Overblog Tous les blogs Top blogs Littérature, BD & Poésie
Editer l'article Suivre ce blog Administration + Créer mon blog
MENU
Le blog de mondevenir/imami hassanإمامي حسن
Le blog de mondevenir/imami hassanإمامي حسن
Menu
جدار التقنية

جدار التقنية

3434676343_55c7b51f80.jpg
اللوحة الثالثة :
                 على الجدار ، داخل إطار ، زرقة بحر متوجة ببياض يرسم الحدود الراقصة بين طلعات الماء وعناقه لتطلعاته ...خيوط رقيقة تخترق المجال المستطيل عموديا للإطار، دالة على تلاقي قارات أو جهات العالم الاربع الاساسية .... إنما هذا الإطار الذي يتوسط الأكبر ، المرسوم بشكل دقيق ، هو شاشة تلفاز رقمي مائل كأنه يتناغم مع حركة الأمواج ، اراد الفنان أن يجعل له صورة داخلية بالألوان المتعددة الطيف حيث إنك لا تميز شكلا عن آخر سوى ما كان من تمايز الوان ... لا تخرج من تأملها إلا بشعور احتفالية ليست كباقي الاحتفالات ... ربما هي فوضوية أو متزاحمة ... هل يعني بها هذا الزخم الذي نعيشه مع البث الاذاعي و التلفزي ؟ والذي يجعلنا مسلوبين أمام مشاهدة يومية استهلاكية ، تنتزعنا من اشتغالات أخرى حياتية  كأنها هدير بحر باصوات أمواجه الصاخبة... ربما تحرمنا من ضروريات عيش وسلوك طبيعي ... التواصل الأسري والاجتماعي مثلا ... رومانسية ملاقاة الطبيعة في جولات ... استمتاع الحواس بأصوات الحياة و المخلوقات ورائحة عطر بيئة محيطة ... يدخل الفرد من الاسرة الى المنزل كأنه غريب عنا ، مشوش لمتابعتنا التلفزية ... ننزعج من كلامه أو سؤاله ، ندير له ظهرنا في كل ارتساماته ، لا لشيء سوى لتخلصنا منه وبقائنا مع شاشة التلفاز ... هكذا تصبح التقنية مساهمة في خلق فردانية قاتلة أنانية غرائبية إلى درجة الادمان المرضي ...
لا زالت اللوحة تعرض رموزها التعبيرية ... أمامي ، على الجهة اليمنى في زاوية إطار التلفاز السفلى ، جعل الرسام قرطا معلقا كأنه يزين أذن التلفاز ، علّق فيها كخيط أو ظفيرة تميمة أو تعويذة أو حجاب مربع بلون نحاسي دال على أنه يطوي كتابة طلسمية سحرية تطيرية ... أمامي ، على الجهة اليسرى في زاوية الإطار التلفزي دائما ، هذه المرة ،العليا، جعل الفنان قرطا آخر ، علّق  خيطا مظفورا كذلك ... لكنه يحمل رمزا لبطاقة الكترونية برقم تسلسلي دال على ماركة او نوع الجهاز وصناعته وتركيبه وشركته و سجله التجاري الترويجي في العالم ، ما دام مسافرا عبر هذه البحار التي غطت إطار اللوحة وخلفيتها العامة ...
هذه المرة ، جلبت كرسيا من قرب مقصف الرواق ، وجعلت مسافة خطوات بيني وبين اللوحة ... كما أنني راعيت مسافات وقياسات الظل المناسبة التي تجعلني مستقلا عن مشاركة اللوحة ظلال أنوارها المشعة بها ... جلست على الكرسي ، وتساءلت أولا حول وضعية جلوسي ، هل هي استسلام وقَبول للرمزية المستوحاة والموظفة في اللوحة ؟ هل ستكون جلسة استرخاء ومد أطراف الرجلين الى الأمام ، بتعبير اللامبالي للرسالة الثقافية التي وجهها الرسام ؟ هل ستكون بجلسة المتوتر ، الضامّ لركبتيه والملاقي لزوج حذائيه بشكل يجعل الكعبين متلاصقين ، مرتعدين في ارتجاج، جاعلا صفحتي كفيه المتلاقيتين كذلك مدفونتين بين فخذيه ... في وضع يجعل حواسك ، و بالخصوص بصرك مهيمنا على رؤية الإطار وفحوى هذا الإطار ـ اللوحة ؟ ضممتُ يدي الى صدري في محاولة التحكم النفسي في جلستي على هذا الكرسي ...أحنيت رأسي مبتسما بعقلي لمتابعة هذه الرموز الموظفة .. سبحت بمخيلتي وتفكيري وتفاعل ذهني وذاتي مع المشهد  الجديد الموجود أمامي ... ما الذي عساني استنتجه ؟ محنة تفكير وشقاء تحليل وقراءة ثقافية ورمزية جديدة ، قادتني اليها اللوحة والجدار. ..
استحضرت ثقل التاريخ و الثقافة اللذين تفاعلا في ذهني لمحاولة جعل لوحة فكرية مرافقة للوحة المرسومة ...المقابلة واضحة بين شرق وغرب ... إنني ابحث عنها في ذاتي قبل مجتمعي ... هل فعلا أعيش هذه المقابلة ... الإشكال المطروح ، متعلق بالتعامل مع التقنية ... هناك المنتج ، وهناك المستهلك ... المنتج مروج للسلعة ومخترع وكاسح لخريطة العالم بتقنيته وصناعته ... وهذا يعطي صورة للواقع الذي يجعل الاقتصاد و السياسة والثقافة مرافقة لهذه التقنية ، رسالة وظفتها العولمة في هيمنة جديدة وعلاقات جديدة بين دول العالم .... وما الرقم التسلسلي إلا دليل على هذا التفوق والحساب التقني والهندسة الحياتية الجديدة في التواصل و الاستهلاك ...
المستهلك متلقٍّ للمنتوج ، في وضع اسفل يجعله منتظرا ما يهبه له المنتج ... يتلقف كل جديد لكي يجربه ويتوقه ويؤدي فاتورة الاستمتاع و الاستهلاك ... ولكن ، ما وظيفة هذه التميمة المعلقة عليه...؟ أستحضر ثقافتنا .. كم من البيوت تعلق حجابا أو تجعل بخورا في رزمة من الكتان و الثوب ، أو تجعل مصحفا صغيرا معلقا او موضوعا بجانب تلفاز جديد اشترته.... آآآآآآآآه ... الآن اقتربت من الفهم ... هذا الرسام ، لابد أن يكون من دائرتي ، عارفا بثقافتي ... كيف يتعامل الواحد منا مع التقنية .. مَنْ صَنعها ، نظر لها بشكل رقمي وتجاري مادي ... وهذا المتلقي اقحم سحره وشعوذته ، وخوفه على ما امتلكه بتعويذة وحجاب يقي المادة من الحسد و الشر والسوء ... لا زال المستهلك يحمل ثقافة اسطورية مشحونة بالخوف من الاقدار و الشرور وعين الحسود ... لا زال تمسُّحُه بها تمسحا خرافيا ، يتكلم معها ويقدسها لدرجة أنها تترجم خوفه الداخلي ورعبه الوجودي الذي توارثه عبر أجيال ... كما تعامل الأولون مع البراكين والأنهار ، ها هو يتعامل مع المادة المصنوعة التي صدمته بانبهاره بها وتعلقه به لدرجة الادمان في الاستهلاك الغير الوظيفي لها ... وإلا  ، كيف نفسر جلوسه أمامها وهو قابض للقمة خبز بمرق بين أصابعه ، معوّج في استدارة عنقه ، حابسا أنفاسه ولقمته ولقطة مشهده في طاولة الأكل وحوراه ، متابَعةٌ للقطة فيلم أو مسلسل... : فاتحا فاه لدقائق ، كأنه يأكل المشهد التلفزي وليس غذاءه ... هاهاهاها ... أهذا ما نعلق به على الصورة ؟ هاهاهه....
أعود غيرة على ذاتي من ذاتي وثقافتي ، وأجدني ابحث عن لوم للرسام بشكل النقيض لما استنتجت وحللت قبل قليل ... أتحامل على رموز اللوحة فأتهم صاحبها بالسقوط في لعبة المركزية الغربية التي تجعل دونية لنا أمام الآخر المتفوق والمتقدم والمتطور ... الشرق شرق والغرب غرب .. هكذا تكلم المستشرقون ... الشرق سحر والغرب علم ... هكذا روجوا لمشروع الهيمنة الجديدة الحضارية التي غزت العالم بذريعة تنويره وتوعيته والمساهمة في رقيه الحضاري وتعليمه مدنية العيش و الحياة ... أتذكر في جلستي هذه ، فيلما سينمائيا رفيع المستوى في الاخراج ، لكنه رفيع المستوى كذلك في نقل رسالة المشروع الحضاري الغربي للقارة الاسترالية ، وكيف اراد جعل رسالة الحب الحضاري هي الغالبة على مرارة رسالة الاستغلال المتوحش والعنصري للانسان الغربي لاستراليا وسكانها الاصليين ... (فيلم الاسترالي ـ بطولة كيدمان ...الاعلان بالفيديو أعلاه ) 
 
قد يكون طمع الانسان الفردي قاسيا في السلوك ... وهو طابع يعيشه مع نوع جنسه ، فما أدرانا بتعامله مع جنس آخر ... لكن ، سياسة روح الملكة ، المتجسدة في بطلة الفيلم ، سياسة ترمز لنبل الهدف في المشروع الغربي الذي انتشر عبر بقاع العالم ... حضارة وديعة ، جميلة ، ترقى بالأجناس البشرية الى مستوى المدنية والتطور في كل الميادين ... تراعي خصوصيات المجتمعات المغزوة وتحترمها ، مع تطوير اصحابها ... هكذا تترجم رسالة الغرب الحضارية ، عبر الشريط ، كما عبر الدراسات الاستشراقية التي تتقاطع معها في اسلوب الرسالة وتبريرها ... أستحضر هنا الدراسات النقدية الكاشفة للخطاب الاستشراقي ، التي قام بها المفكر إدوارد سعيد ، والتي نسج بها الخيوط الجامعة هندسيا لخطاب الغرب المبرر لسياسة الهيمنة و المركزية الاوربية التي اصبحت مركزية نفوذ الحضارة الغربية ككل عبر بقاع العالم ، ما يبرر النفوذ الاقتصادي والسياسي ، بل و حتى التدخلات العسكرية بالحروب والغزوات التي تخلف آلاف الضحايا ، تمسح من على فوق اللوحة آثار دمائها و مجازرها ، حتى تبقى الصورة جميلة للحسناء التي ارادت زرع الحياة بابتساماتها اينما حلت و ارتحلت ... ونحن نعلم دور الابتسامة في السياسة على وجه وقسمات رجالها ونسائها وكذا مفكريها وفنانيها ...
 ايًّا ما كان التعبير في اللوحة ، و من كان صاحبها ، فهي تترجم واقعا سائدا و مكرسا يحول دون توافق علاقة صحية بين عوالم الحياة البشرية ، لابد من البحث بدله عن علاقات جديدة ، تتجاوز وظائف الاعلام والفن والخطاب و السياسة التي ترسمها اساليب واشكال الهيمنة المعولمة ، وتتجاوز عقليات القابلية لها التي خلقتها في نفوس الضعفاء الذين يعيشون تحت رحمة خيرها ...
تراني سأبقى جالسا أمام اللوحة فوق هذا الكرسي الذي تحول فجأة إلى قدر اعتراف بالمستنتج وقَبوله كما هو مرموز له في الرسم ؟ لا ، لابد لي أن اقف الآن و أغير وجهة اهتمامي و زاوية نظري المنتقدة لما استنتج ...انصرفتُ  ، بعد أن اقتربتُ من اللوحة لرى التوقيع في أسفلها ... بخط صغير جدا وبسكل كوفي في الكتابة : اليد العليا خير من اليد السفلى .. تراني انتبهت من جديد إلى شكل يدين مرسومتين ، الأولى حاضنة لجهة الشمال الأعلى ، و الثانية ماسكة بجهتها اليمنى السفلى ... هذا الرسام لن يترك الواقع مرتاحا و على حاله ... أوووووووف ....مغنيا ومدندنا أغنية جميلة وشعرا بليغا  خرجت من الرواق :
وليكن
لا بدّ لي أن أرفض الموت
وأن أحرق دمع الأغنيات الراعفةْ
وأُعري شجر الزيتون من كل الغصون الزائفة
فإذا كنت أغني للفرح
خلف أجفان العيون الخائفة
فلأن العاصفة
وعدتني بنبيذ
وبأنخاب جديدة
وبأقواس قزح
ولأن العاصفة
كنّست صوت العصافير البليدة
والغصون المستعارة
عن جذوع الشجرات الواقفة
وليكن ...
لا بد لي أن أتباهى بك يا جرح المدينة
أنت يا لوحة برق في ليالينا الحزينة
يعبس الشارع في وجهي
فتحميني من الظل ونظرات الضغينة
سأغني للفرح
خلف أجفان العيون الخائفة
منذ هبّت في بلادي العاصفة
وعدتني بنبيذ وبأقواس قزح