ظاهرة التقاطع في الكتابة بين التخيل والموضوعية
أستحضر هنا اشتغالا ذاتيا سبق أن قمت به، يرتبط بإعادة الاطلاع والفهم والتوظيف لموضوع درجة الصفر في الكتابة. ويساعدني هذا الاستحضار على بداية تأمل مجموعة من الملاحظات مرتبطة بالموضوع الجديد. ذلك أن درجة الصفر في الكتابة لا تعني الانطلاق من فراغ، أو التأسيس لإبداع لم يسبقنا له أحد. إنما، ما نميز داخله، هو درجة التجرد من الاستفادة المتعمدة والمنتحلة من تلك المستوحاة غير المتعمدة. بين براءة الابتكار وسرقته الموصوفة غير المعترفة بما أخذه صاحبها أو صاحبتها منه وفيه.
في درجة الصفر في الكتابة، تحضر سياقات موضوعية وإيديولوجية ثقافية وفلسفية فكرية وغيرها مما له تأثير مشترك على الأفراد الموضوعين داخل قفص اتهام جميل يبحث عن درجات التقاطع والتثاقف الموجودين في إبداعهما. مشترك يفحص مَن نهل من الآخر أو كيف حدث هذا التشابه والتقاطع، حتى إننا أصبحنا نجد المبرِّئ والمتهِمَ في التعليق. هكذا مثلا، واكب جلنا ظاهرة التقاطع والتناص بين النصوص التي أشارت إليها جوليا كريستيفا، وجعل يميز قدحا من مدح بين التقاطع والتناص من التلاص الذي سيعني السرقة الخفية المدسوسة كلاما وإبداعا داخل متن سردي أو شعري بناء أو معنى.
في درجة الصفر في الكتابة، تحضر البيئة والظروف التي تنتمي إليها كل كتابة، وما يجمعها مع ذوات أخرى كاتبة تشترك معها فيها. وسنتخيل بيئة واحدة، وظروفا سياسية وثقافية وتاريخية واحدة تعيش فيها أجيال متجاورة، وأفراد مخندقين داخل بنيات صغرى يشكلون طقات وفئات اجتماعي ومؤسسات ومجالات ووظائف ومهام، ويخلقون تفاعلات وعمليات تأثير وتأثر واعية وغير واعية، فتكون النتائج المخمنة هي ذلك التشابه والاشتراك في خصائص المادة المنتوجة، لأننا أمام مؤثرات متشابهة، ومادة خام مشتركة بين الأفراد. ويمكننا هنا أن نعطي المثال بالمقروء كما بالمرئي المتفاعل معه في مجال السينما والخيال العلمي والتشكيل وغيرها من الفنون التي تكون كظاهرة وكمدٍّ وموجة عالمية تحدث تأثيرها وتغزو العقول والأذواق، خصوصا في عصر السرعة والعولمة والترويج السريع المادي والفكري والإعلامي والسياسي وغيره.
فحينما أقرأ رواية (طوق الياسمين) للكاتب واسيني الاعرج إضافة إلى نصوص إبداعية أخرى له، وأقارنها مع نصوص إبداعية للكاتبة الجزائرية أحلام مستغنامي، أجد تشابه كثيرا في القضايا المطروحة، وأدوات عرض متشابهة كذلك في طرحها والمرافعة معها ومعالجتها. ما يعني أن الكاتبين، واسيني الاعرج وأحلام مستغنامي، عاشا داخل بيئة جزائرية وداخل مرحلة تاريخية وظروف سياسية ومجتمعية وتكوين فرانكوفوني موضوعي فكري وثقافي وتعليمي، أعطانا تشابها في المادة الإبداعية، وإن كانا قد تميزا في خصائص تعبيرية وتفوقا في أسلوب كتابة وتخيل جميل. لكن هذا المشترك يبقى حاضرا وقويا، مما يعطينا فكرة الدائرة المؤثرة فيهما، وكأننا نُشَرِّح داخل مختبر موادَّ مؤثرة في التغذية سرت في الأمعاء وبالجريان الدم والخلايا... يستحضر هنا مقال مشابه لهذا الاشتغال (بين السياسة والرواية والإبداع، الرواية ملح الشعوب ـ حسن إمامي).
ما جاء كاستنتاج في المقارنة بين الكاتبين واسيني الاعرج وأحلام مستغنامي في ذلك المقال الذي كتِب سنة 2013:
"المشترك السياسي داخل الروايتين : ـ هناك وطن ومواطنين طبعا... كما أن هناك نظام سياسي وأمني ونفوذ جيش وعسكر ـ هناك حركة مقاومة حاضرة كذاكرة وكجيل وكنتيجة ماضية في مجريات الواقع الحاضر ـ هناك استفادات اقتصادية وطبقية من السياسة كما من الاقتصاد ـ هناك تهميش لفئات عديدة، وحرمان لعائلات ولمناضلين وعمليات إقصاء ممنهجة ـ هناك تدبير يجعل الاستفادة من نعمة ثروة الوطن بدرجة الولاء للنظام القائم والمتحكم ـ هناك معادلة الكرامة الشخصية التي تغيب كلما اقتربت من النظام وابتعدت عن مبادئك النضالية ـ هناك واقع مرير في تدبير الشأن السياسي والإداري، يسوده تخلف وجهل واستغلال نفوذ ونهب ثروات ورشوة، ومصاهرات على أساس التبعية والولاء السياسيين مع تغييب لمبادئ الشرف والكرامة ـ هناك لوبيات مستغلة ومتحكمة في الاقتصاد وفي السوق السوداء التي تديرها ريعا وربحا وانتهاكا للقوانين والحقوق وضربا لبناء الوطن ـ هناك اغتراب داخلي وخارجي يعانيه المواطن المثقف والواعي ـ هناك جرح الهوية والمواطنة الحقة. وكذا جرح الحرب الداخلية التي يستلذ بها قراصنة الوطن في الداخل والخارج .
حضور شخصية الصيدلانية وأسرتها في "مملكة الفراشة"، وشخصية الأنثى الممزقة بين الحب الذي يرمز لتاريخ جميل للوطن، وبين اعتناق مصير الزواج بما يضمن أمنه رغم غياب الإنسان وكرامته. يعطي مدخلين للتناول للواقع المجتمعي الجزائري. فالصراع حول النفوذ الاقتصادي لأجل الهيمنة في السوق بمنطق القوة والمحاربة للمؤسسات الصغرى التي ليست لها تغطية ونفوذ. والنفوذ السياسي والعسكري خلق جشعا سياسيا واقتصاديا في جعل منطق الربح بأية وسيلة ولو بالاتجار بالمخدرات. وهنا مواجهة الصيدلانية وقبلها أبوها صاحب مختبر الأدوية، لِلُوبي الاتجار بالعقاقير المهلوسة، والنتيجة المحسومة في الاغتيال والتصفية والمحاصرة والعيش في التهديد المستمر.
حذر الأثنى رغم امتلاكها الوعي الكافي بمجريات الأمور، واختيارها الحلول الواقعية النفعية والذاتية في "ثلاثية أحلام مستغنامي"، رمزية كبيرة في الدلالة على المصير القدري لأمة سيقت بالسياسة حتى أصبحت على حال العجوز التي زينت بالمساحيق في انتظار عرس سرابي (في انتظار غودوت) !
حضور البديل عن الواقع المر والمرفوض في الاشتغال الفني. ففي (مملكة الفراشة نجد الفرقة الغنائية، وفي ثلاثية ذاكرة الجسد نجد الاشتغال على الرسم). رغم أن هذا الفن قد يعرف الاغتيال والإجهاض أو الاستغلال، كما في لوحات البطل الفنان التي تمتحن كل حين فيمن يستحقها وكيف يستحقها. /انفصام الشخصية الجزائرية وعيشها ممزقة بين الوعي والواقع، والمفروض والذي يجب أن يكون. /امتداد حركة شبه نسوانية في عمق شخصية البطلة، بما أن التاريخ الذي قاده الذكور اغتال فيها الحب المناضل والتربية على القيم التي تلقتها. فلم يعد للذكر في غياب الأب المفقود قيمة أمام واقع مزيف ومرفوض. فالمشاعر ما تفتأ تتقلب تجاه هذا الرجل أكان سلطة أو حبيبا أو عاشقا أو قريبا.
اتباع حلول وهمية وسرابية سببها تعليق الأمل على معطيات الحاضر وإمكانيات الخروج من مآزقه. ف"المملكة الزرقاء" ستكون ذلك الأمل الذي أصبح عند الشباب للانفلات من الواقع ومن قبضة السياسة المتعفنة والملطخة بالدماء كما بالثروة. على أن هذا الباب سيف ذو حدين، أخطرهما سرابيته ووهميته.
هذه بعض ملاحظات واستنتاجات، تشترك في رصد واقع مجتمع، وفي تعرية حقيقة السياسة ونظام الحكم والتدبير داخله. تصل قبل محطة الوصول إلى ضرورة إحداث التغيير في تكوين شخصية الفرد كما المؤسسة. وفي شريط التاريخ الذي لوثته الأيادي الانتهازية في كل محطة، وفي تدبير شأن والأمة ومحاربة لوبيات الفساد الرسمية وغير الرسمية.
هي ملاحظات تؤكد على أن المبدع ينطلق من جروح اكتوى بها وعيه، وانكسرت بها نفسيته كما مشاعره ن حتى أصبح يطلب الملاذ في الرواية كمرافعة لضميره أمام الأمة وأمام التاريخ. وللحديث بقية تحليل واستنتاجات ستكون بالاستشهاد بفقرات من الروايات الأربعة ( 1 +3 ، مملكة الفراة وثلاثية مستغنامي)، وبدراسات نقدية قام بها آخرون لهذه الأعمال الإبداعية الروائية. دائما في مقاربة السياسة بالرواية والإبداع".
بعد هذا الاطلاع على تجربتين، وفي تجربتي الذاتية، أستحضر تشابها بين ما تخيلته في كتابة رواية باب القصبة حول شخصية ووظيفتها داخل السياق السردي المتخيل تاريخيا وسياسيا وثقافيا ونفسيا ووظيفيا، مع شخصية أثارت انتباهي حينما سمعت تحليلا عند ناقد لرواية سيعد بنسعيد العلوي (مسك الليل).
وأستحضر كذلك متخيلا اشتغل عليه صديق في رواية كان لي شرف مراجعتها معه قبل طبعها، فلاحظت أن العالم والفضاء المتخيل والموضوعي الذي اشتغل عليه في روايته (عندما يعود الرجال)، ـ محسن الأكرمين، يشابه الفضاء الذي كنت في صدد الاشتغال عليه داخل رواية لي بعنوان (هذا الدفين)، لم تطبع بعد لظروف مادية فقط.
ومرة ثالثة أجد اشتغالي في قراءة تقديمية ونقدية لرواية الكاتب محمد الأشعري (من خشب وطين)، يتقاطع ويتشابه بين متخيل الرواية المقدمة ومتن اشتغالي حول جزء ثانٍ من رواية الساعاتي ـ حسن إمامي.
هكذا أقوم بتصفية الذهن الآن، بين هذه الأمثلة، والتي أجد نفسي داخلها محتارا في درجة الصفر من درجة المسافة من درجة الإبداع الخاص الخام والخالص، في كل كتابة مع أخرى، وفي ذاتي مع ذوات أخرى. وبين السيرورة الزمنية لكتابة وأخرى نجد تباعدا وتقاربا زمنيا في آن بين النصين أو المتخيلين المتشابهين. طبعا، إن شرعية القول بالتناص تجد مبررها، كما تجد تحليلها الموضوعي الذي يؤكدها كظاهرة كتابية وانكتابية. لكن الأسئلة التي يمكننا البحث عنها الآن، والتي قد يكون سبقنا لها الباحثون الأكثر تخصصا منا في المجال، هي التي نريدها لكي نصل إلى موضوعية تحليل واستنتاج، إلى ملاحظات تفسر الظواهر الخفية التي تسود عالم السرد كما تسود عالم الظواهر العجيبة في الطبيعة كذلك والتي تدهشنا كل حين في الوثائقيات العالمية المشاهدة حولها.
أولا - بين التشكيل الإنساني والبناء النفسي في الوعي واللاوعي ـ الشعور واللاشعور: