بين التجريد والتجسيد
عبر التاريخ تلازم التجريد مع التجسيد في جدل مستمر للبحث عن الحقيقة ولتحقيق المصلحة ولتوفير الشعور بالامان وحسن الخلاص.
عبر التاريخ كانت الطبيعة والغريزة والمتعة واللذة والالم ترتبط بالتجسيد،في حين كان استنتاج الذهن يميل الى الاستخلاص والاستنتاج والفهم والاستنباط والتقييم والتعديل للتحكم بالفكر والقول في الفعل... فكانت محاولة التجريد....
كانت اللغة هي الوسيلة،وكان ما تحمله الالفاظ من دلالات تتطور وتتتراكم لتنتج مفاهيم واصطلاحات مركبة جامعة في الذهن افكار وحقائق موجهة بتنظيم للفعل وللعادات والتقاليد والاعراف،من خلال قوانين واحكام وتشريعات...
لقد استطاعت اللغة ان تكون المركب الذي سيطور مسار الانسانية من التجسيد الى التجريد.. من المرحلة الطبيعية الى المرحلة الثقافية بلغة الانتروبولوجيا،من المرحلة البدائية الى البناء الحضاري،من الحياة البسيطة الى المركبة،من الفعل الحسي المباشر الى الرمز الآمر....
هذه اللغة،استطاعت كذلك ان تختزل تعقيد الحياة وصعوبة نفوذ سلطة من السلطات عبر القانون،عبر كلام الكهنة ولسان الآلهة الوثنية،وجعلته يخدع الاسنان البدائي حتى يخضع،حتى يتحول من متوحش مفترس الى لطيف متحضر وديع....
ركبت اللغة اسطول الديانات فرَقَتْ من الصغيرة الى الكبيرة،من الطبيعة الارضية ـ الوضعية الى السماوية المجردة...
كم جربت تأليه البشر،لكن خانها موت الاله،هيكله العظمي،ذهاب روحه وأوامره الكاريزمية المخيفة والمرعبة... كيف ستحافظ على سلطتها؟ لم يمت الاله،صَعُدَ الى السماء،يحكم من فوق ، تَرك تعاليمه في الهند كما في مصر كما في ادغال افريقيا وامريكا... لقد تجرد الاله بعد ان تجسد،اصبح روحا بعد ان كان مادة... لكن سلطة خطابه لا زالت حاضرة قوية فعالة،ضمن استمراره بمؤسساته وكهنوته وطبقته ومصالحها...
لقد قامت الاديان السماوية عبر التاريخ بتصفية هذا المخاض الذي اصبح دوامة تغرق الانسانية في الرجوع الى التجسيد. دعت منذ آدم وإدريس ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم السلام اجمعين،دعت الى عبادة اله واحد،الى نزع الروحانية والتقديس من كل الالهة الوضعية:طبيعية او بشرية او خرافية...
هدم ابراهيم عليه السلام أوثان معبد قومه،جعل فعله سخرية عبثية من العقل الانساني الذي لا زال واهيا في عبادة الاحجار المجسمة،اخترق محمدٌ(ص) الكعبة وهدم اصنامها التي تفوق المئات،وأذن المؤذن فوقها ب : لاإله الا الله محمد رسول الله... نداءٌ وصيحة تجريد ومحاربة للتجسيد الذي غرقت فيه الانسانية...
وعبر التاريخ الانساني والاسلامي،هناك حذر متبادل بين لاوعي الانسان المتراكم عبر الزمن،والدافن والمخبىء لنزوعه الطبيعي والغريزي والبدائي... بين اللاوعي المخزون وبين رقيب الاديان السماوية في تجريد الاله،وجعله ( ليس كمثله شيء) كما في القرآن الكريم... لكن ،ألمْ تفشل المسيحية في عملية التجريد؟أم إنها مزجت بين تجسيد وتجريد،بتأليه المسيح،حتى تجعله إلها خالدا؟ ولكن ألم تعتبره، أو قل لمَ لمْ تعتبره إلها خلال حياته؟فقط بعد مماته؟حيلٌ بدائية مع مراحل التطور الانساني التاريخي... ربما.
عبر التاريخ الاسلامي،بقي التجسيد مادة خاما،خصبة حية في حكايات الجدات وروايات الاساطير.. تُرْوى مع اقتراب المنام،حتى تسكن النفس اليها خلال النوم،حتى تخترق الاحلام وتخترق اللاشعور،فترتاح في تربة لا يصلها رقيب ديانات التوحيد.ستكتفي لتكون أضغاث احلام. للاستئناس او للحفاظ على الاستمرار.. مادام كل كائن يبحث عن الحفاظ على نوعه...
لقد بقي التجسيد مادة خصبة تتشكل مع إبداع الانسان، باحثا عن تفعيله في الاحتفالات والموسم، في علاقته وتأبينه للموتى، كانوا أجدادا أو رجال دين صالحين مؤثرين...
ربما حَذرُ الاسلام من التجسيد يتجلى في موقفه من التماثيل والصور، في خوف رجاله من اصوات موسوسة خفية في وسائل الاعلام الحديثة والمعاصرة... ربما.
ذلك لاننا نجد حدا في الرفض والتطرف والاقصاء لعناصر الحداثة خوفا على هذا التجريد، مادام الانسان ضعيفا مائلا الى تجسيد. ولكن هل يمكن ان نجعل التجريد رجوعا الى الوراء؟نكوصا؟رفضا للواقع ومنتجاته الحداثية والمعاصرة؟ ذهاب بالتاريخ الى الماضي وليس الى الحاضر والمستقبل؟ تساؤلٌ جوابُه خارج الواقع والمنطق والموضوعية. لكن تجلياته حاضرة موجودة في الاذهان وفي السلوكات والمواقف.
هل سيعني التجريد في مستوى آخر، رفض لأي تجسيد؟ لأي تشكل واقعي؟ عيش في المثال والفكرة والروح؟ طبعا، لا. فهذا مستوى آخر من التحليل.
بين المومن والمسلم دمج لتجريد في تجسيد، مع تجسيد. فالايمان تجريد للعقيدة، سحب للبساط من تحت أي تقديس لبركان او حجر... اما الاسلام فهو تجسيد لهذا المجرد في الواقع بحضور الاله المجرد، المزيح لكل خرافة او اسطورة ارضية... هكذا يرتبط عقل وروح الاسنان بالمجرد في الاوامر والنواهي، في العقيدة والعبادة، فيجسد ما يتلقاه من الآمر المجرد، من الاله الذي ليس كمثله شيء.
ألم يصل عمر بن الخطاب في عملية ايمانه بالمجرد الكامل الى درجة التعليق على تقبيل الحجر الاسود بتساؤله الابهامي؟
ألم يعلق الرسول على شكل الكعبة وبنائها، فلم يعد بناءها خوفا على عدم تهيؤ قومه لمرحلة تجريد اكبر في عبادة الاله المجرد الذي ليس كمثله شيء؟
ألم يتجرد المتصوفة عن المادة والجسد ويحاولوا قهرهما حتى يقع الحلول مع المجرد؟
ألم يتمسح الناس بالاضرحة ويمارسوا تجسيد عبادة متألمة، سالخة للجسد الذي لم يستطع ان يجرد ايمانه وعبادته عن حياته المادية والاجتماعية؟
ألم يجسدوا عجزهم عن الحج لممارسة المناسك ، في حج تعويضي لمحروم من طقوس ما؟ نسميه عندنا بحج المسكين؟ فوجدنا محاج كثيرة؟ وأضرحة كثيرة يُطاف حولها، يذكر الذكر حولها، تقدس منابعها، تقسم طقوس ايامها بين صعود جبل وتطهير جسد مائي وتمسح قدسي، وتفجير نفسي لكل الاختلالات والعُقد والضغوطات الداخلية والاجتماعية ... ومحاولة شراء لقوة الغيبي والمجرد بالغالي والنفيس من الاموال ـ حيث سخاء العطاء كبير ـ؟
فليحذر التجريد عملية التجسيد، لازالت الجدلية قائمة في التجاذب بينهما، ممثلها فوق خشبة المسرح هو هذا الانسان الزئبقي المنفلت في القبضة على حقيقته بين التجريد والتجسيد،كما انفلت عن قبضة موسى عليه السلام حين صنع العجل الذهبي وانصهر مع اللذة والمتعة والمادة.... وتستمر الحكاية الى ما لا نهاية بين التجريد والتجسيد.