ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أحداث تونس وطبقة" رجال الدين":
يعود الفضل لهذه الأحداث،لتتبع مواقف مجموعة من العلماء الذين اصبحوا يواكبون مجريات الواقع والسياسة،فيصدرون الفتاوى ويحلون ويحرمون بحسب سياق القضايا.
ولعل اختيار هذا العنوان هو عودة لنقاش قديم اراد به البعض جعل ميزة للدين في المجتمعات الاسلامية عن الدين في المجتمعات الغربية خلال قرون. حيث نجد القول بغياب وعدم وجود رجال الدين المسلمين،فقط رجال الدين في المسيحية.وذلك حتى لا تلطخ سمعة الاسلام بما لطخت به سمعة السياسة،حتى لا يبقى الذنب على السياسة دون أن يكون على الاجتهاد الديني،لأن الدين في نهاية المطاف وخارج دائرة الوحي المنزل،وبعد وفاة حامل الرسالة،هو اجتهاد بشري في المواكبة والتطبيق.
هي نهضة جديدة أرادها بعض الباحثين للفكر الإسلامي والحركة السلفية داخل المجتمعات.لكن، وقوفا فقط عند بعض المواقف التي اتخذت من طرف علماء مسلمين،سيزول هذا الادعاء،وتزول معه القدسية والطهرانية التي تجعل لفتاوى المجامع الفقهية والإلهامات الفردية.
فاجتهادات طبقة رجال الدين أفرادا ومؤسسات،إما صمت مطبق ،وهو موقف سياسي يدل عليه تصريح معين في موقف معين،بحيث لا يعني وجود حياد لا في الصمت ولا في الكلام،أو تصريح عن موقف يناسب وضعا وقرارا سياسيا وإعلاميا يحجب العين عن رؤية الداخل وانتقاد الخارج.
والأمثلة الظاهرة والمواكبة لأحداث تونس،تتمثل في موقفهم من حرق الجسد التحريمي.ذلك أن الوظيفية السياسية للفتوى ظاهرة في الحد من غضب الشارع العربي بمصر أو بتونس أو بغيرها من المدن العربية الإسلامية. ويتجلى الجلمود الشعوري المدحرج في هذه الفتوى في عدم مراعاة النفسيات المهتزة والمرعوبة التي تحتج في الشوارع.في عدم القراءة الرمزية والوظيفية لأشكال الاحتجاج.في عدم مساءلة القيم الايجابية لموجودة في حركته وحركيته.وطبعا لم تقم الجماعة كلها بحرق جسدها.إنما فرد واحد، كأنما كان فتيلا أشعل نار الغضب.وفعلا أزهق روحه أو كاد.ولكن، أين البحث من طرفنا عن القيم الايجابية الموجودة فيما وقع،بدل التأثيم والتجريم والتحريم؟هل أصبحنا حراسا على العقاب في الدنيا والآخرة؟
القيم الإيجابية،قمة في الإنسانية،فيمن يعبر بقلبه ودمعه،ويرسل رسالة إنسانية سلمية في الاحتجاج،فيمن يستفز الضمائر،سواء في الحكام أو المحكومين.... القيم الإنسانية معبرة برمزية على الموت المعنوي الذي أوصل إليه الفرد داخل مجتمعاتنا قبل أن يصل إلى درجة الموت المادي.
القيم الايجابية كرامة مبحوث عنها،وعدالة مفقودة معبر عنها،وصرخة وجدانية إنسانية هي القاسم المشترك الوجودي بيننا كأفراد بشرية،أقصى ما تبقى للحفاظ عليه،للاحتجاج على الظلم ولنصرة المظلوم.
لا نريد أن تكون الفتاوى مستبلدة للعقول،مكسرة لجماح المطالبة بالعدالة والحقوق،مبررة الواقع بالتسليم بالقدر الذي رسمه اجتهاد البشر.
هل أصبحت طبقة رجال الدين داخل مجتمعاتنا العربية الإسلامية مُشَكّلة بامتيازات وصلاحيات ووظائف؟فعلا.
هل يمكن أن تلعب دورا سلبيا يشوه رسالةالاسلام الخالدة والقيم الإنسانية السامية والمستمرة انتصارا للسياسة الحاكمة على حساب حقوق الشعوب الغاضبة؟فعلا.
هل انطبق الحكم على الكنيسة كحكم على الأزهر مثلا؟فعلا.
فالإنسان لا تكفيه مسحة مباركة في ظل سحق دمعة كرامة،آخر قطرة حياة ينعم بها كإنسان كرمه الله تعالى واستخلفه في أرضه ودنياه.
إن أكبر ما سبب أفول دور المسيحية ومصداقيتها لهو أخطاء رجال الدين السياسية والفكرية والعلمية والاجتماعية والاقتصادية والسلوكية.على العموم التحالف الطبقي مع الإقطاع ونظام الحكم السياسي.ولا نريد لديننا الحنيف أن تشوه مسيرته لأجل مصالح طبقية زائلة.فعسى أن نشرفه في رسالتنا الحضارية الاجتهادية.