
ابن المدينة :
ما الذي ستكونه المدينة وجدانيا و مشاعريا ؟
راودني هذا السؤال و أنا أتابع تقرير الندوة المنعقدة بمدينة أصيلا ، حول (المدينة السعيدة ) ...خِلْتُ نفسي مقبوضا إلى العنوان ... و لما قرأت شذرات المواقف و الرؤى لمثقفين و قصاصين تناولوا ، إلى جانب شعراء و مفكرين ، موضوع المدينة ، وجدت نفسي ظمآنا للحديث ، متعطشا للارتواء بما يجود به الجواب حول المدينة ...
الجنس مؤنث ... وباللغتين العربية والفرنسية ، اللتين تعلمت بهما منذ طفولتي ، واللتين اخترقا وعيي بمختلف النصوص و الأشعار و الأغاني والأفلام ، قبل أن تزحف اللغة الانجليزية لتحط رحال التنافس على أشكال الوعي المتعددة التي بنينت عقلي و اتخذته مختبرا لتفاعلاتها ، منذ ذلك الحين إلى الآن ، رُسِمت ألفاظ الدينة ـ La ville ـ the town ـ ، في تفكيري و خطابي ، تملّكتْني بسحرها الكبير الذي صنعته لقرون عديدة ، منذ غابر الزمان ...
أخذتني في رحلة الحياة ، للاصطياف ، للدراسة ، للعمل ... فتحت آفاقا لشخصيتي في تلقي عوالم جديدة و اشخاص و علاقات ... شرعت لحريتي أبوابا خارج عنان الأسرة و الثقافة الاجتماعية المرتبطة بها ... جعلتني أطرح علامات استفهام ، كما أعيش توترات بين الثابت في تكويني ، والذي يمشي رويدا في سلوكي ، وبين المتغيرات الكثيرة التي واجهتها ، وواجهتني ... كثيرة هي كل هذه ، سيرة حياة لا زالت مستمرة إلى يومي هذا الذي أعيش فيه ...
إذا قمت بعملية مسح مدائنيٍّ ، لذاكرتي و لكتاباتي و خواطري ، ربما أدركت أنها المالكة لجل تصوراتي ، هذه المدينة التي أصبحت المؤنث الاضافي و الاولي منذ صغري ... المدينة ـ الأنثى ... أي أنثى ؟؟
ماذا ستكونه المدينة الأثنى ؟ الأم ؟ الأخت ؟ الحبيبة ؟ البنت ؟ الزوجة ؟ العاهرة ؟ السيدة الغريبة ...؟؟ اي اجتزاء ستقوم به هذه المدينة في تركيبي الوجداني ، لكي تعيد صياغته برباطها الوجودي و الوجداني ؟
سيكون للمرحلة العمرية دورها في تأثيث الفضاء الوجداني المشكل لجسد المدينة و شخصها ... أشباح ظلال تسكن الرؤيا و الحدوس ... تراكم محطات ، تطبع الذكرى و الشجن و الحنين والعادة و المتعة و الأسى ..
الجسد واحد ، والروح شظايا موزعة ، ترسم المشاعر و ألوان الحياة ... حين يكون كل شارع ذكرى ، و كل مكان حدث واشباح أصوات تعيشني بدواخلي ... حين يتفتق الخيال لملء لحظات الفراغ التي تسكن الوحدة والعزلة ن فتصنع عوالم و تؤلف حوارات و تحقق أماني في أماني ... حينما تصبح المدينة مدنا ، فتجد للواقع سْكَّته ، وللخيال سكك متعدة... تتنظر كل قصةٍ محطةَ ركوب جديدة ، فتحمل حقائب سفر عجيبة ، وتفتح صناديق على الصور و الكلام ، وعلى العطور و الروائح والأحلام ...
تقف الملابس و الأحذية و أشكال العطر ، طابورا في لائحة الانتظار اليومي ... ترتب لارتدائها و لاقتنائها مواعيد زمنية مع الذات ... تصنع نفسيتها و سلوكها و أحداثها و علاقاتها ... تعبر عن وضعيات شخصيتها ووظائفها و مهامها ... تنوب عنها في تأدية الرسالة ، في الجذب و النأي عن التواصلات و التفاعلات ... ذلك الدولاب سحر المدينة الخفي الذي تتزين به بين الأنام ن وتوزع به الادوار في مسرح الحياة حياتها ، في ليلها و انهارها ...
هذا المكان ، وهي ، المرأة الغاوية بمفاتنها ، المتشكلة و المتمثلة في كَمْ من سحر و جسد و شيء و لذة وصورة ومتعة ... تتوزعك نقاط الجذب و الاستقطاب ، مرةً تُرتبك ، ومرة تبعثر أوراقك و عقارب ساعاتك ...