
هذا الصباح، فتح الذهن نوافذ اشتغاله استعداد اليوم الجديد من العمل
التشاركي مع الحواس والجسد والبيئة والمحيط . حكيم هو هذا الذهن في تأنيه وتهيئه لمختلف مكونات طاقم الحياة الجديدة في اليوم الجديد. بقي الجسد مسترخيا داخل دفء الغطاء، ممتدا براحة ليلة من عمر.
لكن الكل يعلم أن الحركة آتية، أن دوران الدم في الشرايين يحتاج إلى حلقة نهارية جديدة يجدد فيها الخلايا والتغذية والوظائف المختلفة لهذا الجسد الحكيم كذلك.فالكل حكيم في إبداعه وتكامله.سبحان الله في
خلقه .
هذا الصباح، سافر الوجدان مع الأرواح. وما الوجدان سوى طبقة عميقة في النفس
والذهن، حيث يستقر المرغوب والمحبوب مجردا في الذاكرة، مرتاحا له حَرَسُ العواطف والمشاعر، محافظا على التوازن وعلى الرغبة فيه داخل شخصية صاحبه... إن كان هذا هو الوجدان، أعماق أعماق، حيث اللؤلؤ
والمرجان،بعيد عن المثيرات السريعة التي تحدث الانفعال،أو تغيير مع الحال،فهو في قرار مكين،على حاله غال ونفيس ...
هذا الصباح،سافر الوجدان مع الأرواح،استحضر المحبوب المرافق في الوجود سواء
بالجسد أو بالروح .
جاءني هذا الصباح أخي زكرياء من أعماق أعماقي،حيث يستقر بهدوء وراحة
بال،حيث حبه لي،تدخلٌ مناسبٌ وصحيٌ في كل حين.
كانت وفاته الجسدية قبل حوالي عشرين سنة إلا شهرين
تقريبا. تتذكرون يوم كان صيامنا،إضرابنا عن الطعام بلغة العصر والحداثة،تضامنا مع العراق،يوم عبرنا
بوجداننا على عروج وصعود روحي جماهيري إلى السماء،لطلب العون وللتضامن
الروحي الذي ستنزل به ملائكة الفضاء... ذاك كان يوم الدفن الجسدي لأخي زكرياء.. وهو اسم أحد الأنبياء. في جنازته، رفرفت الملائكة وتحسستُها في فضاء مراسيم الدفن الإسلامي،مع قراءة (يس) والدعاء والترحم
ومؤازرة الجماعة للجماعة وللذات وللنفس،ومسالمة الموت ،الرفيقة المؤجلة في الصحبة إلى حين. وما بسط تائها سوى تأجيل لمجيئها إن استطعنا لذلك سبيلا....
كم مرة حضر أخي زكرياء لمحاورتي ومحاورته. مرات عديدة أكيد،منذ عشرين سنة.
من كان في حاجة للآخر؟ لا يهم،ما دام الحب الوجداني قائما،لا يهم ما أخذت ُوما أعطيت،تذوب الأنانية مع الحب ،تَهدي كنوز العالم،وأسرار الكينونة والكون مع
الحب.. لا يهم ما أخذ وما أعطى،من في اشتياق وحاجة للآخر؟سؤال الأنانيات...
لكن، من أين أتى؟ إنه ساكن في وجداني،أطلعتكم على حقيقة هذا الوجدان قبل
قليل. إنه يعلم الوقت المناسب للتلاقي،كما أعلم كذلك الوقت المناسب للتلاقي. وأقول لكم،قد يرغب أحدنا في ملاقاة الآخر،قد يلاحظ تأخره،لكنه لا يعاتب ولا يلوم.فقط يتساءل بعواطف جياشة،كلها شوق
ومحبة وإخلاص،كلها تجديد للوفاء وعهد الوصال.. إنه الحب الذي يملأ الوجدان.
جاءني هذا الصباح.هيئته ليست مجرد جسد بشري،بل فضاء مكاني وسماوي
وبيئي،فضاؤه تَلّتُهُ أو رابيته التي يرقد فيها جثمانه،والطريق الموصلة إليها،والشمس المشرقة الدافئة،لا هي بالحارَّة الحامية ولا بالغائبة المكتئبة،وخصوصا ابتسامته التي تملأ أنفاسي ورئتي وهوائي وعذب
ما يطعمه حلقي... فضاء جميل،كل منا يحب أن يكون له فضاء يخلق فيه سعادته. وكل منا له سعادته..
سألني عن أحوال الأحياء، وتدبير الأشياء. ماذا تَراكمْ تنتظرون مني من
جواب؟ أتعلمون من يشفق على حال الإنسان، ويكون عالما بأسباب ومقدمات وظروف وقدرات تصريف، وسلوك وتصرف.. عالما بالنتائج وما تؤول إليه أمور الناس،متنبئا بها مسبقا؟غير مفاجَئ بالواقع وما فيه؟ذلك كان
جوابي. هل تنتظرون نقل صورة الخير والشر، والحسنات والمساوئ؟والفضائل والرذائل؟والمفاخر والفضائح..؟ تلك التي تتغذى بها حواسنا ونطعم بها فضولنا يوميا،فنحولها الى غيبة ونميمة وغيرها مما نعاتب عليه
أخلاقيا...؟ لآ ، لم تكن هذه هي الصورة. و لم تكن رغبة الموتى التعرف عليها . لقد ارتاحوا منها ويشفقون علينا نحن الذين لا زلنا غارقين في أوحالها، ولكن لا يصرحون لنا بذلك شفقة علينا.الصورة شفقة
على الحال. هذا هو الإنسان بايجابياته وسلبياته،جدلية قائمة منذ غابر الزمان.. منذ قابيل وهابيل... الموتى حكماء الحكمة بصمتهم وهدوئهم.استشعروا العالم والحقيقة الوجودية
بعالمهم
لم يكن أخي زكرياء ينتظر لأنْقُلَ له أخبار الدسائس والفضائح.لم أكن أنا من
محبي ،الانتقام والسادية وإشفاء الغليل.. كلٌ منا،من منطلق حبه الجميع للجميع،تجريد الحب الخالد لإعادة غرسه في القلوب كشُحنة دواء مركز، نلقح به من يريد إكسير الحياة. إنه إكسير الحياة والروح
والوجدان،ما استعملناه في حوارنا،وأردنا به نشره في محيطنا أموات وأحياء..
يكفي الإنسان،وتكفيه شقاوته في الحياة،حصول النسبي فيها،إخفاقه وعجزه عن
تحقيق كمالها.. لا أحد استطاع الكمال والخلود فيها..فَلمَ هذا العناد وهذا التصيد لإغراقه في رذائلها.. ولو كان نصفه غارقا في وحلها... ابتسم له النصف الآخر،ودعاه للحفاظ عليه،وساعده للخروج ،وعلى تطهير
نصفه الواحل فيها... وبعدها لا لوم ولا عتاب ولا حساب... هكذا ستكون إنسانا يعيش في الحياة وبعد الحياة... يعيش خالدا ولو واريناه التراب.سيقطن في وجدان كل واحد فينا، وسيعيش سعادة أبدية وأمْنا روحيا،
لأنه لا يتأثر ببرودة أو حرارة، لا يتألم بمادة.. إنه كماله الذي وجده فينا.. وهنا سر بناء الحضارات. ذلك أن الأفراد يخلدون بما أنجزوا من فضائل الأعمال،لا بما كسبوا من مال وبنون...
هكذا يسكنني كمال أخي زكرياء،تسكنني سعادته التي يعيش
فيها...
أنا كذلك سألته عن أحوال الموتى.حَمدَ الله وشكره،وأجاب إجابة المستريح
الذي عانق القدر،فخرج من عجز الكمال في حياة خلال حياة البشر... :
الكل يسأل عنكم وعن أحوالكم،
ويتمنى لكم التوفيق في الرقي بحالكم، والنجاح في حياتكم، وتجاوز عجز ونقص وصراع وتهافت غرائزكم، حول دنيا خادعة لحواسكم... الكل وجد راحته مع الموت ـ و إن كان فراق الحياة عانى منه منذ ولادته وليس بعد
وفاته.ذلك أن كمال الما ـ قبل ولادة، في رحم الأم، ومن هي الأم قبل الولادة؟هل هي الحياة؟هل هي الطبيعة؟هل هي خلقةٌ ألوهيةٌ ؟ قضاء وقدر إلهيٌ؟ كل هذا يشكل هوية أم، يرتاح لحضنها كل منا.. لا
صراع بيننا نحن الأموات،انتهى الصراع.لا أنانية بيننا ،لا أطماع.. أتعلمون سر نقصان الحياة الدنيا؟جدلية الطمع والحرمان،الرغبة والكبت،الضرورة والخصاصة؟هذا سر نقصان الدنيا.. نحن ارتحنا،وإن كنا نريد
راحتنا معكم في الدنيا،أو راحتكم معنا في عالم الأموات.لكن ما دام كل منا يعيش في وجدان الآخر،فنحن في وجود واحد،أحياء وأموات،لا فرق بيننا.هناك موت مع الحياة،وحياة مع الموت،وتواصل بين الأحياء
والأموات...
فلا نقول من في حاجة إلى الآخر، هل الأحياء أو الأموات...