لابد من اتساع دائرة الرؤية حتى تشمل الخصائص المشتركة بين الأنظمة و العقليات الرجعية. بادئ ذي بدء، خصائص اجترار تاريخي لعربة محملة بأشياء و أدوات من العصور الغابرة، مرورا بالعصر الوسيط، ثم عصرنا الحديث فالراهن.
لابد من ملاحظة الثقافة و أسلوب العيش، الأساطير و الخرافات المحملة فوق هذه العربة. لابد من ملاحظة " عُقَديات" التفكير و الموجّهة للسلوك. ذلك أن شحنات مبرمجة تستمر عبر الأجيال و تحتاج إلى تفجيرها و خَلاصها بالآخر. ذلك أن أشكال غيض و احتقار و عداوة و مغايرة عنيفة ماديا و نفسيا، تحضر كعٌقديات ( معادلات عصبية مبرمجة بميكانيزمات نفسية و دينية و ثقافية و إثنية و هوياتية قاتلة مستمرة الوجود عبر الأجيال، متحينة الفرص للظهور و التمثل و التحقق... و لعل أفلام (دراكولا ) و غيرها من تناسخ الأرواح و تجدد تمثلها بين جدليتي الخير و الشر، و الظاهرة في التناسخ الفني و الفكري الغربي، تفسر هذه العُقديات المقترحة كمصطلح يلم المفهوم المرتجى لهذه الكلمة و وظيفتها و حمولتها الموضوعية و المعرفية ).
تُرى، كيف يمكننا معرفة قاع البحيرة و سطحُها هادئ، لامع بأشعة شمس و ألوان طبيعة ناعمة؟ سيكون هذا الجمال سطحيا. سنضطر للغوص في أعماق البحيرة النفسية و الفكرية لشخصية الغربي المُشَكّلَة من نتاج حضارة غربية. كالحيتان التي لا تسكن على صفحات البحار و المحيطات. تحتاج إلى أعماق مظلمة تستقر فيها و تبدأ رحلة مغامرات القوة التي توظفها.
هكذا إذن سنبحث عن الرجعية الغربية، و هي التي انقَضّت على إيجابيات الحداثة و الفلسفة و العلم و الوعي الحضاري المدني الجديد المرتبط بالحقوق و الكرامات.
كان انقضاضه موضوعيا و منسجما مع طبيعتها في الصمود كعقلية، و الاستمرار كمصالح. فهي المتدينة التي انجر التاريخ بسَيْله، فانفلتت من قبضتها أمنية التحكم في مجراه و في العالم المكتسح له. و التدين شُعب و طوائف. و هي العشائرية التي تؤمن بأن هذا التوالد المتشعب داخل المجتمعات المعاصرة، عليه أن يتطهر و يتقنن، ليبقى لفضلائه و أعيانه و لُورداته و سيناتوراته مجال السلطة و المال و الشرف و الجاه. الإيكان بالشرف و بشجرة الأنساب و العائلة، و بتاريخها المنفرد و المجيد، و بحقها في السيادة و التميز، كلُّها نجوم سماء الرجعي الذي يريد الحفاظ على طفولة القرون الوسطى في عيشه و علاقاته.
الرجعية الغربية، ليست نائمة على جنبها المريح. فهي التي تعمل بخطة أو خطط متطورة لتحقيق أمنياتها و ترصيع نجومها. و ما عمل الأصوليات الجديدة في الغرب و المحملة بثقل الطورنادور برأسه المتغول و ذيله الكاسح و الحارق و المغرق، سوى برهان على نظرتها الأبوكاليبسية للوجود، الذي يجب أن يجد خَلاصه لكي يتطهر كل شيء، بما فيه روح الرجعي الذي يشعر و يضيق بالآخر المتعايش معه داخل توافقات الحداثة المعاصرة.
الرجعية الغربية، حروب مقدسة تغير أقنعتها و غشاءها، لكن سمها واحد و هدفها واحد و هدفها واحد.و قد برهنت حرب الخليج على حضورها و وجودها و وجودها و نيتها. كما برهن نهوض اليمين المتطرف و الذي لابد له أن يحمل راية الصليب رمز الحروب الصليبية القروسطية التي عملت الكنيسة على اجترار الشعوب بها نحو خلاصات القدر الحتمي و المخدَّر بسينما الما وراء.
الرجعية الغربية، مخدِّر هي الآخر لفئات المجتمع الغربي، مقتادة له بخدعها و مكره و شرعيات التحايل السياسي لنفس مبتغى الكنيسة التي تراجعت عن دورها الرئيسي في هذا الشأن إذن.