Overblog Tous les blogs Top blogs Littérature, BD & Poésie
Editer l'article Suivre ce blog Administration + Créer mon blog
MENU
Le blog de mondevenir/imami hassanإمامي حسن
Le blog de mondevenir/imami hassanإمامي حسن
Menu
صباح جديد...

صباح جديد...

 

1397903264_456b57b238.jpg

 

 

صباح جديد

 في صباح هذا اليوم، قرر أن يخرج ويتناول فطوره بإحدى مقاهي المدينة الجديدة. أخذ حماما تحت رشاش ساخن، حلق إبطيه وعانته، وراح بعدها أمام المرآة لحلق ذقنه، جاعلا فوطته الصغيرة خلف أذنيه مغطية شعر رأسه، في وضع فرعوني يستجلب بشكله تاريخا وصورا تلفزيوينة أو سينمائية أو حتى تلك التي كان يجعلها جدارية في بهو منزله، يوم كانت الموضة  أثاثا فرعونيا. 

لكنه سرعان ما استشاط غضبا من تلك الثقافة، مستحضرا نفاذ صبره من أنظمة استبدادية معاصرة، ملَّ تعايشه معها واختناقه بهوائها الذي يقتله ويعدمه كقطرات الموت المائية التي يستعملها الصينيون في التصفية البطيئة.  كل مرة، يحضره فيها هذا الوعي، يرش مرآته بقطرات ماء وهو في وضعه للفوطةَ على الطريقة الاخنتونية.

 يحول قسمات وجهه وينوعها بين تكشير واستهزاء وحنق، كأنه في تحضير لعرض مسرحي وتدريب على لوحاته. يخاطب نفسه: 
ـ ها أنت تتماهى مع لباس جبابرة، فراعنة. ألست مكرسا لثقافة الطبقات المستبدة الحاكمة؟ ألست من انطوت عليه الحكمة الخلدونية، تبعية المغلوب للغالب؟ 
ينتزع الفوطة كلما استفزته هذه الأسئلة في ذهنه، أو تراه يُساير وضعه، ويسخر من تفكيره، ويُقوس كتفيه رافعا يديه في وضع ساعديه بشكل عمودي مقلوب كإطار لصفحة وجهه أمام مرآته. يصدر أصواتا معبدية مصرية قديمة، كأنها تسكنه، ثم يعود لتكميل حلق ذقنه، وقص شعيرات شاربيه حينما يرى فوضى وعدم اصطفاف الأبيض والأسود من جانبيهما. 

ـ مَن أمام المرآة؟ أنا أم الفرعون؟ أيكون هو ميت وقد تشَكَّل فيها وأنا واقف لأخذ وتقمص صورته، أو لِتَلقي تعاليمه التي غرست في حقول أدمغتنا لقرون و آلاف السنين؟ 

يأخذ بعض رغوة من صابون حلاقته ويلطخ به صفحة المرآة، ماحيا الصورة التي غلبت على تفكيره. يدندن نغمات صباحية مرحة مع نفسه. يعود لمسح المرآة بورق النظافة، يجعل دهنا مرطبا على جلد مدار ما حلقه.
 
     فاتحا دولاب ملابسه، يحتار في هذا الصباح، صباحَه، ما الذي سَيَرْتديه؟ يقلب ويقلب بينها. يرمق سروالا منسيا بين صفوفه. يتأمل جوانبه ولونه. 

- منذ مدة لم ألبسه. سيكون مناسبا للقميص الأزرق السماوي الفاتح والمعطف الجلدي الأسود. فجأة يتردد: 

ـ إنه يوم أحد. لِمَ لا أرتدي البذلة الرياضية والحذاء الرياضي؟ لكنني لن أذهب إلى ممارسة الرياضة. أنا ذاهب، واضعا حقيبة حاسوبي على كتفي، محمِّلا إياها برواية وبعض أوراق بيضاء، وما تبقى من صفحات جريدة لم اقرأ مقالاتها بعدُ، إلى مقهى لتناول فطور.  
بذلتي سماوية زرقاء فاتحة إذاً. خروجي رياضة عقلية وتمعن جديد في عوالم الفكر والواقع الطبيعي والمعيش المجتمعي داخل المدينة وداخل ترسبات عقلي الممتلئة.

 ـ أين سأتناول الفطور هذا الصباح؟ 

هكذا تساءل، مفكرا في المكان المناسب الذي سيساعده على ممارسة طقوسه الذاتية. قرر أن يبتعد عن مكان سكناه، علَّه يوحي له هذا البعد بجو السفر وجديد العالم. خارج دائرة اليومي الذي قد يحصر ذهنه عن آفاق التفكير. مَرّ على ساحة بئر إنزران. مرّ على ساحة السلاح، ثم زنقة باريس. تأمل أسماء الشوارع والأزقة، لاحظ غياب أسماء يشتاق لها اشتياقه للهواء. ساحة الحرية أو ساحة الكرامة، ساحة الموطنة... غياب تربية ثقافية في التواصل اليومي بين الناس ما عدا حملات البيئة التي أصبحت موضة مفرغة من البناء الحضاري، وفي بعض الأحيان حاضرة في الشارع الرئيسي وغائبة في جوانبه: 

ـ مم، ما دام الأمر هكذا، سأغير من عاداتي. آه. ها هي محلبة الحرية. تسمية قيمية في نهاية المطاف. سأتناول فيها فطوري وأعود أدراجي إلى المنزل أمام حاسوبي وأفكاري. 

      بحثتْ عيناه عن اخضرار تتغذى به، ممارسا التربية البصرية في تأمل ألوان الأشجار والزهور، في جعل امتداد بصري من بعيد، متواصل مع النبات والشجر وكل ما هو طبيعي داخل هذا العالم الإسمنتي الذي صَفَّحَ الأذواق والآفاق. 
   قرر تسمية الساحات بأسماء جديدة تناسب مبتغاه من مدينته. كتب مقالا لكل واحدة في صفحة واحدة بخط واضح وبحجم كتابة عريض: 

 ـ ساحة الحرية. 
ـ ساحة الكرامة. 
ـ ساحة المواطنة 

 واستمر في تخطيطه فألصق بياناته في الحرية والمساواة والكرامة على جداريات الساحات الثلاث المختارة، إلى أن نودي عليه من جديد. 
هذه المرة لم يعتبروه مختلا ولا مجنونا. هذه المرة ، قالوا له: 

ـ الرابط منطقي بين الشمعة* التي وضعتها من زاوية، وبين البحث عن أسماء جديدة لساحات المدينة كأنها حرية. هذه المرة لا حرية  لك إلا بمقاسنا وقانوننا، وزنزانتا. 

تنفس الهواء من النافذة العلوية الضيقة الصغيرة، وانتعش بأشعة سنى الشمس المخترقة للإطار الحديدي وشباكه، وقال: 

ـ على الأقل هنا سأعرف قيمة الحرية.

                                              حسن إمامي

*الإحالة على قصة"شمعة من زاوية" تنشر لاحقا.