Overblog Tous les blogs Top blogs Littérature, BD & Poésie
Editer l'article Suivre ce blog Administration + Créer mon blog
MENU
Le blog de mondevenir/imami hassanإمامي حسن
Le blog de mondevenir/imami hassanإمامي حسن
Menu
خارج الجدار

خارج الجدار

MEKNES-BAB-MANSOUR.jpg0031
اللوحة الثانية :
خارج الجدار ، الأرض متربة إلا ما كان من مدخل البوابة الجنوبي الغربية للمدينة.مساحة كبيرة تلحفها اشعة شمس حارقة ... يحاول من استطاع و ما استطاع الاختباء تحت ظل منعكس على جنباته أو منفلت من اغصان شجر متفرق بعيد ويتيم في مدار هذه الساحة التي لا تأخذ شرعيتها إلا خلال النهار مع الشعور بالأمان ...
شيخ كبير جالس القرفصاء ظله و مظلته من  جلبابه الذي ينشره على ركبتيه ويجعل قبه على رأسه حيث لا يظهر منه إلا صفحة وجهه المتفحم بأشعة اليوم الذي انعكس بياض شعاعي على أرضية اللوحة معه ...
وآخر لا زال شابا في وقفته وصلابة كتفيه و عمرة عضلاته .ماسكا عنان دابته التي يقودها عابرا الساحة دخولا الى المدينة... هو آت من البساتين المجاورة ، حاملا عليها ومنها ما نضج وما تهيأ للقطف فنقل على متن حماره الذي يجر تعب وجوده المثقل بالمهام والسياط... ينام واقفا غالبا لأن صاحبه يغادر اقامته التي يشترك معه فيها عبر نافذة تنقل شخيرهما ورائحتيهما ... أمر على أمر ، و قدر على آخر ... تتنزل التعليمات وتتسلط التحكمات بين خطاب ناهض من صاحب المنزل والبستان مع هذا العامل فيه المملوك لقدر خدمة الآخرين ، وبين هذا الأخير والدابة التي جعلت تحت تصرفه... كم ينتعش الحمار حينما يجد صاحبه قد عانقه وهو راكب على ظهره وأخلد جفونه للنوم المتدبدب مع قوائمه الأربعة .. التحام يغنيه عن لوم حاله ... فعلى الأقل  يحتاج الانسان لحضن ، هو في حاجة  له لراحته ... على الأقل هذه شيم الحمار في الصبر وتقديم الخدمات بأقل مقابل ، وعدم الغدر بالآخرين و الصمت المطبق على كل فعل ومرآى ومسمع ...
شجرة يتيمة في الوسط هجرها الجميع لفقدانها كل تورق وكل ظل .. لا زالت صامدة بهيكلها كأنها في رقصة الموت تنتظر إقفال الستار الذي سيرحمها ، ما دام الكل لفظها بعد ان استغل ثمارها وتظلل بظلها وربما تواعد بحضنها ... هي تعلم أن مصيرها و جهنمها بيد صاحب فرن أو حمام ... كل ليل و كا صباح يرمقها الحطاب بلمحة مهندس أعواد ... سنقطفك بعد حين ... هكذا يمارس تفريغه الذي يجعله أشد عقابا على وجودها قبل احتراقها ...
لكن اللوحة لا تخلو من حياة منتعشة وملتصقة بمحاذاة الجدار ، حيث يكون متكأً و مستندا للناس فرادى ومثاني وجماعات متفرقة هنا وهناك ... بعض آثار تجارة وبيع وشراء خارج مدار اسوار المدينة ... اقتصاد على الهامش ذكرني باقتصاد الهامش الذي يعيش عليه مجتمعي والذي جعل الزحف له كزحف تسونامي على الأرض اليابسة عطشا و ظمأ في التراب ... لسانه المالح لا يحليه إلا بهذا المد الجارف الذي يتلهى بكل ما يجد أمامه ... لكن اقتصاد هذا الهامش يوهم ويخطىء في التشبيه الذي أتيت عليه ... أعجبني توليف عناصره ... بينما هذا الهامش ماذا سيعنيه سوى إقصاء من استفادة رسمية ومشروعة و آمنة... ماذا سيعني الهامش سوى مجتمعا لفظ أفراده ودعاهم للبحث عن رزق لهم في أرض الله الواسعة ، أما قسمة الاقتصاد داخل الاجتماع ، فلم تكف سوى الذين استقر بهم الحال بين كنفه واسواره وبناياته ...
ماذا سيعنيه الهامش سوى سوء تخطيط وتدبير وعدم اخذٍ بالحسبان هؤلاء الذين اصبحوا وسط الساحة وعلى الأرصفة يبحثون لهم عن رزق نسيته سياسات التنمية ولم تبرمجه في جداول أعمالها... لكنه حينما يصبح الاستثناء هو القاعدة ، يتحول كل شيء الى نقيضه ، فتتساءل أيهما الهامش الآن وأيهما المركز المستفيد ... قد يكون حال حوانيت تركد سلعتها نظرا لالتقاف الهامش لكل زبائنها وهي صاحبة الضريبة والمكس وما قدر عليها من طمع مخزن او رجل ادراة ...كما ان الهامش قد نستعير له تشبيها آخر لا ينطبق على لوحتنا على الأقل في مشهد اللقطة التي أخذت فيها ... يكون الهامش ظلا أو شبحا لا يراه أحد ربما ... نظام حياة خارج الرؤية والتغطية والمراقبة القانونية ... خارج الالتزام بدفع ضريبة أو عرض سلع مشروعة دائما ... لقد تطور هذا الظل في الاقتصاد والسياسة حتى اصبح لوبيا بلغة العصر و مافيوزيا بلغة العصابات المنظمة التي لا تهتم بجرائم القتل فقط والنهب والسرقة ، بل تهتم كذلك بتنظيم اقتصاد وتدبير سياسة تحافظ على امتيازات ما تمتلكه وستمتلكه باسلوبها المافيوزي المنظم ربما اكثر من تنظيم الدولة ...
لكننا جنينا على هذه اللوحة المسكينة التي صورت مشهدا قروسطيا بالنسبة للدول المتطورة ، و بدويا بالنسبة لبلداننا التي لا زالت تعيش جميع الاشكال من الحياة من البدائية المتوحشة الى المدنية المنتعشة الناعمة ... لو لم يكن ذلك الواقف ببطنه المنتفخ على بوابة المدخل الغرب جنوبي هذا ، بجلبابيه اللذين يبدوان من لونيهما الابيض والاسود الظاهر في اختراق قُبِّ الجلباب الاسود الباطني لقب الجلباب الابيض الخارجي الذي  يعطي نظرة الابهة والصفاء لصاحبه ... والذي يبدو أنه صاحب سلطة ، ما دام ماسكا بيده شبه سوط ، متكئا على عصاه الصلبة والغليظة وبجواره قامتان قويتا العضلات ، دالتان على الاستعداد لتنفيذ أوامر هذا الحاكم فوقهما ...يبدو أنها مراقبة وجباية وكل شيء معها تتم يوميا بهذه البوابة ... يبدو أنها مصدر اقتصاد كما إزعاج ربما للمدينة ... وربما الرسام الذي رسم اللوحة لم يحِن دوره في تفتيش او جباية لأجل الدخول الى المدينة ،إلا إذا كان ينوي الرجوع من حيث أتى بعد انتهائه من رسمه ... هذا إذا كان قد أتى ... ورسمه كان متى ؟ فالتحقيب يساعد على تفسير مجموعة من الأمور ، هل خلال عقود الاستعمار ، أم بعدها ؟ هل خلال مراحل اختراق الاجانب وتحكمهم في المدينة أم قبلها ؟ هل الأمر برمته من خيال الرسام استوحاه من اوصاف رحالة وكتب ساردة ؟...
هذا الحاجب لظل الجدار الحارس على مصالح و أمن من بداخل الجدار هو من يفسر لنا وجود اقتصاد هامش لا يستطيع دخول المدينة إلا بعد  أداء ما عليه... ولكن هذا التجاور قد يوحي بتعاطف  ، كما قد يوحي بتشارك وتوافق على بعض ارتشاء ... ما دام على مرآه ومسمعه ، كأنه هو صاحب هذا السوق الهامشي خارج أسوار وجدران المدينة ...
وما همِّيَ أنا بكل هذا التفسير و هذا التأويل ، لو لم أكن أعاين مثيله في سويقات مدينتي وحيي وما جاورهما من اوساط عبر خارطة وطني ... ما لم أكن أساير أخبار الجرائد وتحليلات الاقتصاد والاجتماع والسياسة ، فالمس وجود اقتصاد زبدة يترك ما تخلص منه للعوام رزقا والتهاء ... حتى اصبح وطني هامشا ، تاركا للقراصنة فرصة الاقامة والعيش بجنة نعيمه ، بينما هو يحترق بجحيمه الى درجة حرقه لجسده تعبيرا دراماتيكيا وحزنا متألما وجوديا على هذه الحال ... حرقه لجسده هو عدم قدرته على أن يصبح وحشا مثل هؤلاء الأوغاد الذي مصوا دماءه ... على لأقل سيموت انسانا ويتركهم بالانياب يلتهمون و لايشبعون ...
 وما همّيَ أنا، هي لوحة مرسومة ليس لي يد في تشكيلها ووضعها ونسجها ... ربما هي الوقع المتجمد بالالوان الزيتية المتشظية مع فرشات الصباغة ، حتى كان التشظي علامة أخرى مميزة لعمل الفنان ... وما ابدعه من فنان   !
7885470984_06df30a150.jpg