ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عالم جميل ومسؤوليات كبيرة ومهمة جربها وتحملها نبهان،داخل هذا المجتمع التقليدي الذي بالكاد أطل على التطور المعاصر بالكهرباء وكراء التلفاز من صاحب الدكان لمشتهدة بعض الأفلام والاخبار.
مع سن العنفوان والشباب،أصبح نبهان عارفا بعالم الجنس والمرأة وضرورتها في الحياة.فقد جرب مع بنت امي زهرة أو قل هي التي جربت معه.ما دام صغيرا عنها في السن.جلبته للعبة وهو طفل في الحادية عشرة من عمره... لكن خفقان قلبه واطتشاف خطورة دقاته كانت خارج الحي مع ابنة خالته التي أحبها وقدم لها هدايا بسيطة او نفيسة،فهي رمز لتعلقه بها،وهي التي تصغره بسنتين فقط.شاركا اللعب كما شاركا تحولات الغدد والجسد والاشواق والاحلام....كان يشتري كتب العشق والغرام.ومرة اشترى الروض العطر،أخطر الكتب التي قرأها معها فوق سطح إحدى منزليهما.تتابعه بابتسامة واتكاء على كتفه،يشعره بالفارس البطل الذي يجب ان يتابع المغامرة ويقودها.حتى كتاب الرسائل الغرامية اشتراه يوم السبت،يوم السوق الاسبوعي وخبأه تحت جلابيته حتى لا يلاحظه أحد.وذهب مهرولا لتخبيئه في الصالة التي في سطه منزله.لما كان يقرأ عليها ولهما تلك الرسائل،كانت الافكار تسافر عبر مسامعهما،وتخترق فهمهما بما جادت به الكلمات المتاحة للفهم.كانت الافكار تتشكل من جديد،مكسبة لهما ادوات التعبير عن الحب بلغة عربية فصيحة،تشبيهات رائعة وابيات شعرية يعاود قراءتها لمرات حتى يؤثر طربها ولحنها ونظمها على وجدانيهما.تلتصق به لشدة شوقها وخوفها من هذا المجهول الذي هو الغرام. أكثر ما يسعده كذلك،حينما كانت تقشر له الليمون ليأكلاه بعد الغذاء فوق سطح المنزل وهما يقرآن ويسمعان عجائب الصفحات المقروءة.الام والخالة،تعليقهما بتبارك الله،جمع الصنعة وحفظ القرآن والقراءة،الله يحفظه وينجيه..... سكن الشوق في الوجد،وطبعت القلوب على الود،وأصبح تنفسها بقلب الآخر المجاور،ولكنه لم يكن بعد مستعدا للزواج.
لم تنتبه الأمَيَيْن لما انغرس في قلوب الشابين.كان اسمها جميلة اسم على مسمى.لم تلبت ان جذبت نظر من تزوج بها فيما بعد.قدر اجتماعي لابد منه.لكن هناك قلب مأخوذ،معتقل في شوق ورغبة خارج القفص الذهبي... وتلك مشكلة أخرى عاشها نبهان.
الجميل في نبهان،أنه رغم زواج جميلة،حافظ على زيارة خالته.وكم كان عزيزا عليه تناول وجباتها اللذيذة من فلفل وطماطم مشرملة ،وجزر محمض حار لذيذ جامع بين حلاوة وحرلا فلفل سوداني.
لقد أصبح الوسيط التجاري بين تجار وبائعي الصوف والحياكة والخياطة.اكترى دكانا صغيرا بالفندق القديم الخاص بالحرف.وكان يشتري الصوف كل أسبوع ويوزعه على النساء اللاتي تقمن بغزله بالناعورة،ثم يعطيه للدرازة لكي ينسجوه ثوبا.فيبيعه بثمن مناسب،جعل له راتبا ومدخولا مناسبا استقل به ماديا،وساعده في إعالة أمه بنفسه،خصوصا وأنه كَبُر ويعيش معها وحده بالمنزل.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نبهان صاحب الأجر الكبير والعمل التطوعي داخل المجتمع التقليدي بمدينته الصغيرة.تراه حاضرا في الجنائز متقدما صفوف قراءة القرآن وموكب الجنازة إلى المقبرة.هو من يفتح قنينات ماء الزهر،فيرش بها الحاضرين.هو من يدعم بنَفَسه القوي تلاوة القرآن الجماعية في ليالي الصدقات والولائم.ولا البردة او الهمزية، فإنه ينشدهما بشكل يطرب به المسامع.حتى إن أصحاب المناسبات يلحون عليه في الحضور...
لنبهان جماعة أصدقاء.يشتركون في ليالي سمر وأشياء أخرى.كان أمر (المصرية) المكتراة سرا بينهم.هي شقة صغيرة،يخصصها الشباب أو العزاب على الخصوص للالتقاء والسهر ولعب الورق وأشياء أخرى.
كان نبهان هو من يعد الطنجية.حيث يوصي الجزار بتوفير (الملج) من لحم العجل،ويعد معه في الدكان الطنجية بالسمن الحار والثوم والتوابل والتمر مرة اوالحمص و الزبيب...يأخذها لبيت نار الحمام البالي او الجديد(الفرناتشي).وغالبا ما يعطيها لفرناتشي الحمام البالي الذي يعتني بوضعها منذ الزوال فوق رماد حام،ويعمل على تحريكها ليتأكد من اكتمال طهيها... يكون اللقاء بعد صلاة العشاء بنصف ساعة تقريبا... كلٌ يحضر ما يشتهيه ويدمن عليه في السهر...
لم يكن نبهان يحب الخمر ولا تدخين الكيف.كما انه لم يكن يبحث عن غلام او بائعة هوى.ذلك ان المدينة التقليدية معروفة بشدة مراقبتها لأخلاقيات الأشخاص ما يجعل تصريف الرغبات مكبوتات محرمة وشاذة في بعض الاحيان.... فقد يكون كل هذا حاضرا،في حضرته،لكن نبهان يضحك ويغني وينكت... انما بدون استعمال ما سبق... ما يفضله نبهان هو (الصامْتْ).معجون مقوي للحرارة الجسمية ووظائف الاعضاء،ومنها الوظيفة الجنسية،خصوصا ايام البرد والشتاء.... مكون من نقلة الكيف من وريقاته (النويني)كما يسمونها.يوصي عليه صديقه الخياط المدمن على الكيف والحاضر في ليالي السمر والسهر.. كذلك العسل وما لذ من الفواكه اليابسة..يتناول منه ما يناسب ،خصوصا في فصل الشتاء البارد.
لكل زمان عشيقته.فقبل زواجه،كان منظما لعلاقات عاطفية،خولتها له معاملاته مع بائعات الصوف المغزول بالناعورة،والتي تفرض على النساء الاشتغال بها في المنازل،لجعل دخل موازي،ولتحقيق هدف في حياة هذه المدينة التقليدية. لم يكن تحريم الخلوة في الاسلام مجانبا للصواب.خصوصا مع البنية النفسية المركبة لشخصية المسلم.والذي يجعل الغياب للجنس الآخر سبيلا لتغييب التفكير في الرغبة وقهرها وتعويضها بانشغالات الصلاة والصيام والعمل... لكن كذلك،يجعل دفن الرغبة تحت ضغط الغياب،بحيث إذا حضر الجنس الآخر انفلتت هذه الرغبة وجعلت سبيلا للتحقق. وما هي الا فرص يتم انتهازها ثم نسيانها وتجاهلها.هكذا يتعامل المسلم مع الممنوع والمرغوب،وهكذا يتعامل نبهان مع الامر بكل حذر وسرعة تحقيق....
يتذكر نبهان كيف اكتسب هذه التسمية ـ اللقب.ويعجبه كثيرا ان ينادى عليه بها،رمزا لبطولات الحكايات المروية في الطفولة. مرة ذهب التيار الكهربائي وانقطع. لازالت المدينة تمتلك وسائل إنارتها القبل حداثية،كالفانوس والشمع....،للحاجة او لعدم الثقة والاعتماد الكلي على هذا الكهرباء الذي يكلف اداء وضريبة واوراق رسمية مع الادارة .والذي يخلق النفور ممن اتى به الى البلاد ،وهو المستعمر... فهي مسالة لا شعورية.
دزينة شموع منزلة على رف في الحائط قرب باب المصرية.واخرى في صندوق خشبي اتى به
الخياط،تقادم عند اسرته... والذي يضم بعض الاشياء التي يحتاجونها في سهرهم ،متعلقة بلوحة خشبية لقص الكيف،وغربال من بقايا علبة سردين فارغة،وسكينين.كذا بعض وسائل التدخين كالسبسي المطوي والشقف... بعدد
احتياطي لأجل الاحتياج.الى جانب بعض الأشرطة السمعية التي استحدثت للموسيقى مع بداية السبعينات.لكن اين هي الانارة.لقد انقطع التيار الكهربائي.الحمد لله ان الطنجية قد أكلت.لكن،لا زال السهر مستمرا رغم
ان مشروب الشاي قد نفذ،ولم يبق إلا الليمون المعلق على الجدار بعيدانه واوراقه كباقة متدلية،حيث كل مرة تقشر واحدة لتحلية طعم الكيف...حافظ نبهان على ذكراه،فكان يطلب من فاطمة عشيقة الخياط في السهر،أن
تقشر له شنانيف من الليمون.... لعبت رائحة الكيف بدماغ نبهان،واسمه الحقيقي(العربي).كما ان معجونه من الصامت قد خمر عقله ولسانه .مع ضوء الشموع،،احتاج الجمع الى حديث شيق ونكتة اخرى في غياب
الموسيقى.
حكى لهم الجزار قصة طالبي القرآن، اللذين جلسا على مائدة دجاجة محمرة شهية.فجأة ذهبت الانارة في ثوان معدودة.رجعت بسرعة،علق أحدهما ويحه لقد أخذ القط الدجاجة. أجابه الطالب الآخر أنزل الدجاجة فالقط بين
يدي...
احتكر العربي الكلمة،فقال مما قاله: انتظروا،سأحكي لكم قصة سيف بن ذي نبهان حتى يطلع نور الصباح...
قهقه الجمع حتى سالت الدموع لكثرة الضحك.وكح من كان يدخن الكيف ماسكا بالسبسي حد تدلي عينيه وسعاله.. علق عليه أحدهم:
ـ إنه سيف ذو يزن آ العربي وليس بن نبهان.انت هو نبهان وغفلان...
استمر السمر مع النبهان: تابع الحكاية آ السي نبهان...
بقيت ذكرى الليلة البيضاء مرتبطة بحدث اللقب،أما حكاية سيف بن ذي يزن،فيعلمها الجميع،ويتابعون حلقاتها مع الواحدة وخمس وأربعين دقيقة بعد زوال كل يوم،ما عدى يوم الأحد.
قصة الالقاب،ثقافة اجتماعية فيها من التعليق والمدح والقدح،ومن التسجيل للاحداث التي تقع في حياة الناس اليومية،ما يجعل المادة دسمة للتناول والمناقشة.لقد حضر نبهان لكل من اصدقاء (المصرية) قصة تسمية اسرهم وحكاياتها.وما قام به اصحاب التسجيل في دفتر الحالة المدنية من اعتماد لألقاب او كلام منفلت لتسمية الناس باسماء غريبة:
ـ والحمد لله انا نبهان.انظروا لهذا الكيايفينجالس يكمي ويضحك،مصمك.علاش سماوه ليبان.ابوه ذهب لتسجيل دفتر الحالة المدنية،سأله الموظف: آش نكتب؟
أجابه: لي بان ليك نعامسيدي...
ـ طيب نكتب ليبان.سميوه ليبان.يا الله راه سجلك في الحالة المدنية (الجيلالي ليبان).
ـ وانت آالمعلم الجزار،تبيع لنا اللحم وتجيء تاكل الطنجية فابور(مجانا).داركم واحد النهار طيبوا الملاوي.وخرجت اختك الكبيرة تغوت وتنادي:طيبنا الملاوي ،طبينا الملاوي.... وبقات الحكاية بين الديور.الان داركم دار الملاوي.. ياك آسي الجزار؟
يغضب الجزار وينهض: والله نهار الخميس لا وجدت لكم شي طنجية آ المساخيط.كولوا الملاوي عمروا بهم المصارين...
قهقه الجميع من جديد.نبههم أحدهم الى التقليل من الصوت: راه الجيران نايمين والحيوط تايسمعوا...
