتصوف في لعبة العلاقة القائمة بين الوحي و الواقع؟
في الحياة الواقعية و الموضوعية، لا يمكن للحقيقة و أسلوب عيشها ان يكون لهما طريق واحد و سبيل أوحد. لا يمكن للسعادة أن تكون لونا متفردا، كما الطعام اذواق و احتياجات. لذلك، فإنك تناول حاجيات الإنسان الروحية و الواقيعة سيؤثر على فهمه و استعماله لجدلية العلاقة بين الوحي و الواقع.ـ
طريق التصوف كذلك، تتعدد سبله و مسالكه و أساليبه، و تتنوع نتائجه بالتبع طبعا.ـ
و في علاق بالوحي، سنجد ان المتصوف يسلك طريقا يتماشى مع المسموح به شرعا و ظاهريا، تألفه أعين السلطة الساهرة على التحكم في الواقع. ثم بعد ذلك تبدأ المفارقات و مفترقات الطرق بين الطريق الرسمي و المدرسي المعتمد داخل المجتمع بحكم سلطة الدين و السياسة في قبضة واحدة، و بين طريق التصوف الذي يكون رحلة روحية و جدانية أكثر منها سلوكية ظاهرة و شعائر منجزة. حيث يعرج المتصوف إلى عالمه العلوي الذي لا يدعي به غالبا تقاسم تجربة الأنبياء و القول بتلقي وحي مباشر. يكون تلقيه عرفانا حدسيا و كرامات و رؤى يراها في منامه و يقظته، و إشاراتها توجه سلوكه، و أشكال تاويل و ترميز جديدين يركب بهما وعيه و رؤيته لقضايا الدين و المجتمع، الوحي و الواقع.ـ
يستطيع المتصوف أن يخلق له عالما فريدا يعترش ربوته و ينعم بنشوته و قناعته بها و سعادته داخلها.ـ
سيطلب المتصوف بعد مسالك متدرجة الحب بدل الخوف و المعانقة بدل الصد و الاغتراب. يطلب عدالة جديدة في العلاقة يستحقها كحق منشود و كرامة مطلوبة. يريد الحب و الاحتضان. الخروج من أشكال التهديد و التخويف و الاختبار المعجّز.ـ
في تجربته يختصر المسافات. لا ينتظر مجيء الغيب و ساعته. هو الذي يطلب الذهاب بتجربته الروحية إلى اكتشاف و عيش هذا الغيب. إلى النهل من حقائقه و جنان معارفه.ـ
في تجربته خروج عن معادلات الواقع التي يتحكم في جل سلوكاتها المنتظمة مجتمعيا الحكم السياسي و الفقهي الذي لن يكون في منظور المتصوف سوى آلة تسلط ة تحكم على الأرواح و الأفعال.ـ
لذلك تجده يخرج من دائرة العيش داخل التجمعات، لكي يختلي بعلاقته الجديدة التي يجد فيها حرية التحليق بأجنحة خياله و عقله و استنتاجاته. هكذا يكون خارج رقابة و تسلط الحكام و الفقهاء.ـ
و التمييز سيكون نسبيا في جدلية المفارقة بين المتصوف و السياسي و الفقهي. ذلك أن الفرد الواحد قد نجده هنا وهناك. ربما المؤسسة و الانتماء التربوي و المعيشي لها يفرض على الأفراد التخندق داخل مسلمات سلوكها و ارتباطها أكيد. ربما الرغبة في الانعتاق و التحرر داخل روح كل غنسان و لو كان داخل نعيم سلطة و جاه و نفوذ. لكن روحه قد تغترب عن الواقع، فتحتاج إلى هذا الانعتاق و الاغتراف من بحر الحرية و سعادة الحب في العلاقة لا القهر الذي يكهرب نفسها و يقسو على نفسيتها.ـ
هي ملاحظة أشكال انفصام تتدحرج داخلها شخصية الإنسان بين الهنا و الهناك. و كثير من الناس يعيشها، فتجده مرة مختليا عاكفا، و مرة متورطا و متسلطا و منغمسا. هذا إلى جانب تورط الإنسان أخلاقيا بين الفضيلة و الرذيلة، بين الصفة الملاكية و الصفة الشهوانية الرغباتية.ـ
إنها محاولات تحليل شخصية المتصوف، نحن في حاجة إليها لكي نفهم انتقاله بين عالم الوحي و عالم الواقع.
حينما تكون المقصلة منصوبة في الأرض و في السماء، فماذا عساه يجده كمخرج لتجربته التي يريد أن يكسّر بها المألوف من تجارب الناس ـ العباد؟ يكون سؤاله ( لماذا ) دوي رعد في وعيه و لهيب نار على لسانه. فكيف يا ترى سيكون مخرجه من هذا المأزق الذي هو وجودي أكثر منه مجتمعي و سياسي؟
تجربة المتصوف ليست بالسهلة. فهو في حاجة إلى احتواء الكون داخل ذاته، و إلى جعل العالم نقطة واحدة و منسجة مع شعوره و تنفسه و سلوكه. أن يتخلص من ارتباطات الواقع لكي يخلد مع الفكرة و يخلص للوصول إليها حبا و عشقا لا خوفا و رهبة. ذاك أمله الذي يتخذ له المدارج الممتعددة و يسافر و يجول من أجل لبحث عنه و عن الحقيقة. حتى إن الحقيقة لا توجد في الاستقرار في مكان واحد، حتى إنها تجربة تجوال و معانقة حية مع الأشخاص و الأمكنة، و بحث عن الجمال الخلاق الذي به يتجسد الحب و ينعم الإنسان بالسعادة. سيكون التسبيح مع كل ذلك رمكبته الفضائية التي يسقي بها روحه، بإكسير خمر يوصل إلى النشوة و المتعة.ـ
فهل سيترك الواقعي و الموضوعي شخصية المتصوف في رحلته الفلسفية العملية؟ أم إنه سيختبره كل مرة في النزول إلى الواقع و ترجمة خلاصات رحلته من فيه جديد؟
ترى، كيف سيكون هذا التنزيل؟ و ما الذي سيضيفه المتصوف بتجربته في تعديل العلاقة بين الوحي و الواقع؟ و هل سيستطيع تكسير الغضروف المشوه الذي اعوجت به استقامة قاطرة الحياة بين سكتين : الوحي و الواقع؟
و تبدأ الرحلة الشاقة و الممتعة في الكشف عن أجوبة مساعدة على الفهم من بعض الزوايا و ليس في كليتها.ـ
فماذا عن تجربة التصوف و المتصوفة في مقاربة موضوع الوحي و الواقع؟
و هل هناك لجوء يتمظهر بين السياسي و المتصوف في لعبة العلاقة القائمة بين الوحي و الواقع؟