كتبت هذه الفصول الأولى بين سنتي 2020 - 2021...
المستوى الخامس
يحتاج العمل التراتبي إلى خبرة وتجربة وإتقان. ذلك ما عمل "طباخ الجنرال" على تعليمه للسيد لطف الله. رغم أن اللقب بقي في ذهن لطف الله إلا أنه لم يعدْ ينادي به معلمه الجديد. لم تكن الفيلا الصغيرة وسط غابة المعمورة ببعيدة عن المدار الحضري لمدينتي الرباط سلا. فبمجرد الخروج من سيدي علال البحراوي، بوابة العاصمة المستقبلة للآتين من جهتي وسط المغرب وشرقه وشماله، تجد طريقا صغيرا معبّدا يخترق الغابة. العلامة الموجودة في مدخله ترمز للممنوع. في أول مرة اتخذها كسبيل بمفرده تساءل حولها. وجد حرجا في طرح سؤاله على مضيفه بالإقامة الغابوية، لكنه اجتهد شخصيا في الاستنتاج إلى أن جاء سياق الكلام حول الإقامة وموقعها وطريقها.
على الطريقة الروسية في التسمية، وبالأسلوب الغربي في التصميم والبناء والديكور، كانت الفيلا التي جعل لها تسمية "الداتشا م" مستطيلة في شكلها، منفتحة على الجهة المعاسكة للطريق الموصلة إليها. كانت شرفتها واسعة ومؤثثة بأرائك أربعة متوسطة الحجم. سقيفتها ممتدة بالأعمدة الخشبية السميكة وبسطحها القرميدي أخضر اللون. تعجّب لطف الله للون القرميد، فنادرا ما يجده في سطوح بنايات جديدة. الغالب يكون بنيا أو أحمر قاتما. لكنه زاوج في الاستنتاج الأولي بين لون شجر الفلين وغابته وانسجام الداتشا م معه كامتداد طبيعي في الرؤية.
أثار انتباهه ذلك العمود المعدني اللامع والمنتصب أعلى البناية. جهاز إرسال واستقبال موجود في زاوية من غرفة صغيرة فسّر له وظيفته. كان من السهل معرفة مكونات الإقامة ما دامت صغيرة في حجمها ومرافقها، مشكّلة من دور أرضي واحد فقط. غرفة نوم وأخرى خاصة. حمام، وصالون مفتوح على المطبخ. نوافذ خشبية سميكة تغطيها ستائر بنية داكنة. تلك كانت الملاحظات العامة التي قد يسجلها كل زائر لأول مرة لهذه الداتشا م.