كثيرون هم الأفراد الذين اختاروا رحلة التصوف، و جالوا في البلاد الشاسعة و عبروا الخريطة الكبيرة و الممتدة لظلال المجتمع الإسلامي، أو الأمة الإسلامية على الأصح. رحلة يتجرد فيها صاحبها من كل الانتماءات الضيقة و من تأثيرها السيكولوجي و السوسيولوجي المباشرين. سلاحه فيها زاد معرفي و طاقة إيمانية و اختيار لتجربة الجديد و البحث عن الحقيقة و عن إطار إيمان و عبادة جديدين. فقوقعة القرية أو المدينة، و خطاب اليومي المتحكم في الرقاب و الأرواح، كلها امور تخنق بوح الفرد و تجعل روحه شقية و في معاناة. لذلك سنجد عبر التاريخ فلسفة التجوال و السفر. فلسفة الخلوة كذلك التي يختارها الفرد أو يُوجّه لها قبل انخراطه التدريجي في تجربة جماعة أو طائفة أو انتمائه لها.ـ
فهل سنقول إنها عملية غسل دماغ؟ ربما السؤال مغالاً فيه. لكن تهييء النفس و إعادة ترتيب و تشكيل توازناتها و أولوياتها، حاضر في كل ذلك. عملية خلق قناعات جديدة و عادات جديدة كذلك. هي ذي تجربة السفر و الخلوة التي يخضع لها المريد للحياة الصوفية. هي ما اختاره ابن عربي و غيره. و حيث الحقيقة ابنة الانفلات، فهي لا تسكن في مكان و زمان محصورين. لذلك سنجد الصوفي يسافر فيهما معا. و سيكون سفره في الزمن سفرا داخل أرواح و كتب و رسائل و تعاليم علماء و أنبياء و ملائكة و أرواح متنوعة في انتماتئها الخلائقي. سفر في الحاضر و في الماضي و في السمتقبل كذلك.ـ
لن يستطيع فهم تجربة المتصوف إلا المتعطش و الظمآن الذي جرّب التيه في يباب و صحراء. جرب ضلال الطريق داخل امواج بحور أو داخل عبثية بوصلته الروحية التي فقدت طعم الحياة الرتيبة و بؤس الحال الوجودي لروحها و صاحبها.ـ
هذا الوضع الفلسفي و السلوكي عاشه الأفراد و العائلات و الجماعات الملتقية عبرهما. سيعني هذا ان هناك طبقات اجتماعية تشكّلت لها مثل هذه الاختيارات. سيعني كذلك أن مؤسسات في الظل أو في العلن تمظهرت لكي تترجم هذا التوجه الجديد.ـ
سيطرح هذا الأمر تساؤلات عدة و جوهرية مرتبطة بإشكالية العلاقة بين الوحي و الواقع : ـ
هل هناك أزمة تصرف الوحي في الواقع؟
هل ضاق الواقع بانحصار دور الوحي فيه؟ او انتهاء صلاحية المادة المبعوثة من السماء لخدمته؟ أو عدم كفايتها؟
أسئلة عدة تناولها العلماء. و كل حاول الجواب عنها بما يرى به وظيفة لهذا الوحي. فبينما يرى المحافظون خلود صلاحيته أي انه صالح للتطبيق لكل زمان و مكان، و انه يجيب على كل الأسئلة و تجد فيه كل ما يحتاجه الإنسان في حياته، ربما يضحك المتصوف سرا و تقية و يفهم سر تشبت هذا المحافظ بنوعية خطاب غيور كهذا. ربما هذا الخوف ناتج عن جهل بالواقع، أو عن عدم قدرة على الإجابة على إشكالاته السوسيو ثقافية واجتماعية و تاريخية، أو عن دفاع عن مصالح يضمنها في ارتباط مع هذا الخطاب.ـ
فطريق الحقيقة عند المتصوف مغاير له عند باقي الناس. هي قناعة شمولية جديدة ترشحه لكي يغير المعادلة القائمة بين الوحي و الواقع. هو رفض لثبوتية التاريخ و جموده التي يريد البعض فرضها في حصر العلاقة بين الاثنين، و ربما في تقييدها و تكبيلها و رفض أية حرية توصل للجديد فيها مع كسر أجنحة التحليق و كهربة و تعتيم سماء كل حلْم جديد.ـ
و إن كان أسلوب المتصوف غالبا ناعما و سلسا، فذلك من حكمة رؤيته لطريقة تغيير مجرى التاريخ. من رفضه لعملة السياسة و دمويتها التي صبغت جل صحف التاريخ. و ما كان الوحي إلا حكمة حليمة و بليغة و خطابا فكريا يباشر تغذية الأذهان لمشروع حياة جديدة.ـ
بالرجوع إلى دراسات قامت حول التصوف، نجد بعضا منها و قد خندقه داخل احكام قيمة، و نشرها بين العقول مريدا بذلك جعل مسافة لها مع قناعات الناس و تصرفاتهم و مواقفهم و تموقفاتهم. هكذا ستكون للسلطة الرمزية و المادية دورها في إبعاد الناس عن كل تحول نوعي في حياة الناس. و سيبقى هذا التحول محصورا بين و عند أفراد و أسر معينة. و هي تجربة سوسيو روحانية في حاجة إلى دراسات جديدة لرعاية قيمتها و دورها الوجودي و الحياتي المنطلق من فضاء تربوي و سيكولوجي يبني الشخصية قبل الفرد طبعا.ـ