Overblog Tous les blogs Top blogs Littérature, BD & Poésie
Editer l'article Suivre ce blog Administration + Créer mon blog
MENU
Le blog de mondevenir/imami hassanإمامي حسن
Le blog de mondevenir/imami hassanإمامي حسن
Menu
تأملات زجلية

تأملات زجلية

تأملات زجلية

الزجل بين الهوية و الاعتراف:


كان اللقاء مجددا بين المبدعات و المبدعين ، و الباحثات و الباحثين ، في الشعر و الرواية و القصة و الدراسات النقدية . تفاعل فيه الزجل مع دراسات نقدية أطَّرَها و قدّمها ثلة من الأساتذة و الدكاترة ، و احتاج لتفجير البوح الجميل إلقاءً و مناقشة.

لعل الشعار الذي حملته دورة اللقاء ( الزجل الشبابي بين النمطية و التحديث ) اثار نقاشا حادًّا ، كان الداعيَ له تعبير الذات عن قناعتها ، و احتياجها إلى تخلص من شوائب و من سوء فهم يشوش على إبداعها و صورتها ... سوء فهم موضوعي أو فهم خاطئ خارجي، يعيد من جديد كل و كل مرة مقاربة الحرية و الإبداع و اللغة و التعبير الفني و الجمالي، إلى دائرة التساؤل من جديد...

هل سنتكلم استعارة للصورة عن الزجل المغربي الجريح ؟ ربما المسألة واقعة في قفص عيادي ، تنتظر المعالجة ... ربما المعالجة ستكون بمقاربات ثقافية و لغوية ، و مداخلات متعددة من حقول اشتغال أكاديمية و سوسيو ثقافية و تاريخية ... ربما هي نبرة التاريخ على خط الزمن الذي يقف هذا الحمام الزاجل مغردا بأنين و حنين ، وشكوى و شوق، وترقب لغروب و انتظار لشروق جديد يعد بالآتي لمداواة ما فات ... ـ

    يقف المبدع و الفنان في حوض الزجل مستعدا للغوص في مائه الذي يصهر الجفون ويأخذها في رحلة مائزة تنسج و تخيط الأحلام كما الخيال ، و تضمد أتربة منتشرة بالمواجع عبر ربوع الوطن كما بين زوايا القلوب ... يمتزج الإبداع في حلة قصيدة تكون كحورية بحر وهبها لنا القدر، بجمالها و فستانها النواراني القزحي ... تنتظر الاحتضان فلا تجد منا القدر الكافي و المطلوب من طاقة الحنان و العشق الوجداني المفروش على مرآة الفؤاد ...

يصبح الإشكال ثقافيا ، بيبنما القصيدة تعبر شطآن ألسنتنا و سماء مسامعنا و جدار ألواننا البصرية ... فالإشكال عائق موضوعي يحول دون العشق عند قلوب ظمآنة ، خانها سحر الحياة ، فماتت بدواخلها حيوات أو أقصيت و حوربت من طرف حراس قلاع ينشرون القحط في الساحة و يشجعون على التصفيق الأصم لليباب ...ـ

تنطرح الحورية كل مرة قربانا مضحيا ، علّه ينقذ الأنام من الحرمان ، من ظلام الجهل ومن غياهب السجون و أغلال القيود ، من قلاع تخنق زرقة السماء و تتوعد القمر الوضاح / ما دام يوحي بالأمل في العتمة و يوصل رسائل العشق بين أرواح المشاعر...

 

قصيدة الزجل امتداد سوسيو ثقافي و زاهرة انتروبولوجية و سياسية قبل أن تكون قضية أدبية ... اعتراف القلب بالفؤاد و تسليمه مشعل التمثيلية في البوح و التغريد ... و ما دام اللون ممزوج بألم و فرحة ، و جرح و دهشة ، ترسم هي طريق الخلود رغم تعاقب المقصلات على حرير نسيجها ... ـ

ستنزل خلال اللقاء للمرافعة الغير العادلة التي تنشرها ثقافة مغايرة تغيب فيها قيم الحياة والعدالة و المساواة و الحرية و الجماهيرية ... و كيف تكون العدالة في غياب هذه القيم؟ المقابلة غير منصفة تاريخيا بين ال (هذا ) الرسمي و ال (هذا ) الغير معترف به ، و المتروك للعوام ...ـ

آه ، المسألة طبقية ربما ... سياسية في الاحتضان و الإقصاء ، فولكورية في التعامل والاهتمام ... ربما ، هكذا اختار الرسميون لغة و ثقافة ، و تركوا للعوام لغة و ثقافة ...ربما احتمى هكذا هذا الجل داخل ثقافة الزجل هروبا من الإقصاء و من سلطة الرقيب وتهديده و فزاعاته ... ربما تحديث يعلن لا مبالاته في انتظار التحديث الرسمي ... فحتى يصب في الزمن التاريخي لنا حياة نعيشها ، و حرية نحلق بأجنحتها ، و قصيدة نغترف من صبابتها لنعلوَ في الأفق و نرسم بالألوان عتمة هذا الليل الطويل الذي تركوه قبرا لنا ...

في اشتغال جديد على مكونات العنوان ، نجد ثلاثة مصطلحات قائمة .كلمة الزجل التي تسجل المحور ، و كلمتا الهوية و الاعتراف اللتان تسجلان الرسوخ بجذور و التحليق في سماء الوجود .ـ

لا أحد طبعا يستطيع نكران حق البوح الإنساني و التعبير عن الذات و معانقة الوجود والمحيط بالفن و الإبداع ، بالكلمة و الإيقاع . لكن مختبر الهوية لن يكون سهلا في تحديده وتأطيره . ذلك أنه يشكل هيولى تتمازج فيها عناصر عدة متأرجحة بين اللغة و الثقافة، بين اللغة و الفن ، بين اللغة و دروب الحياة .ـ

لنحاول الخوض في هذه العناصر الثلاثة في بحث عن علاقة ثلاثية الأبعاد على الأقل في إبحارنا بحثا عن الهوية الزجلية .ـ

ـ اللغة أداة تعبير راقية تجرد المادة و تحقق التواصل و تزرع بذور التفكير الواعي كسلوك إنساني بامتياز . و الثقافة بمفهومها الواسع تحتوي مختلف ألوان الحياة التي يترجمها سلوك الإنسان نطقا و عملا و إنتاجا و ممارسة ...ـ

و حينما نبحث في تاريخ ظهور الزجل ، نجده أزليا في عمق اللغة و الثقافة . و حينما احتكرت المؤسسات لغةَ التعبير و حصرتها في فنونها و طقوسها الرسمية التي تخدمها وتستصيغها ، داخل منظومة قيم مؤطرة و محددة ، حينها تمّ كبح صوت حرية تؤمن بالمطلق داخل النسبي ، و بالحق داخل المنع ، و بالحياة الكبيرة و الواسعة خارج حياة و جدران المؤسسات الرسمية ، بجماليات إبداع و تعبير و ترجمة المشاعر لا تستطيعها أو لا تستوعبها أو لا تريدها المؤسسات الرسمية ... فهي مؤسسات تحدد المصالح داخل سياسات ثقافية و لغوية و قيمية متبعة . و بالتبع فعملية الإقصاء و التهميش لفئات عريضة من المجتمع تلتصق بها عملية إقصاء و تهميش للغةٍ و فنٍّ و بوحٍ ، كعناصر تترجم العيش وطبقتَه و فئته و بيئتَه الاقتصادية و الاجتماعية و غيرهما ... ـ

الثقافة أسلوب حياة و تعبير ، يتراقص كسنابل فوق امتداد منبسط حقل فسيح بلا حدود ، تنهل فيه تلك السنابل من تربةٍ ، و تعطي ثمارا موافقة لها و لاحتياجاتها المعيشية كعناصر عضوية متفاعلية و متبادلة التغذية و وهب الحياة .. هكذا هو الزجل ، صوت مطرب داخل حديقة وافرة الظلال ، عطرة الأزهار ...ـ

هوية الزجل باختصارٍ ثقافة مجتمعية متشعبة داخل اللهجات و البيئات المتنوعة ، و داخل الفئات العريضة الممثلة للمجتمع ، و داخل أشكال الإنتاج المادي و المعنوي التي تمثل رمزية الثقافة كمرآة لحياة مجتمع .ـ

ـ بين اللغة و الفن : يقتحم الزجل خشبة المسرح و الأداء ، و منبر الغناء و الإنشاد، وسمفونية الرسم بالكلمات ، فيمثل و ينتج الإيقاع و الطرب ، و يتضمن أرقى الصور وأشكال المجاز و التشبييه و التضمين المختصر و المكثف لأكبر المعاني و مظاهر الوجود والحياة ...ـ

يحضر الزجل ككَلِمٍ مطرب ، و إيقاعٍ مرقِص ... يتمظهر جماله في أنواع فنون و موسيقى وأداء و رقص إذاً ... ماذا سيكون الزجل إذا ؟ فصيل من الأشجار بعشرات الأنواع وشتى حقول و كثرة جذور ... اشتغال معمَلي بامتياز بين المادة الخام و مراحل الإنتاج ... هي ذي علاقة اللغة و الفن في خدمة الزجل ... و هو في خدمتهما و في انصهار تام في علاقاتهما القائمة بينهما ...ـ

ــ بين اللغة و دروب الحياة : كيف نؤثث لحياة سوسيو اقتصادية و سوسيو ثقافية تنتج لغة مرتبطة بفن ؟ نحتاج في الجوابِ إلى دراسة ميدانية تعتمد سوسيولوجيا الأدب وامتداداتها الحيوية في المعيش اليومي ، أكثر من احتياجنا إلى كتبِ تنظير ننطلق منها في التصفيف و القولبة و التنزيل ... ذلك أن فن الزجل زهرة نحتاج إلى شم عبق عطرها الحقيقي داخل الحقل الذي تزهر فيه و تفوح بغناه و ترقص بمناخه ... هي دروب قصيدة الزجل .. دروب تجمعات بشرية قروية و حضرية ... تفاعلات وجدانية و وجودية مع الطبيعة و الكون و سنن الحياة ... هي دروب توجتها اللغة في استخلاص لرحيق نظم يرتق شظايا اليومي في حليٍّ تهبها الألسن لنجوم السماء سمرا ، و لبياض الكتاب مهرا، ولهديل الحمام زجلا ... و ما لا يدرك كله ، لا يترك بعضه ، كما في القاعدة النسبية في التناول . لذلك ستكون عبارة عن عينات نموذجية ننظر إليها بعين مجهريـة ، و زمن إلكتروني تسجيلي متسارع ، لنرى كيف تنبت الزهرة بتلاتها و ترش عطرها طربا و غناء و صدحا في أعالي الفؤاد . و ضروري أن نشير إلى أنه لتتبع الدروب لابد من تتبع مواطن الإقصاء أكثر ، و بواطن النسيان من التدوين الرسمي أكثر، و أماكن الحرية الممنوعة أفضل ...

ـ تجمعات النسوة التي لا زالت غير مكتشفة بعد بما فيه الكفاية ...ـ

ـ مجالات الحِرف و الصنائع القائمة على عرق الجهد و إيقاع الأدوات و الوسائل ...ـ

ـ فضاءات الترفيه الشعبية المنتشرة نهارا و المتجمعة ليلا ...ـ 

ـ ظروف العيش المتفاعلة بأحداثها و سياساتها مع الفؤاد و الوجدان ... ـ

ـ الامتدادات التراثية الشفهية و المكتوبة عبر قرون من حياة مجتمع متشارك في صناعة تاريخه ...ـ

و ما لا يدرك كله لا يترك بعضه كما سلف ذكره . دروب الحياة هي الفضاء الأوسع والعريض الذي تتجسد فيه المستويات الأخرى ، الفنية و الثقافية ، في ارتباطها باللغة المنتجة للزجل ... هي إذا ، هوية شعبية ، جماهيرية ، واسعة ، موضوعية و واقعية ، أكبر تمثيلية في التعبير الصادق عن الوجدان و عن مشاعر المجتمع و الأمة ... لذلك فهي تعيش دون انتظارِ اعترافٍ رسمي بها ... إنما ، لماذا هذا الاعتراف ؟ سؤال آني في الطرح، يستفز كل متوجس من إبعاده و عدم تحققه ..


~~ مسألة الاعتراف ، قضية حقوقية و حضور شرعي دون حاجة إلى مرافعة شرعية أو محاكمة سؤالها ... قد تجتر النفسية تاريخيا ذلك التهميش ، و ذلك التصنيف الذي يضع الزجل كممثل لشعر و فن العامة من الناس ، كمرتبط بمناخ حياتها و ترفيهها ... إنما هي أشكال تنظيم و تراتبية مجتمعية ، حرقت معها الجماهير مراحل تارخية ، و انتقلت من وضعية كبرى قروسطية إلى وضعية شبه حداثية ، ذلك أن تطلعاتنا للحداثة لا زالت تقاوم عقلية و واقع قد يرفضها حينا و يريد إقصاءها ... و من أشكال التحرر الحداثي الذي يرافق تطور المجتمعات تاريخيا نجد شكل الثقافة و الإبداع و الفن و الأدب و الموسيقى و الرقص و غيرها من تداعيات و تجليات العصر الحديث المترجِمة لملامح الحداثة في ثقافاتنا ... ولعل ضرورة موضَعة الثقافة المغربية داخل سياق تطورها اللغوي و الفكري ، العربي ـ الإسلامي ، و بيئتها المغاربية ـ الأمازيغية ، كذلك ، داخل صيرورة التطور الثقافي العولمي المنفتح على الحضارة الغربية بالخصوص و فلسفاتها و ثقافاتها و فنونها و ألوان تحررها، وعلى الحضارات الإنسانية العالمية عموما في تفاعل مع ثقافات متنوعة هندية و صينية ويابانية و إفريقية و غيرها ...، كلها تفاعلات تميز الثقافة المغربية بالتنوع و التفرد في تناول قضايا و خطاب و أشكال تعبير و إبداع داخل فسيفساء الثقافة العالمية ... كما تجعل الموضعة بيئة جديدة بمواد عضوية غنية تساهم في تجدد إبداعها و تطوره . فكيف سيتموضع الزجل داخل كل هذه التغيرات الكبرى و الصغرى ؟ و ما الذي سيتطلبه استمراره من شروطِ حياةٍ و إبداع ؟ من بين المسلمات الجديدة التي لم يعد الإبداع يناقشها بين قوسين ، نجد مسلمة الحق في الاختلاف ، و الحق في التعبير ، و الحق في الاحترام لمكونات هويته و شخصيته الذاتية و الموضوعية ... إن هذه المسلمات رفعت نضاليا كمطالب سياسية و ديمقراطية ، و كانت الشرط السياسي لبصمة المجتمعات البشرية و بالخصوص منها مجتمعاتنا ، لكي تنخرط في العصر الحديث و الحداثي ... أصبح من المسلمات تعرية واقع التخلف و محاربة مظاهر الإقصاء و التهميش ، و معالجة الجروح التي تشرخ الشخصية ووعيها و ثقافتها و تعبيرها ... لذلك كانت مساهمة الخطاب الحقوقي و الديمقراطي كبيرة في رفع سقف مطالب الاعتراف ... لذلك بادر بعض المبدعين و المثقفين إلى الدفاع و إلى تكريس لغة اليومي في كتاباتهم ... ربما لا زالت تصفية حساب جروح نفس ـ مجتمعية عميقة حاضرة في لا شعورنا و لا وعينا ... ربما مسألة حق و انتهى الأمر بدون زيادة أو نقصان ... و ربما هي تغطية موضوعية لواقع لغة حية و إبداع و جمالية إلقاء و تلقي في تواصلية حياتية صحية و متحركة إلى الأمام ... لكن الزجل في كل هذا كان و لا يزال مستمرا ، قويا في الحضور و الامتداد عموديا إلى وجدان الأمة ، و أفقيا في بروزه كإبداع و إنتاج أدبي وثقافي يعبر جماليا عن وعي الفرد و ثقافة مجتمعه ... لذلك ستصبح مسألة الاعتراف، ليست هي المشكل بالأساس ، ما دام المبدع يتجدد خلوده بإبداعه ، و ينظر يوميا إلى الاستحمام الجديد الذي يتطهر به في نهر الأدب و الفن و الإبداع ... إنها درجات التمثيلية و التوظيف و التدبير السياسي ، السوسيو ثقافي ، لهذا اللون من الإبداع ... إنها جدلية مستمرة و لا يمكن توقع انمحائها ، لأنها سر التطور و الوضع الصحي لثقافة و خطاب المجتمع ... هذه الجدلية تتجلى لغويا في علاقة صراع و تجاذب و تلاقح بين اللغة العامية اليومية، واللغة الرسمية الفصحى التي توحد اللسان سياسيا و تعليميا و دينيا و ديبلوماسيا وحضاريا على العموم ... ربما يمكن البدء باستنتاجات عامة ، ما دام التحليل ياخذهُ منحاه السياسي التاريخي الجدلي ... ربما يمكن القول بأن الوعي الزائف قد يتسرب ، بل يتسرب ، لكل من الخطابين ، اللغة الرسمية و اللغة العامية ، كممثلَين في فن الزجل و في الشعر الفصيح ... أولى مظاهر الزيف هي الإقصاء الذي قد يمارسه هذا على ذاك حكما و تغييبا وانتقاصا و تصفية حساب مبطن سياسيا ... ثانيها غياب بُعدٍ ديمقراطي حقوقي منفتح الشخصية ، مستفيدٍ من التنوع و التلاقح من أجل تطوير الذات و تطوير إبداعها ... ذلك الوعي الزائف هو وتيرة التوتر التي تجعلنا منتظرين لعمليات عيادية و علاجية ، ربم تخدرنا و تجعلنا في وضعية الغيبوبة عن الواقع و عن آفاق الطريق ... و تلك معالجة أخرى . مسألة حقوقية اخرى ، لابد للذات المطالبة بالاعتراف أن تؤمن هي كذلك بقيم الديمقراطية و التعدد و التنوع و الاختلاف ... و هذا إشكال آخر يراقصنا و نحن نتجول بين اروقة فن الزجل الغنية و المتنوعة ... كيف ذلك ؟ تلك جولة عبر ربوع بلاد شاسعة وغابة سافانا ثقافية غنية ، إنها غابة الثقافة المغربية الجميلة ... و لنا مغامرة ممتعة داخلها، على إيقاع الزجل و على طربه و لحنه و صوته و صهوته و نغمه ... حينما قال سوسيولوجي فرنسي ـ مغربي (~~بول باسكون 1932 ـ 1985 ) بأن المجتمع المغربي زربية مزركشة ومتلونة ، فتلك كانت شهادة الاستثناء التي أكدت قاعدة التعدد و التنوع الثقافي المغربي ... لذلك ، يمكن القول بأن مرحلة الاعتراف تليها في التحليل النفسي مرحلة إبراز الذات ، وبعدها تميُّزها داخل حقلٍ لسنا بمفردنا نمثله ، بل نحن لون و خيط و نسجٌ منه ، إنه الزربية المغربية ، زربية الزجل المغربي الذي ليس بلغة واحدة و لا ثقافة بيئية واحدة ، ولا رؤيا واحدة ، و لا لهجة واحدة ، و لا تجربة فنية و إبداعية واحدة ... من يستطيع العوم داخل هذه المياه من التعدد؟

ـــــــــــــــــــــــــ

 

 

 

فسيفاء زجلية

 

يمكن تشكيل لوحة فنية رائعة يجسدها الإبداع الشعري في فن الزجل بالمغرب على الخصوص، و بجميع اللهجات العربية عموما.

هي تخطيط مزخرف بألوان متنوعة لهذه اللوحة. و حينما تراها بعين الفنان و المتذوق، تعطي الاعتبار لكل وَحَدة و جزيئة على خارطة رسمها. ستكون بنيات صغيرة داخل بنية كبيرة. و ربما البنية الكبيرة جزء من أخرى أكبر، حتى تتسع اللوحة في إطارها بيم مد وجزر لا يجعل لها حدودا.

يمكن تشكيل اللوحة بجداول مياه تجري بدل صباغة زيتية أو ريشة خشبية. ذلك أن لغة ولهجة الإبداع في فن الزجل دمٌ يسري و يجري في شرايين الجسد الكبير الذي هو الوطن الكبير. و هذا الدم يستقي و يسقي، يتغذى و يغذي، يُشكل وظائف الأعضاء و الأجهزة. هذا الدم يفور حينما يشاء لكي يصنع على سطح اللوحة رقصة مائية ملتحفة بأتربتها المحلية ومؤثثة أوركسترا العزف بما جادت به البيئة و اختزنته ذات الذاكرة و ذاكرة الذات. فتكون الوحدة حينئذ مركبة و معقدة في أصغر جزيئاتها مثل تركيب وجدة وراثية صغيرة تختزن تاريخية الخصائص و تجعلها في انصهار مع كل تلاقح و تفاعل و توالد.

هو فن الزجل إذا. فسيفساء الروح المغربية، و طريق معالجة جفافها و جفائها و سقمها. هو البلسم الذي يصهر العُقد المكبلة لدائرة الانتماء، و يفك قيودها من العصبيات القاتلة المنغلقة.

حينما تؤمن برسالته الفنية و الأدبية، يدعوك لكي تكون متحررا من انغلاق الذات أو التعصب للهجة أو ثقافة محلية. فشرعيتك من شرعية الآخر، و وجودك من وجوده، والعكس صحيح.

ليس جديدا هذا التشبيه. فقد استعمله الباحث السوسيولوجي (بول باسكون) في دراساته للمجتمع المغربي. وظّفه في صورة زربية مزكشة، تَزَرْكُشَ الزربية الأطلسية، وعكس بها التنوع الثقافي و اللغوي و البيئي للمجتمع المغربي. و حينما يحضر التشبيه وينتقل للصورة الفسيفسائية، فهو يترجمها بشكل مجهري يعكس أدق تفاصيل التنوع و التعدد والغنى الثقافي و الإبداعي، و يكون ذلك داخل فن الزجل لوحة فسيفسائية للروح المغربية على الأقل.

ما الذي يمكنه أن يجعل هذا العشب المستنبت بلسان الروح كونيا و ليس محليا؟ أن يجعله يشعر بالوقوف فوق، أعلى قمم العيون التي لا تتراءى إلا بما سحرها و خبل ألوانها وسدائلها المخملية؟ أكيد أن هذه الكونية تحتاج إلى تهذيب و تشذيب. إلى عطر ممزوج يصهر الاثنين على الأقل في ريح و ريحان. و لكي تنطلق المَهاَ لابد لها من فك القيود، من رؤية الأخضر في أبعد الحقول و صوت الخرير في أعماق السفوح و الجداول. لابد لها أن تتمثل بعد حين حمامة بأجنحة ملائكية تصبغ الألوان حين مرورها على كل فضاء شاحب و شحوب. حمامة تفتق أقفاص الوهم التي تكبل الروح الظمأى، فتسقيها مما حُرِمت منه ارتواء. حمامة تحقق للطفل حلمه في صياغة السحاب ورودا برؤوس النجوم. يضحك لطوعيتها بمجرد رمشِه الدعوب. حمامة تحقق للقلب حلْم السفر الدافئ فتحضنه مع كل تيار بارد.

و نحن نسمي هذا الحمام و نحن نسمي هذا الحمام المغرد بهديله بالزجال. و في التسمية اعتراف بطربيته و إطرابه، باستكانة النفس و طمانينتها. نستشعر هدوء الطبيعة و المجال. لا تهديد كيانيا أو وجوديا، حيث قطرة الماء المتراقصة بين سيقان السنابل، و ذلك الندى الذي شكّله لحنه و ارتماءته المعانقة لأمه الأرض على صفحات أوراق الشجر، و في طَرق لإغماضة الوردة مهلهلا تلابيبها، مسافرا في روح عطرها، فاتحا أبواب السماء لإطلالة أشعة الشمس... تلك الدنى إكليل الطرب، تلك قصيدة الزجل.

لكننا بالمقابل، و نحن نسمع و نستمتع و نسعد و نطرب لهذا السماع، مَن منا غاص في بحيرة نفس الشاعر لكي يرى ما احتزنه عمقا، و ما علق في جوفها حسرا، و ما جرحها قهرا؟ أ نسمع الطرب و لا نسمع الأنين؟ و هل جئنا لنحزن؟!

الحزن عند الشاعر جرعة دواء يسقي بها روحه لكي يبلسم أرواحنا و حواسنا. الحزن تسربات وطن افترشت سرير سهره في انتظار نجوم بوحه.

و بعبارة السياسة، يعتبر الزجل خزانا ثقافيا و ذاكرة اجتماعية و تاريخية، و لونا فنيا إبداعيا و جماليا يهدي لمختلف فئات المجتمع أطباق سعادة يحتفون بها في ليلة انتظار. تُرى، ماذا سننتظر؟ كلنا ننتظر غدا، بلسما، فَرَجاً... و هلم بسمةً.