Overblog Tous les blogs Top blogs Littérature, BD & Poésie
Editer l'article Suivre ce blog Administration + Créer mon blog
MENU
Le blog de mondevenir/imami hassanإمامي حسن
Le blog de mondevenir/imami hassanإمامي حسن
Menu
باب القصبة 13

باب القصبة 13

باب القصبة 13
باب القصبة 13

13 ـ

الحاج إبراهيم، حينما اختار بناء منتزهه و سقيفته قبالة غروب الشمس فقو ربوة و منحدر باب القصبة الغربي، فتح لحظات الشجن و طرب الروح. لكن ذلك الطرب الحسي الملون ببنفسجية ناعمة و مسكرة للبصر قد لا يكون كافيا. ذلك أن لحظات الخلود للذات و مناجاة الروح المسافرة يوميا، عروجا إلى السماء، يحتاج منه لكي يجعل الخلوة التعبدية كل حين. شأنه شأن مسلمي مجتمعه.

التحق بمسجد مولاي اليزيد الذي بني في عهد السلطان مولاي اليزيد الذي لم يدم ملكه سوى سنتين، مات خلالها و نهايتها برصاصة طائشة و غادرة نقلته من انتصار في معركة إلى احتضار و وفاة و دفن في مقابر مراكش و فضائها. صراع المراء حول الملك، و حركات التطويع للقبائل و تجديد ولائها بما يكون متماشيا مع موازين القوى و المصالح.

ازداد نبض الحاج إبراهيم و تصببت خدّاهُ بعرق و احمرار خفيف، فاختلط التنفس مع التفكر، و تسارعت الأفكار المهمولة في الذهن ارتيابا و تساؤلا واستغرابا و تخيلا.

طاوع فورة الدم في الشرايين و استمر في التساؤل بين جدران ممر حي تازكة، قبل أن يصل إلى مفترق الأزقة الذي يسمى بحركيته التجارية و دكاكينه الصغيرة ( الحوينتات )، تصغيرا للحانوت و الحوانيت.

ـ لماذا كان مولاي اليزيد بذلك العنفوان و هو أمير، و بتلك الرغبة في السلطة المتسرعة و الغاضبة، و ذلك الشره للمال و النفوذ؟ ما الذي يميزه عن باقي إخوته حتى يصير إلى جحود ولاءٍ لأبيه و ملِكه؟ إلى درجة أن يتبرأ منه أبوه بمناشير يعلقها في عواصم العالم الإسلاميو أماكن الاستحرام و الإحرام؟ غريب هذا الأمر. أيكون صراعا مرتبطا بأصل أمه العلجة؟ و هل يمكن أن يكون صراعا بين نسوة و زوجات السلطان يترجمه الأبناء الاثنى عشرة في السلطة و المال و الولاء للملك من دونه؟ أم هي "تبوريدة" الأمراء يحق لهم أن يعيشوها بنشوتهم و نزوتهم؟

قطّب حاجبيه، و ساط نفَسًا محموما و هو يمر بين الحوانيت المؤدية إلى الزنقة الصاعدة إلى جامع مولاي اليزيد، مكتفيا بتقديم السلام اعابر كتحية دون مكالمة الناس الذين يمر بجانبهم و أمامهم.

أسرع في الدخول إلى المسجد و تجديد الوضوء و البحث عن خلوة للروح حتى يستكين بركانها المشتعل بحطب العقل و النفس و السؤال و الاستغراب. جلس في الرك الأيمن متكئا على سارية و مدثرا رأسه بقبّيْ جلابيتيه. و ذهب في الاستغفار و طلب التوبة و الحرمة. و حيث لا نوافل قبل آذان صلاة المغرب، كانت المناجاة الفردية سفرا جديدا للروح في دواخلها. لكن هذا الانتقال كان صعبا حتى يحقق له الخشوع و التفرغ للمناجاة.

 رائحة الجير الطرية التي حذقت بها جوانب و مداخل و أعمدة المسجد البيضاء، و ذلك الحصير الذي اختلطت روائحه المتراكمة مع أشعة يوم مشمس استفادت و انتعشت بها قبل طرحها من جديد عبر مصاف باحة المسجد و أركانه، قد تكون متزاحمة مع هذه الأفكار التي تعبر ذهن الحاج إبراهيم، ملتحفة بألسنة الاستفهام النارية. قد تركبه شخصية اخرى و هو في شبه هذيان انعزالي يردد أصوات شخصياته المفترضة بدواخله. حتى الحواس ربما تحالفت مع الذاكرة و مع الذهن لكي يخلق الجميع هذا العالم الافتراضي الذي تخيّله و جاراه الحاج إبراهيم.

استطاع  أن يذوب للحظات شخصية مولاي اليزيد السياسية، و بقي مقام البناية حاضرا باسمه و بركة التعبد بها. كما استطاع التخلص بعد ذلك من أقواس العقل و تساؤلاتها لكي يتشكل مع أقواس البناية و هدوئها. و استعاد سكينة النفس و طمأنينة الروح حتى اخترق الآذان مسامعه حملا معه خطوات الآتين لصلاة المغرب.

قد تجمع الصلاة في المسجد بعض الشرفاء العلميين. و هنا إذا ما جمعتهم، تم تبادل التراحم، و كان حظ المرحوم مولاي اليزيد منه وافرا كذلك، ما دام بناية و تاريخا و بركة سياسية و اقتصادية.

حينما خطا الحاج إبراهيم جاعلا قدميه في زوجي بلْغتِه، خارج عتبة المسجد، حمِد الله و استغفر و كبّر و تعوّذ. اتخذ طريقه بين الدروب المنحدرة مرورا باب منزل القايد عمر، و سقاية البيبان المزخرفة، ثم باب مقام ضريح المولى إدريس، فحيّ الحفرة، حتى خرج من باب الرشاش مرورا على بوابتي الحمامين حيث توقف عند العامل في بيت النار الذي سلّمه طنجية كان قد بعثها له مع مستخدم المعلّم الجزار السي علي، الذي يعتبر الحاج إبراهيم أحد زبنائه.

وجبة عشاء هذا المساء، استعد لها أفراد العائلة طلبا و فرحا. و شعرت معه نسوتها بنشوة كبيرة و راحة نسبية تُقتطع من أعمال المنزل لحظة اشتهاء لوجبة أكل خارجية. هي عادة زرهونية بامتياز. لكنها منتشرة كذلك في باقي المدن المغربية كفاس و مكناس و سلا و ومراكش...

ـ نْطيّبْ خاطر لالة الياقوت. المرحومة لالة زهور عزيزة عليها. الله يرحمها.

هكذا همس في أذن زوجته الثانية لالة الصافية، و التي كانت ليلتها في المواعدة و الخلوة. تزينت لها بخلاخلها و استحمامها و تعطرها. و جعلت شدة الرأس بدرّة مزينة و متدلية وراء قفاها على منحدر بين كتفيها، تدثر بها شعرها الذي تركته منسدلا.

لالة الصافية، طويلة القامة، ببياض ناصع  ووجه لامع. عيناها، كما يحلو للحاج إبراهيم أن يتغزّل بهما بمقامات الملحون : الزين البلاّر.

بينما جمال لالة الياقوت فطري و عاقد القسمات التي تحفظ للوجه و اليدين غضتها و نضارتها دون تجاعيد.

ملمس فطري يحلو للحاج إبراهيم أن يبدأ كلام عشقه له معها في كل مسامرة : اللحم تخاوى و أصبح بقلب واحد نسكن فيه أنا و أنت يا الياقوت الصافي. أنت درة في محارة تسكنين في صدري.