حلْمٌ أخضر
يصارع الرمز كيانه. بنيان من وهم وسحاب، يتربّع في سماء الرؤيا فيخدع الأمل أو يغذّيه لحين. حلْمٌ رسمته الأغنيات وتجارة الموسيقى وأشرطة الفيديوهات. في كل خطاب تجده حاضرا. لكنه يأبى إلا أن يكون متكيّفا مع كل فئة وداخل كل مقام. هو الملاك أو هو الشيطان أو ذاك الثمل الذي نفضته المدينة في قاع سفوحها على ضفاف مائية ملوثة أو تحت رطوبة قناطرها العفنة. لكنه قد يعلو ليصبح نجمة ذهبية راقصة على نجاحات الخطو والرقص والسيجارة الشقراء والكلام الذي يدر ربحا لصاحبه.
تعزف جون بيز على أوتار غيثارتها. ترتسم قسمات العمر على بحّات صوتها. تقف كشجرة مفتخرة بالأودية التي عانقتها والهضاب التي رسمتها وتلك الأغنية التي زخرفت بها أحلام الفقراء لتنذر حلم مجتمعها وتكشف غدره بأولاده. كأم خانتها تربية الأولاد فعلا تصرخ في وجه الشيطان.
تتعالى ضحكاته بأسنان عاجية وساعة ذهبية، وتصدر منه رائحة الحلم الرعوي الذي يبنى زحفه فوق الخريطة وتضاريسها بحوافر سادية تحب القوة والقنص وابتلاع كل العيون الحانقة داخل فواهة البندقية، كالمتلاعب بمسدساتها في تصفيةٍ خلفَ الحظائر أو بعد تقيء مقيت خارج الحانات...
أقسَم على بسط الخريطة وعلى اعتلاء حوافره وتوزيع سقط سيجارته وتكسير الأرقام القياسية في إحداث الثقوب. ربما طفولته المشاغبة ودلاله الذي أفرزه الحلْم البقري. لم تهدأ المدينة بعدُ من زوابع القرون الخالية. حاولت تغيير فساتينها كل حين ودمج الألوان وتجاورها وتناغمها في الفن والموسيقى والرقص والغناء والتمثيل، لكنها تعلم أن راعيَ البقر يقف هناك. رابضا في رباطه، مروّضا لسوطه ومراقصا لحصانه المارد. يصرخ ويصرخ ويصرخ ويرقص بجنون على اللاّ إيقاع في دوامة الخبل وتصفيق أسنان صفراء تتفل كل حين، محولة حبات الرمل والتراب إلى قير توقّع به ثقافتها الخاصة.
كما البراعم، هي العقد والجمرات تبقى خامدة وخافتة لا تصدر صوتا ولا تشير إلى أثر سوى لسكونها في الرماد. وكما الرماد لا تعِد إلا بدكّ الأشياء في مقامها حيث تتعالى هي لهيبا وتحوّل ألسنة النار إلى كوبرا مبتلعة وحيّة لادغة. وقد تنبعث من جديد ألحان الحزن العميق الذي انجرح به صوت الجاز ليثمل بجرعة نسيان تسعف على استراحة وجودية ونوم إلى حين. ربما يتجدّد الحلم ربما يتحسّن ربما يتأنسن. وكأن م.ل. كينغ لم يمتْ. وكأن شعاره لم يفهمْ بعدُ: لديّ حلم I have a dream. كيف لحلمك أن يستمر داخل تنافسياته الجديدة؟ كيف لحرير عينيك أن يوزع النعومة عدالة بين قلوب الفراشات فتلتحف بها وتتشرنق حتى يحين وقت تحليقها حلما مكتملا يعشق النور والنجوم والعلا والضياء؟
ها قد أصبح الحلم يوزع جرعات ويكيّف كسلعة مستهلكة وسياسة متّبعة. تخاط منه الحبال وتنسج به الشباك. لكن الحية حينما تنتهي من الزحف تبدأ بابتلاع ذيلها الذي طال. تغيّر حلمها الذي رسمته لكي تصنع ليلها الخاص وحتى لا تشرك الآخرين في غدها الجديد وزحفها الفريد.
لكن الحلْم الذي يرسم للهجرة بصكوك غفران وقَبول وخضوع وشروط ورحمة أرستقراطية بادية في التأفف على كل سطر وعلى كل شرط، يستعير من الجنة لونها، ومن البيئة نضارتها، تُراهُ يرسلُ الأحلام سوداء بلون البارود وسقاية الدماء إلى مختلف بقاع العالم، يرفض الحد من أسباب التلوث التي تهدد حياة الطبيعة والكائنات، ينفث سمّ أسلحته فوق خشبات مسارح العالم، يبيع الوهم بالأمان مقابل جبايات تحملها عربات الحلْم الأمريكي الخادع بالجمال والمستغل بالاقتصاد والمال. عجبًا !