سرد من وحي الحوت
الحلاق السعيد
* ـ في العزم:
لم يخبر أبويه بقراره. سافر ليلا قاصدا مدينة طنجة. عزمه عبور البوغاز للديار الأوربية. شباب مدينته ومنطقته، أبناء عمومته، جلهم في أوربا. لمدة يومين وهو يرقب ويبحث عن منفذ، أخيرا الشمالي. الكل يعرف الشمالي بطنجة. كم من الشباب عبر البوغاز بفضله. رجل معقول وجدي ، لايخذل. رجل كلمة.
ـ اثنا عشر الف درهم للعبور.
+ ارجوك، لا أملك سوى عشرة آلاف. لقد نفذ مني الباقي في انتظار إيجادك. من فضلك تفهم ظروفي.
ـ طيب، ما علينا، ستبقى بالغابة بالقرب من سيدي قنقوش، وتكون مستعدا مع الآخرين. الليلة التي تكون مناسبة ستعبر البوغاز، ناولني العشرة آلاف درهم. الى اللقاء.
+ الى اللقاء.
في الغابة:
العشرات، بل المئات التي تكون مستعدة من الشبان والشابات، من كل الأعمار، من كل الأجناس. مغاربة، جزائريون، أفارقة... الكل متربص داخل الغابة، يأتي للقرية للتسوق. أصبحت القرية تعيش رواجا اقتصاديا كبيرا مع حركة الهجرة السرية. أهلها يحترمون من يتعامل معهم في التجارة بمعقول واحترام. فتياتها تراقبن بفواطاتهن هذا المرسى البري، هذا المعبر البرمائي. داخل الغابة، خيام منصوبة بشكل لائق أو ماساوي.هناك المدمن، هناك الخائف، هناك الذي دفن أوراقه ونقوده في مكان ما، حتى إذا جاءت الساعة حفر وتزود للهجرة والبحر.
الحلاق السعيد، أصبح يدبر شؤونه لتوفير نقود إضافية بحرفته في الحلاقة، خمسة دراهم ليس أكثر لمن يريد حلق شعره أو ذقنه.
مرت الليالي داخل الغابة. هناك من شكك في مصداقية الشمالي، وافترض ذهابه بالمال وتركهم بلا هدف، بلا حل. وهناك من يُطمئن ويُعطي المثال:
ـ لقد سبق أن وضعت فيه الثقة مرتين ولم يخذلني. عبَرْت هذا البحر معه مرتين، ولكن في كل مرة كانت (الكارديا سيفيل*) تضبطنا وترجعنا عن طريق الهلال الاحمر.
• في البحر والعبور:
جاء الشمالي، أخبر الجميع بالاستعداد:
ـ هذه الليلة سيتم العبور. استعدوا واحملوا معكم الضروري فقط. وبمجرد النزول على شاطئ كاديس، أسرعوا للغابة حتى أدبر أمركم وشأنكم. اتفقنا؟ لا نريد مشاكل.
خمس عبارات زودياك كبيرة الحجم وجديدة بمحركات سريعة تطير فوق الماء. الحلاق السعيد استعد بما يكفي. جعل نقوده وأوراقه داخل وعاء بلاستيكي حزاما حول بطنه. حذاؤه الرياضي من نوع نايك وبدلة أنيقة. الكل داخل وعاء بلاستيكي آخر. واقتنى الضروري من الماء والحمص والتمر وبعض المستلزمات للعبور. ارتدى بدلة عادية وحذاء رياضيا عاديا ( السبرديلا الخانزا*) كما يسميها.
في لحظة منفلتة من عتمة الليل، نادى الشمالي على الجميع وخرج الكل من الغابة في اتجاه الشاطئ، والكل يراقب بهدوء، القرية، الحرس الأمني والمخزني، عمليات الشحن البشري التي ابتدأت، جدية الربابنة في التنظيم بعصي ضابطة. كل زودياك تقل حتى الستين شخصا. ولم لا، الأربع والستين.هناك من نفذ ماله مع كل محاولات العبور، وحينما تأتي مثل هذه اللحظات، يتوسل ويرغب ويبكي. قد تحن القلوب القاسية فيضاف إلى الزودياك بألْفَيْ درهم فقط. لا خسارة في العملية، إذا نجا فهو محظوظ، أما إذا مات، فلا فرق بين من دفع عشرين ألف درهم أو الفي درهم فقط.
اتخذ الحلاق السعيد مكانه في زودياك الرايس. كانوا أربعة وستين واحدا. كانت من ضمنهم فتيات تجندن للعبور، شجاعة غير مرئية، أو قل هي مغامرات خطيرة برهاناتها، تضعن سكاكين في جواربهن، استعدادا للدفاع عن النفس من كل اعتداء أو اشتهاء أو احتقار. منطق الغابة يتساوى في الذكور والإناث.
اتخذ الحلاق السعيد مكانه بجانب الرايس وبدا البحر هادئا يُلمّح لسهولة العبور:
ـ إسبانيا في متناولنا.
ـ( بينهما برزخ لا يبغيان).
فجأةً، بدأت الأمواج تتعالى، وبدأ الزودياك يتمايل يمينا وشمالا، صعودا ونزولا. استعد الجميع للكارثة.استعملت الأوعية لإفراغ الزودياك مما ترميه أمواج البحر من مياه. بدأ عويل الإناث وبكاؤهن. كلٌّ له لحظات ضعفه. هناك من بدأ يتوسل في الرجوع، أفضل له من الموت في جوف البحر.
تذكر الحلاق السعيد يوم جاءت سيارة الإسعاف الكبيرة لمدينته الفقيه بنصالح، بدأت تضع جثمان كل شاب داخل صندوقه أمام أبواب منازل أحياء متقاربة. ستة، مرة واحدة، جعلوا الحي والمدينة في جنازة كارثية، كأنها مخلفات حرب. لكنها ليست بشرية، بل هي مائية رغم أن ضحاياها من البشر.
أخذ الرايس يطمئن بقلب جامد وكلمات ثابتة:
ـ كل واحد يقعد في مكانه، سنعبر ونصل إسبانيا سالمين لا تخافوا. ليست هذه أول مرة أعبر فيها. لنتعاون على تفريغ المياه والحفاظ على التوازن.
الحلاق السعيد أصبح مساعدا للرايس. مرت المراحل الصعبة.يضع البنزين لتشغيل المحرك من جديد. وبعد أربع ساعات من هذا المخاض وصلوا شواطئ قاديس. أخيرا أوربا، جنة جديدة.
توسلوا للرايس كي يجعل مرسى الزودياك على رمال الشاطئ لأن هناك من لا يتقن السباحة، أو ربما يضبطه في تأخره الحرس الاسباني. عانقوا الرمال، هرولوا إلى الغابة المقابلة لهم بعد أن ساعدوا الرايس على معاودة الإبحار والرجوع. اختبؤوا داخل الغابة حتى جاء من سيقوم بنقلهم لمكان آخر. حوالي ثلاثمائة عابر للديار الاسبانية، جيش غاز جديد يدخل أوربا، ليس بخميس طارق بن زياد طبعا. كل ومساره، كل ومصيره.
الحلاق السعيد، خلع ثيابه المبتلة و"السبرديلا الخنازا"،ارتدى لباسا أنيقا وحذاءه الرياضي النايك. لقد نسّق مع الشمالي ومع من سيأخذه إلى برشلونة بعد أن قضى بضع ليال مختبئا بقاديس. ومن برشلونة رحلة أخرى جمع لها قائدها البري عشرة عناصر مستفيدا من قدر مالي، على الأقل عشرة آلاف درهم مغربية لكل واحد، حتى الديار الايطالية. وهناك، كل له حظه وهدفه.
إنها عمليات تهجير بشري غير شرعي بملايين السنتيمات. صفقة واحدة من سيدي قنقوش ذرت على الشمالي أكثر من مائة مليون سنتيم صافية، ونظيرها كلفة الزودياك الأربعة والرايسات وإغماض عين السلطات والمخزن، حيث لا أذن سمعت ولا عين رأت. كل شيء يباع ويشترى. سلطة المال فوق كل اعتبار، بشر ومخدرات وأشياء أخرى نجهلها ربما.
• مرحبا ايطاليا:
ليست هناك أوراق رسمية للإقامة. كل يتدبر شأنه. قد يبيت في خلاء أو في خيام بالغابة أو تحت القناطر. بالنهار، نمسح واجهة السيارات، نبيع الموشوارات. كلٌّ يتدبر شأنه.
الطاليان كرماء في الحقيقة. كانت وصية أبناء عمومتي لي هناك هي ألا أقوم بأي فعل خارج القانون(المونتيف*)motif. وكم مرة تضبطنا الشرطة في الشارع، تأخذنا إلى مقراتها، نصرح بأسمائنا الحقيقية، تؤخذ بصماتنا. وبعد ساعات يطلق سراحنا. وربما إذا كانت تسوية جماعية لأوراق الإقامة قد نستفيد من حسن السلوك.
أما كازاوا يا أخي، فإنهم الخطر بعينه. يْحسنوا بلا ماء. دازوا معا حقيبة يدوية أو صعدوا حافلة. لصوص ماهرون.
كم مسكين ضاعت أوراقه، يتسول في الشوارع يبيت فيها، يمد يده للتسول في باب الكنيسة يوم الاحد.
لكن، يوم ارتكبت المونتيف، اقتادوني إلى الكوميساريا، من تم إلى القنصلية. لا رحمة يا أخي. شرطة قوية البنية لا يمكنك في أن تفكر في التزحزح عن مكانك معها. عييت ما نرغب ونزاوك ونبكي بحال دري صغير... والو. جمعونا ورافقونا للمطار.كاين لي عاد خرج من الحبس تما. كانت واحد الشرطية طاليانية تقول لينا:
ـ بلا ما تقلقوا. سيرو لبلادكم وعاود خرجوا لأروبا. ما كاين مشكل.نحن نقوم بالواجب فقط.
نزلت الشرطة الإيطالية معنا في مطار الدارالبيضاء. سلمونا لنظيرتها المغربية.
لازالت أصابع الحلاق السعيد مالكة، ومتحكمة في أدوات الحلاقة، دقيقة في حركاتها. اشتعل غليانها وضبطها مع تذكر هذه التجربة المريرة. ما يشفع للحلاق السعيد هو مشهد الموت في البحر، لم يفارق عينيه إلى الآن، كأنه زاره ورآه وعيناه جامدتان:
ـ لا أقدر على المخاطرة في البحر من جديد.
أجبته، بعد أن نزع الفوطة من عنقي وانتهى من تحليق شعري:
ـ المهم هو الصحة والسلامة والعقل والرجوع للوالدين بخير وعلى خير.
ناولته عشرين درهما ثمن الحلاقة.
+ الى اللقاء.
ـ الى اللقاء.
إذا طاحت الصومعة، علقوا الحجام. راه كثير الكلام.
حسن إمامي