لقد سبق تناول موضوع التجريد والتجسيد كبعدين تعامل معهما الانسان في مختلف الظواهر التي عاشها،بين حواسه وعقله،بين الملموس والمعقول،بين المجرب والمفكر فيه......http://devenirdemain.over-blog.com/article---41489945.html
وهي ثنائية شقت مجرى التاريخ التقاء وانفصالا،تناقضا وتكاملا،ما خلق جدلية كبيرة عبر مسار التاريخ الانساني.
ويمكن تناول هذه الثنائية كذلك في مقاربة الظاهرة الدينية والثقافية،الانثروبولوجية بالخصوص.
فإذا عدنا الى مراحل الحياة البشرية الاولى،والتي تسجل موضوعيا ارتباط الانسان بالملموس والمجسد وبدايات تجريده للامور،سنرى كيف يمكن للمفكر فيه والمركب نفسيا ووجدانيا عبر تجارب الحياة الشخصية والجماعية.... كيف يمكن لهذا المفكر ان يخلق أشكالا من العلاقات المعقدة والمركبة والصعبة التفسير،مادام اللاشعور والباطن النفسي الداخلي يتدخل في توجيهها ورسم انتاجها والعلاقة معها....
وحتى لا تبقى هذه السياحة الذهنية بلا مجرى ولا خط مرسوم،سيقتصر الحديث على ظاهرة الارتباط بنقطة داخل دائرة إن شئنا رسمها،أو علامة مستقبلة لخطوط وحركات...هل سيرمز هذا إلى البحث عن مركز الكون وجوهره؟هل الحقيقة المفقودة في دواخلنا هي التي تجعلنا نسبح داخل دوامة ملولبة وطبق من البنيات المتفاعلة في دوران حتى الوصول الى النواة؟مستوحاة من لولبة الاعصار وترافع الكل دائريا إلى السماء.من الحصار البحري الذي يستدير لولبي هو الاخر لكي يبتلع كل ما يدور في دائرته بقوته وجذبه....هل نواة الخلية والبنية لها دور شكلي وأساسي في تفسير ما نتساءل عنه؟
وما الذي نتساءل عنه؟ هل هو البحث عن الحقيقة؟ومن قام بالبحث عن الحقيقة؟إنه الانسان عبر التاريخ.بجميع مستوياته الوجودية والمعرفية.بجميع سبله ومحاولاته في تفسير الحياة والموت،الوجود والعدم،الصحة والمرض،الامن والخوف،الكمال والنقصان،الاشباع والحرمان... إلى غير ذلك من تجاربه المعيشية التي خلقت جرح النسبية وانفلات الحقيقة وحسرة النفسية وتهديد الوجدان الداخلي بالفقدان....
ماذا سيكون هذا الفقدان؟ كل شيء ابتداء بما سبق من نقيض للكمال إلى فقدان اجتماعي ونفسي وعقلي وحياتي عام...
ولكن، كيف بحث هذا الانسان عن الجواب،عن التعويض،عن اللجوء،عن الهروب من النقصان والحرمان...؟
دينيا وثقافيا،اشرنا إلى الحياة البدائية الاولى،وكيف إن جل وليس كل الجماعات البدائية خلقت ارتباطا مقدسا وسحريا واسطوريا مع الطوطم،مع النار،مع الفريسة،مع المحتفى به،مع الزعيم،دائرة حول النواة،وحركة جامعة ملتفة حول المركز...
هي حالة رقص،اعتراف،احتفال،طلب.. بالقرابين أو بالطقوس،الاكيد انها حالة إذعان داخلي نفسي،تسليم الأمر للآخر،السلطة او القدر الغائب الذي يخبىء المجهول،الذي يتحكم في الغنى و الفقر،الامن و الخوف ،الحياة والموت،الصحة و المرض،...باختصار :المفاجىء الذي يجزىء الحياة فلا يجعلها آمنة ولا خالدة....
فهل يمكن أن نلاحظ هذه الامور عند كل الشعوب الانسانية،في وجدانها كما في احتفالها الديني؟أكيد حاضر كل هذا في استراليا كما في افريقيا وامريكا وغيرا من مناطق العالم.
الطوطم غالبا امتداد عمودي صاعد الى اعلى،إلى السماء.بدأ بسيطا ثم تحول الى مركب.تحول من جذع خشبي،إلى صنم منحوت،إلى بناء مركب بجدران رباعية الزوايا او مستديرة،في محاولة لاختراق وعائه والعيش في جوف كهنوته واستلهام هذه القناة الموصلة إلى أعلى إلى السماء... الطواف إحدى طقوسها،الشطحات والهرولة،التخلص من قيود الدنيا في التواصل مع الاعلى،مع الغيب،مع الروح،مع المجهول،مع المخيف لدواخلنا...
خط المجيء،قصد،طهارة،قرابين،طلبات... مدخل وقناة لعيش الغرائبي والغيبي في حدود طقوس مرسومة يتحكم فيها حارس الطوطم ،المبنى ،المركز....