حصار الايديولوجيا وليونة الحركات الاحتجاجية الشبابية:

في حوار سياسي حول الفاعلين الموضوعيين ميدانيا،تدخل أحد المنتمين للون حزبي وسياسي بقوله:هناك اتجاهان او نوعان،الاول هو الاحزاب الوطنية،والثاني هو الاحزاب الادارية... ثم هناك المخزن...
واستمر الحوار التجاذبي بين اطراف طاولته...علقت على هذا التقسيم بتساؤلي حول الاحزاب الوطنية وجعل المقابل لها احزاب ادارية:إن كان المراد بها احزاب الكتلة واليسار،فجلها دخل في لعبة التوافق والتناوب الحكومي وتنفيذ توجيهات الدولة،لم يكن ببرنامج ديمقراطي تمثيلي ولا في خدمة الجماهير الشعبية التي تمثلها وتتكلم بلسانها وتترشح باسمها... ما يعني أن جعل الاحزاب الإدارية وحدها المسخرة في يد المخزن أمر باطل.فالكل مسخر،ولا فرق الآن بين هذا الحزب أو ذاك،إلا ما رحم ربي...
بعودتي إلى هدوء وتفكير الذات،راجعت مرجعية التقسيم،فوجدتها تتماشى مع لحظة تاريخية،هي بداية الثمانينيات من القرن العشرين.يومها كان المتبني لهذا التقسيم بنخرط في دائرة الاحزاب الوطنية التي انزاحت عن خط النضال الديمقراطي الى خط السخرة السياسية الديمقراطية..." لاحظت أن المرجعية تحكمها ايديولوجية حزب رفضت ما وقع بعد انقسامات رفضت كل الانخراطات التي قامت بها أحزاب الكتلة..لكن ،وكأن شيئا لم يكن،فلا زال وعي البعض يقف عند نقطة من التاريخ يريد تفسير الحاضر بها دون استحضار ترابط الاحداث بين مراحل متداخلة وتجارب متراكمة ونتائج حاضرة....
جرني هذا التحليل إلى مقاربة التصور لما يجري الآن،حول كيفية تعاطي الاحزاب ذات الايدولوجيات المتنوعة مع الحركات الاحتجاجية التي يطبعها التشبيب والتجاوز لتركيبة اللعبة السياسية القائمة في امتلاك دواليب التحكم في الادارة والسياسة للدولة،وفي شكل المعارضة التي تجتر آليات ومنطق توافقي مع الدولة،يجعل كلا الطرفين يستفيد من ريع ما مادي او معنوي،ما دامت نخب المعارضة أصبحت ذات امتيازات وممتلكات وريع وتبرعات وحقائب ومناصب نفوذ....
هذا ما صعد في التحليل،فطفح وبدا على السطح.فماذا نزل؟وما نزل؟
وما نزل: قوة ضغط مجتمعية،روحها شبابية وجسمها كل الشرائح الاجتماعية...حركات تنسيقية ارادت الاستفادة من الضغط المناخي النازل الآن فوق خريطة العالم العربي بالخصوص،جعلت من ساحات المدن الكبرى،ومن تواصلات العالم الافتراضي،منطلقا لممارسة ديمقراطية سلمية حضارية للمطالبة بأمور دستورية ديمقراطية قانونية قضائية،في إصلاح المنظومة السياسية والاقتصادية والادارية وما جاورها.. وكل هذا في إطار حركات حقوقية،معبرة عن مبادىء تبنتها الدول الحاكمة،شرعنتها بقوانين ومجالس ووزارات... غاب الشخص الذاتي،حضر الشخص المعنوي....إننا لا نعنيك يا مبارك أو يا ابن علي أو يا علي أو يا معمر... إننا نعني نظام حكم نريد تطهيره من الاستبداد،من الاستغلال،من الفساد،وهلم جرا على كل أخطاء نحاة السياسة برا وبحرا.
ذكاء الاحزاب والنقابات،من ذات اليمين ومن ذات الشمال،بكل أطيافها،ارادت الانخراط في حركات السباب،تلبيس الشباب بثوبها الحزبي أو النقابي،دفع شبيباتها الى الميدان والبروز فيه باسم هذه الالوان..فاصبحنا نرى من يقول حركة شباب عشرين فبراير زعماؤها من حزبنا او من فصيلنا.. نحن الذين اقمناها ونجحناها..هكذا حال لسان الاحزاب والنقابات،غرادة الركب على الحصان وتوجيهه بوجهة وقبلة لسان الحال الحزبي والنقابي...
وأصبحت الوقفة وقفات،والمسيرة مسيرات.. كل اراد كسب انصار وتبيان تمثيليات اكثر والبرهنة على شرعية تريد الاستحواذ على حركات الشباب.. وكل يدعي حبه لليلى وليلى لا تدعي حبها لأحد وتهب قلبها لفرد....
هل يمكن القول:إن النظام الخدماتي الحزبي والسياسي اصبح متجاوزا،يحتاج الى إعادة البرمجة و الهيكلة والعمل؟؟؟
هل يمكن الحديث عن تقليدانية سقطت فيها الآن الاحزاب والنقابات،في الوقت الذي ابانت فيه الحركات الشبابية المعلوماتية عن مهارات الانفلات منها والتعبئة والنضال وتحقيق المكتسبات خارجها وداخل حداثية رقمية مركبة ومتحكمة من بعد في وجهتها؟
هل نجتر روايات الماضي أم نؤسس لروايات حاضر ومستقبل؟مجرد إشارات وتساؤلات لا تقصد فردا واحدا،بل الكل منا.