(4) رواية ديلار.. شفرة الريح
ونفتح شرفة الريح. نقف أعلى باب الريح. نفتح قوس التاريخ الشخصي والعمراني.
تفتتح الرواية مع صفحتها الأولى (ص3) تقاطعا توقع به بيانها السردي. تقاطع جميل بين شرفة الريح وشرفة محمود درويش في قصيدته أرى شبحي قادما من بعيد.
يقول درويش:
أطل كشرفة بيت على ما أريد
أطل على شجر يحرس الليل من نفسي
ويحرس نوم الذين يحبونني ميتا
أطل على الريح
تبحث عن وطن الريح في نفسها
أطل على امرأة تتشمس في نفسها.
وتتماهى الرواية مع الشرفة ومع القصيدة، ابتداء مع العنوان، ثم مع تأثيث بعض الفصول بعتباتها، ثم مع الإلهام الحاضر عند الشخصيات المثقفة والمولعة بالشعر داخل الرواية. ص 12 و ً18،19. وتحضر الشعرية في معانقة مدينة تازة. يحضر الصوت الأنثوي الوجودي والواقعي المتغني مثل كل محبٍّ لتازة:
سألوني هل أنت تازية؟ ـ قلت نعم وللأبد ـ قالوا: تازية تعشقين أحراش؟ ـ قلت: اللهم لا حسد. ـ قالوا: الشبل التازي صامد؟ ـ قلت: ليس عندنا أشبال. أصغرنا أسد.. وأكبرنا يهز البلد. ـ لولا خوفي من الرحمن وخوفي من النيران ـ لجعلت حب تازة سابع أركان الإيمان.
... نُسِبت القصيدة إلى ديلار بصير.
ويتباهى السرد في ص 28: تازة بوابة تاريخ متعطشة ـ بردي مفقود ـ أو أوراق خريف مهشمة ـ الشرق في تازة حكاية ـ والغرب بداية ـ ريح بينهما تعبُر ـ ممزقة في الذاكرة.
أما صالح بدوي صاحب ديوان (كامرأة تحلم)، هو زوج ديلار، يبوح بقوله بلغة فرنسية:
MA FEMME
COMME VOUS LE SAURAIT UN JOUR
UNE BELLE ETOILE SURPRENANT LE CIEL
صص 42 ـ 43
هكذا تنسكب الحروف الشعرية شعرية، ونقرأ في ص44:
هكذا يكون الحلم قصيدة، وتكون القصيدة حلما وسفرا روحيا يحلق بين القارات. تريده ديلار جنة جديدة مرتحلة بين الأمكنة، ولن تكون الجنة مكانا واحدا. تنعكس في سماء الأوراق صورٌ جديدةٌ لمفهوم الجنة. تطرحها ذات مساء داخل الصالون الأدبي (بين السطور entre les lignes).
وتعود ديلار في ص68 بالذاكرة لحبها الأول بالجامعة:
بالشوق والرغبة تراسَل القلبان
لسحابة عشق حن التوأمان
...
وتتعانق الأرواح رغم بعد الزوجين بين قارتين في أبيات جديدة توقع للشوق: ص 103
سأرى النور بقلبي فيك
فكيف أبصر بطلعة هواك؟
لن أرافق النجوم
ما دام الليل لم يلبس ثوبَك اللجيني.
لأجلك يا ديلار، هذا المساء فتح قارورة عطره
بها تستحمين في الوجود لأجل الخلود
والفضاء أغمي عليه في حوض البيان
...
لندع ديلار تستريح الآن وننتقل إلى باب القصبة، قصبة البلغيتيين ومقام الحاج إبراهيم.
(5) رواية باب القصبة
توقع رواية باب القصبة لمرحلة تاريخية تجمع بين الأربعينيات والخمسينيات من القرن العشرين. تنسج فضاء مدينة وجبل مولاي إدريس زرهون. تترجم الحياة بهارمونية العيش كما أحبها أصحابها، وخلقوا داخلها عوالمهم، ومنها عوالمهم الشعرية والفنية.
طغى طابع الزجل وقصائد الملحون. وكان ذلك مؤرخا لمرحلة تاريخية وفنية عاشها الناس هناك وهنا، حيث اندمج النظم مع إيقاع الحياة اليومية وأشجانها ومشاغلها. تفاعل النظم مع أصوات الآلات والأدوات والنفوس ونبضات القلوب.
ويكفي أن نجعل الإسكافي ينظم، والحداد ينظم، على إيقاع قرعات المطرقة والسندان، فيجيء النظم واللحن، وترسل الأبيات مطربة الآذان ومتفاعلة مع الألحان.
في ص 57
وبدأ المعلم محمد دقاته المتممة لتسوية بلغة المعلم مصطفى. تأتيه من بعيد دقات بعض الحدادة في الرصيف المقابل، في إيقاع ارتبط بعمل متأخر ما بين صلاة العصر وصلاة المغرب. زاوج الدقات الثلاثية التي يطرق بها الحدادة صفيحة بهيمة بالمطرقة والسندان والنار المتقدة، مع دقاته المتسارعة بمطرقته على البلغة.
بحث داخل ذلك الطّرِق والطنن عن دندنة يسافر بها خارج الزمن وبعيدا عن المكان، داخل وجدانه مع الكلمات التي تجاورت إيقاعا وطربا في ذهنه. سلاح ضد الرتابة والتعب والفراغ والمجهول الذي يقف غولا وظلا أمام الذات:
لمّة يا لمة
تجمع الاصحاب
لغمة
وتخاف على القليب من الغمة
تشعل له قنديل في ذيك الظلمة
لمة يا لمة
أنا نسرج الاقدام
نثبت لِها السيْر في الزحمة
توصل لباب الطير
والطير يلا بغى يسكن في السما
يهز عينيه من تراب ناشف
ويسقي حلمه من عين غمامه
حامْلة بالما
لمة يا لمة
أنا ذاك الطير
بدقة الخير
يصنع الحكمة
آه يا يمة
إيه يا يما
ضاقت بيَ هذه الغمة
.
استطاعت رواية باب القصبة أن تجس نبض الناس وتجعلهم مندمجين مع قانون الحياة وقيمها التي تخلق جمالية وسعادة رغم مرارة الواقع المتجلي في النقص وفي العيب وفي الاستعمار وفي شتى علل تصيب الإنسان.
(6) بحيرة العشق اللازوردي
ومسك الختام في هذا المقام، رواية اعتُبِرت عند مؤلفها بيانه وجامع حكمه وفلسفته. ربما توفّق في ذلك، وربما هي محاولة فقط يقوم الزمن ببيان نسبيتها ونقصانها. إنها رواية بحيرة العشق اللازوردي. قلت في نفسي: كيف يمكنني الحديث عن علاقة الشعر بالرواية ما لم يكن الصدق والحب والعشق والارتباط ببوح الوجدان؟ وكانت الكتابة تبحث عن تقاسم الكاتب مع الشخصيات هذا الولع وهذه العلاقة.
لقد تداخلت الأجناس وتمازجت في خلق بحيرة العشق اللازوردي. استطاعت أن تجعل الكل يسبح في ماء بحيرتها التي ستشكل طبقات بين الذات والواقع، بين النفس والعالم الخارجي. يحضر الرسم والتشكيل، ويحضر الاشتغال الثقافي والجمعوي. ويحضر الشعر بقوة كذلك. كان المشرح والمتابع بتحليله هو الدكتور النفساني حليم السيد.
في ص 152 نجد قول السارد:
واستمر تماويت في وضعية العناق والبكاء. لكن بكاء ثالا كان دمعا تسقي به حروف إنشادها. لا تشهق. لا تنتحب. محافظة على ابتسامتها الأولى التي حطت بها الرحال فوق هذه الساحة، كأنها قطار جامح لا يتوقف رغم فراغه من ركابه، إلا ما كان من روح ثالا التي تعمّره:
الأصفاد وشمت...
والرسغ اكتوى...
والقصبان نهشت من جسد تيللا
لم يحضر تحليقَ أمه في السماء
أمير ويوان عاد
ليحارب الظلم والأشباح
روحي يا يما، وخُذي معك روحي
حتى أرتاحْ
...
كان بوح تماويت عند ثالا يعكس شخصيتها القوية والمتميزة داخل جماعة العيش. شجاعة وصراحة وإقدام وصدق. وبالمقابل المكافئ: احترام وتقدير من طرف الآخرين.
وكانت شخصية الحسين باصليح هي مكافأة القدر لثالا، حيث لا يبلسم جراح وجودها سوى من هو في مقامها. وكأنهما إلهان يكتملان دون البشر. لكن رحلتهما الحياتية تسجل المرور بن برازخ قد تكون حيوات وميتات عديدة. لا يصمد فيها سوى الأبطال.
يقول الحسين باصليح: أنا ضد الكل، وأتحمّل مسؤولية الكل وكل ما تتهمون به الكل، فهو وصف لي وأنا صاحبه. اغسلوا التاريخ على حبل مشنقتي. تطهّروا أنتم بدمي وصلّوا تضرعا بجُرمي. ص 158.
وفي ص 190: تقول قصيدته التي سيأتي بها ملفوفة في جلد رقيق يبدو أنه لثعلب اصطاده قدر الطبيعة مع الأنام، وسيلقيها:
هذا الشي يسكنني في اللا معنى
يفجرني في ذاكرة العدم
في الجوف يصرخ بصوت الفراغ
هالَه صمتي
هاله استرخائي على قوس السؤال
كلانا غريب عن الآخر
قريب من قبس المحال
يمتد موجا
يتصاعد مساكا بحبل الخيال
هل نروي بعضنا
بحرقة
تتدحرج بين نقص وكمال
الاتهام متبادل
فهل لي... هل لنا،
بكفّيْ ميزان؟
العدل من كلينا
طلب و .. نوال
فمَن يرسم الآخر؟
من يُشكّله؟
في تلك البداية وذاك المآل؟
جدار اللا جدار
رحلة سفر هي، في اللا مكان
وفي معنى الإنسان...!
بدون تعليق.