اللوحة الخامسة:
جسد بشري
بلباس جلد ـ بشري ، دال على خلقته و مخيط على بدنه بشكل يجعله رمزا لعريه في عريه ... و الجدار شبه منفتح كأنه ثوب تمزق عموديا من وسطه ، يخترق فتحة تمزقه ضوء مشع ينفذ منه إلى داخل فضاء الجدار ...
الجدار مظلم في دواخله ، لون الظل الذي يجعل لونه معتما بكل مكوناته وانعكاساته ... حتى جوانبه التي بقيت
عليها بقايا نسيج عنكبوت حاك إمضاءه على نسيج الزمن الذي عمر في الارجاء ، والذي جعل صيد الموات طعما لعيش الخمود داخل الجدار ، بدا معها كل شيء بئيسا تعيسا ، ما جعل الرسام كذلك يلطم أعلى الجدار ـ
الإطار ـ اللوحة بلون بين البني و السواد ، متلاشٍ شظاياَ كأنها ستار ظلمة يهبط من أعلى يريد إطمار الصورة إلى غيب و ظلمة قاتمة و نهاية مشهد أو قبر يغلق لقرون لحود فرعونية لا تفتح إلا مع بعث روح في
زمن خارق لم يأت بعدُ ...
هذا الجسد البشري الذي هو في جلسة ورشة ، يخيط معها ، متكئا على ركبته اليمنى ، موليا ظهره لمشاهد اللوحة ، ما دام
منهمكا في عمله ... قائما بخياطة شرخ الجدار كأنه ثوب يريد سده حتى لا يخترق النور الما وراء جدار فناءه الداخلي ... ترى لماذا جعل يدا تخيط ، ويدا تمنع بمعصمها تأثير النور على بصر العينين؟ هل ألِف
حجاب الجدار وحياته وقيده الذي بدا معلقا بمسمار غليظ في إحدى جوانبه ، في شبه انتظار لهذا الانسان العاري في مهمته ؟ ما جعل الرسام يرمي بريشته أثرا حنين بين خيال البدن وخيال الاغلال الممتدة شوقا الى
صاحبها ... كأنها هي التي كلفته بالمهام في انتظار أن يعود إلى قيده ويجلس مستكينا وجوديا بعلاقته ، ويجعل لها قصائد مهنئة و مواسية ومصالحة له مع وضعه ، كاتبا قصيدته من داخل قبره مادحا
للحده وملائكة ظلمته وجلاديها ... مقبلا أغلاله و معبرا عن حنانهما المتبادل بينهما .. أنا منك وأنت مني ...لن أترك هذا النور يغير شيئا من لون جداري ،
مكسرا لعتمته وخرقه وبليه ... هي إذا "القابلية للجدار " ، تذكر بالقابلية للاستعمار التي رسمها مالك بن نبي ، و القابلية للعبودية التي استنتجها كم من
مفكر لاحظ ارتباط العبد بسيده وبكاءه عليه بعد موته وتمسحه برجله حتى لا يطلق حريته ، لأنه أَلِف وضعه وهنِئ نفسيا معه ...
الخياطة في غرزتها الثالثة التي تبدو كبيرة عريضة ، وبقيت اربع غرز سيقوم برتقها ... لماذا جعل الرسام الإبرة مقوسة في شكل علامة استفهام بسمها الواسع ،تطل على اللوحة براسها الحاد
؟ هل هي دعوة لمشاهِد اللوحة حتى يأخذ بمهمة إتمام الخياطة ؟ مسائلا إياه حول رأيه و موقفه ربما في الاتفاق أو الاعتراض على مهمة هذا الجسد الانساني العاري هنا من كل وصف إلا ما
كان من آدميته ...
آه ، ظل ساعة فقط جُعِل في زاوية مطوية وركنية من الجدار ، على طريقة سالفادور دالي السوريالية ، ما الذي يربطه بالجدار هنا ؟ ولماذا هو ظل ؟؟؟
تحسست ساعتي اليدوية ، ونظرت لها حتى لا أخدع فأجدها مجرد ظل على معصمي ... هل يكون الوقت و الزمن والوجود مجرد ظل ؟ هذا ما أوحى به تلمسها وأنا واقف أمام اللوحة ... ها هو تفاعل قد
خلق مع اللوحة و مع جسدي وحواسي ... ها هو وحي وإلهام قد انطلق بكلامه ومعانيه وافكاره التي استنتجها ... سحبت الظل كفكرة من داخل اللوحة ، وشبهته بالماضي ... هل يكون ما مضى ظلا حاضرا معنا ؟ أكيد هو
ذاكرة حاضرة ومؤثرة ؟ هل تكون لحظة الحاضر مجرد ظل كذلك ؟ ما دامت اللحظة الراهنة بمجرد ما تفكر فيها تكون قد ولت ماضيا فائتا ... ، فهي كذل ظل مرافق
لصيرورتي ... هل يكون السؤال وجوديا بين الجدار و ساعة الظل أو ظل الساعة ؟ فتكون الحياة مجرد ظل باكملها ؟ اين هي الحياة الحقيقية لهذا الانسان ؟ هل اختار الخروج من الحيرة في السؤال الى لحظة السكون
داخر الجدار واسواره ؟ حتى ينعم بسكون ظلمته و ظله وموته ربما ؟
سؤال الوجود والحياة والزمن و التاريخ رافقني بثقله في خروجي من شرودي مع لوحة الجدار هاته ... طأطأت رأسي عجزا عن الجواب على كل اسئلته ...