نسائل في تناول موضوع تطبيق نظام العقوبات الاسلامية أعمق غرائز الانسان الموجهة لحالات غضبه وانحرافه وقيامه بأعمال غير مقبولة اجتماعيا ودينيا،أعمال تمس مصالح وجوده فردا وجماعة. أعمال تنتهك الضروريات أو تهدر الدماء وتحدث جروحا وآلاما ،وتدمر وظائف أعضاء.....
إنها غرائز تنبعث مما هو حيواني منتم لقانون غاب ينبني على العنف والافتراس والقوة وتحقيق الشهوة بأسوأ لأساليب،يتساوى فيها الانسان مع الحيوان،ولا يريد هذا الانسان أن يسقط إلى مرتبة الحيوان.فهو مكرم لنفسه،رافع لمنزلته إلى كونه من الجنة،رغم أنه طرد منها،راغب في العودة إليها بتجنب كل التصرفات التي تنطبق على الحيوان،ولا يرضى هذا الانسان أن نصفه بها.
لم تكن الشريعة الاسلامية الفريدة من نوعها في تشريع عقوبات القصاص والديات.فسياق ظهورها هو بلورة وتطور لهذه العقوبات تم تطبيقها عند شعوب ومجتمعات.إنما داخل سياقها الاسلامي عرفت انسجاما مع منظومته الايمانية والاخلاقية والاجتماعية والاقتصادية.وهذه ميزتها على غيرها. فبقدر الدعوة اليها بقدر البحث عن العدالة والحصانة والحماية من الفتنة والخصاص والجريمة والانحراف،بعكس مجتمعات سابقة زاوجت بين الظلم والعقوبة.ولعل هذا سر فرار شعوب وقبائل من أنظمة حياتية إلى النظام الحياتي الاسلامي....
لكن السؤال الذي يطرح اليوم متعلق بمدى إمكانية الحديث عن تطبيق نظام العقوبات بشقه المتعلق بالقطع والبتر والتعطيل لأعضاء ووظائف من الجسد تحقيقا للماثلة والمساواة والمشابهة،قطع يد السارق،قتل الزاني المحصن....
خطورة طرح السؤال تنطلق من كون نصوص القرآن والسنة صريحة في هذه الحكام، ـ فلماذا نضعها بين قوسين ونريد رفعها في التطبيق بين الأنام؟
ـ هل هناك رابط بين تطور المجتمعات الانسانية والحاجة لتطوير نظام العقوبات؟
ـ هل يمكن تعطيل العمل بها في عصرنا الحالي دون أن يكون التعطيل خروجا عن الدين،عصيانا لمنزل الاحكام في نظر البعض منا؟
ـ هل هناك فصل بين مرحلتين تاريخيتين:مرحلة قرون وسطى ومرحلة عصر حديث؟ما يعني أن التحولات الحضارية والعمرانية والثقافية الجديدة تفرض تطوير فلسفة نظام العقوبات وجعلها ملائمة ومواكبة للتطور الانساني الايجابي العام.
ـ أليس خروج نظام العقوبات التاريخي انتقادا ورفضا لأسلوب الثار والانتقام،دليل على أنه مُنطلق من فكرة التطور والتحسن في التعامل مع قضايا العدالة ومحاربة الجريمة وحماية الحقوق؟
ـ هل يمكن القول بأن نظام العقوبات هو نتاج موضوعي لواقع قبائل وجماعات ،يتماشى مع تلبية فلسفة الثأر،لكن بوضعه تحت رقابة وتنفيذ الجماعة او القبيلة؟ ولكن، أوليست المطالبة بالعدالة متضمنة لفلسفة الثأر حتى في عصرنا الحالي؟ إدا كان هذا الثار نتعلق بالجانب النفسي والحقوقي، أفلا يمكننا إعادة التفكير في أساليب معالجة هذا الجانب النفسي بما يتماشى مع درجات وعي وحاجات المجتمع وتطوره؟
مثال معاصر:
في تجربة السودان خلال حكم النميري وتحالفه مع حركة سياسية إسلامية،استنصر هؤلاء لنظام العقوبات الاسلامي.افتخر الجميع إعلاميا بالانجاز.وأخيرا استطعنا ان نطبق قوانين ديننا ضدا على المستعمر الذي جعلنا في تبعية واستغلال.والذي أراد تجريدنا من هويتنا العربية الاسلامية....
تراكمت السنوات،ومعها تراكم التطبيق.كان النتاج أفرادا معاقين،مبتوري الاعضاء،مشلولي الحركة.. هل نجح التخويف في محابة الجريمة والانحراف؟هل تحققت العدالة؟هل ترقى المجتمع ونما وتطور؟
لقد تعطلت العقول في العمل.لم تربط بين روح النص وواقع المحيط وظروف التطبيق والتجسيد. كان الغرض سياسيا،وكانت الضحية إنسانية اجتماعية،وكان التخلف اقتصاديا وحضاريا.كان عقل المسلم في القرن الاول الهجري ، السابع الميلادي أفضل من عقل مسلمي القرن العشرين.وليست هذه المقارنة سلفية نكوصية.بالعكس، العقل الذي اشتغل وفكر في القرن السابع الميلادي كان أكثر تقدمية،أكثر موضوعية.كان مغيرا لواقع متردٍ،ثائرا على أوضاع تخلف إنساني عن التطور الحضاري...
نموذج قديم للتطور:
عمر بن الخطاب رضي الله عنه، جاؤوه بالسارق في عام مجاعة.الجاني مضطر غيير باغ،تعطل العقوبة لغياب شروط تطبيقها... الاراضي المفتوحة تبقة في أدي اصحابها يدفعون خراجاعنها،لا تعهطى غنيمة للمجاهدين حتى يبقى هؤلاء مستعدين للفتوحات الجديدة والجهاد والنصر للدعوة الاسلامية...
توقف العمل بشكل النص،انتصر روح النص وروح البناء الحضاري لأمة ودولة جديدتين... وليس كل هذا كفر بالنص.إنما انتصار له وصدق إيمان وفهم برسالته وفلسفته...
استنتاج بعد المقارنة:
في القرن العشرين، في عز فقر وجهل وحرمان وجفاف ،استُغل الدين لأجل الترويج السياسي وتحالف مصالح نظام وحركة،فكان نتاجه جعل مجتمع بأكمله مختبرا لتجربة سياسية،الانسان الفرد هو الضحية فيها.. وماذا تحقق؟؟
تجربة السودان بينت عدم كمال الواقع لتنزيل شريعة كاملة.إذاً،يبقى الاجتهاد البشري في حسن تصريف القانون وتدبير المصالح .
ارتباط نظام العقوبات بخصوصية القرون الوسطى
في محاولة تحقيب القرون الوسطى،تعددت المحطات المعتبرة منطلقا مهماً.ولعلها كلها ترمز إلى مراحل البدايات وأشكال النهايات والأفول لحقبة القرون الوسطى أو العصر الوسيط.إنما الجامع المتفق عليه والمهم الآن هو الخصائص المميزة للمرحلة.هذه الخصائص ذات طابع عالمي شاركت فيها جميع الشعوب والمجتمعات الانسانية.فهل فعلا توجد مثل هذه الخصائص؟ وهل تحولت مع العصر الحديث؟ وكيف وقع ذلك؟
من أهم خصائص القرون الوسطى ما له طابع معنوي مرتبط بالمعتقدات السائدة والفلسفات المنتشرة ووظيفة العقل وآفاقه وحدوده السائدة عند جل أفراد الانسانية...
رؤية العالم وتصوره وتمثله.فهم مخلوقاته ومكوناتها.نمط الانتاج وتنظيم الدول والجيوش والمدن وأبراج الحراسة.نوعية الاسلحة المستعملة والآلة المتوفرة. الارتباط بالارض افقيا وليس فضائيا،بحيث دور الاسوار والابواب قبل وجود الطائرات وأشعة الليزر وغيرها من المخترعات....
اذا كانت هذه ملاحظات واحدة منتشرة من اليابان فالصين إلى بلاد فارس والأناضول وإيبيريا وبريطانيا... فهي ملاحظات خصائص واحدة محددة لحقبة تاريخية مشتركة،وضفها العلماء بحقبة القرون الوسطى،وإن كانت المركزية الاوربية قيدت معطيات التحليل بالقارة الاوربية وما طبعها وصنعها،فإن الوصف الموضوعي الانساني العالمي لتلك المرحلة يجعل الاتفاق على أن الانسانية عاشت مرحلة عصر وسيط،أتى بعد عصر جديد سمي بالحديث نسبيا لكونه أعطى انطلاقة لتحديث عيش الجنس البشري ككل فوق هذه البسيطة المكورة... فأي ميزة تجعل العصر الجديد حديثا؟ هل راهنيته أم نوعية تطوره وتقدميته؟
الواقع يتضمن عناصر الجواب للسؤالين،لكون البعض منا لا زال يعيش البدائية ،والآخر القروسطية،والآخر قطارا معطلا يريد الالتحاق بركب الحضارة الحديثة،والآخر الذي يمتلك قوة التقدم والتحديث ويتحكم بقاطرة قيادة قطار هذه البشرية في سفرها التاريخي والذي تلاعب بمن سبق ذكره من اصناف الجنس البشري بدرجة وعيه وتطوره الخاصة به...
دور التطور العمراني والمادي والتقني:
وإذا تساءلنا حول دور الحضارة والعمران في تطور القوانين،وجدنا أجوبة متعلقة بموضوعنا ،وهو إمكانية تعطيل العمل بعقوبات القصاص بشكل مشروع وليس بشكل إنساني فقط.
هناك منطلق موضوعي وواقعي سيكون هو الخيط المحرك لمصباح هذا التحليل الصعب النهج،هو منطلق التطور العمراني والتقني،والذي ارتبط بالتطور في وسائل الاتصال والتواصل كذلك،وأشكال التحكم الالكتروني والمعلوماتي السائدة اليوم.
منطلق معطيات حضارة مادية غيرت الاولويات،أغارت ظهور الغرائز البدائية،عقدت ظروف التفكيى والسلوك والعمل البشري الانساناي،هذبت الطبائع،فتحت آفاق وبدائل معالجة المشاكل والوضعيات،جعلتها تحقق مصالح جديدة وأشكال تاثير إصلاحية جديدة لم تكن من قبل.كل ذلك بفضل التطور العلمي والفكري وتراكم الثورات المرتبطة بالوعي الانساني وفهمه لما يريد وكيف يريد ويحقق ما يريد....
يسخر المنتمي للعصر الحديث فيقول كان قطع يد السارق حتى يتخلصوا من اليد التي امتدت للسرقة،لأنهم لم يمتلكوا سجونا مبنية ولا مؤسسات حبسية إصلاحية.وكيف يمتلكونها وهو بدؤوا العيش بخيام وأوتاد؟كيف سيسجنون الجاني؟إذا ربطوه بجذع شجرة تحملوا حراسته ورعايته.وأحوال الطقس والحيوانات الضارية متربصة.المساواة البسيطة المحققة للثار النفسي العادل هي القصاص والحدود. يغيب ما له علاقة ببنية نفسية وأثر سلوك على الشخصية ووظيفة مستقبلية وتشوه خلقة وتعطل خبرة وعجز عن العمل... كل هاذ كان غائبا لأنه مجهول علميا وفكريا.الآن تطورت العلوم والمعارف،فهل نستفيد منها في تطوير العقوبات؟هذا شق علمي نفس ـ تحليلي مرتبط بموضوع مقاربتنا يحتاج الى تفصيل لاحق.