غالبا اقترنت الرجعية بالدول التابعة للنظام الرأسمالي و المحكومة بأنظمة تقليدية تستمد فلسفتها و سلطتها و نظامها و حكمها من مرجعية دينية و خصائص قروسطية تجتر قرونا من الثبات الذاتي غير المتغير مع تغير معطيات العصر الحديث.
هكذا نجد في الخطاب النقدي للنظام الرأسمالي ملاحظة التحالف التاريخي بين الرجعية و الإمبريالية. و هو زواج مصالح غير متجانس لكنه متعايش على مائدة واحدة يأكل فيها طرف بسكين و فورشيت، و الآخر بغمسات أصابعه. قد يعلّمه الأول آداب و بروتوكول الجلوس على مائدة الكبار، لكنه يحافظ على تلابيبه المظللة لثقافته. و هذا الوصف الناقد و الساخر لا نجده عند المعارض لهما فقط، بل نجده وراء ابتسامة صفراء للرأسمالي و الإمبريالي في مصافحته و مجالسته لهذا الرجعي. إنه زواج مصالح يجمع ملكة مسنة بفارس شاب يريد مفاتيح دوالب قصرها و ذهبها و خزائنها. يُضمر مغَصٌ، و تخلق بألوان الطيف العاكسة لتناقضات السياسة السياسة النفعية المادية في بروتوكولات الإمبريالية ـ الرأسمالية.
لكن هذا الإسقاط على الرجعية الخاصة بأنظمة في تبعية للدول الاقتصادية و العسكرية الكبرى، سيكون ظالما و مميزا لها بحيف عن مثيلاتها و نمطها داخل الدول المسماة حداثية و عصرية. ذلك أن لعبة القوى الكبرى مركبة و مشكلة من وظائف و خدمات مصالح عليا مبرمجة، بينما لعبة الأنظمة التابعة بسيطة بالمقارنة مع الأولى، و لا تخدم إلا التحكم الداخلي، بينما الخارجي فتتحكم فيه اللعبة الكبرى و قوانينها المتشعبة.
مشكلة الأنظمة الرجعية التقليدية أنها إلى جانب ضعفها العسكري و المني الخارجي، انها تعيشي بنظام سلطوي يمثله الفرد المستبد بالسلط و المستغل للمصالح و المتحكم في الرقاب فوق سلطة القانون و القضاء و الدستور. لذلك نجدها أسطولا بطيئا في التطور يرفض تجديد ميكانيزماته بشكل نوعي جديد. سيرفض الجديد و يحافظ على أعطابه و يغلفها و يتستر عليها، لأن كشفها ستختلق به كراسي حكمه.
و حتى ندخل في صلب الموضوع المراد ملاحظته و مجاورته مع الشائع في استعماله، سننطلق من الخصائص المشتركة بين الأنظمة و العقليات الرجعية حتى يتسنى لنا رصد ملاحظاتها في الرجعيات الغربية القابعة وراء الواجهات اللامعة للحداثة و المعاصرة و شعارات الحرية و الديمقراطية و العدالة و المساواة.
فهل ستكون الرجعية الغربية نظام استغلال متحكم في هذه المعطيات و محافظ على مصالحه التاريخية و مختبئ في عقليته القروسطية ذات العصبيات العميقة في التاريخ باسم الدين و الطبقة و الاستبداد بالسياسة لخدمة الخاصة أو خاصة الخاصة؟