بين الثقافة والإيديولوجيا ـ 1 ـ
ربما يتجاوران و يتقاطعان و ينطوي أحدهما على مضامين الآخر بين صفحاته و ثناياها... ربما تلك الحدود غير موجودة بينهما، في الواقع كما في التحليل الموضوعي و الصريح الذي لا يحيد عن قول الحقيقة... فأين تنتهي الثقافة حتى تبدأ الإيديولوجيا؟ و العكس صحيح؟
لن يكون هناك جواب بقدر ما سيكون هناك تشخيص لما وقع و يقع من توظيف هذه في تلك و تلك في هذه.
ما الذي تتوخاه الإيديولوجيا من الثقافة؟
و ما الذي ترسمه الثقافة للإيديولوجيا؟
لعلنا نبحث عن استعمال خفي تم بينهما، و صنع الحدث و التاريخ و الإنسان. هذه رحلتنا إذن في مقاربة الثقافة و الإيديولوجيا، في راهن واقع مجتمعي و سياسي و تربوي و ثقافي يشكّل الإنسان و شخصيته. أي خدمة قدّمها تلاقيهما في خدمة الإنسان و حضارته و تمدنه و وعيه التاريخي الراهن؟
تلك رحلتنا المستهلّة هذا الصباح...
و إذ تتعدد الأسئلة تستبين شعاب متخالجة للموضوع المتناول، نريد من خلال ذلك جعل الثقافة فاعلة و حيوية و إيجابية فيما يحقق التطور و التقدم للعقل كما للحياة و السلوك الفردي و الجماعي.
و ما دامت السياسة غوص و تحليل قبل أن تكون فعلا في الواقع أو تدبيرا له، فإن المقاربة ستربط بين توظيف الإيديولوجي السياسي و الحزبي و الإيديولوجي التدبيري المؤسساتي الذي يتم للثقافة و باسم الثقافة.
سيعني هذا أن الثقافة مطية لتحقيق هذا و ذاك. كما أن ألإيديولوجيا و السياسة مجالان لتمريرها كمواقف و تصورات و قناعات. فكيف سينتظم كل هذا في التحليل؟
من بين صور مميزة و مقارنة، تكون الثقافة هي تلك المادة الخام التي تسري مثل الريح في الوادي أو مثل الماء في مجراه النهري. بينما ستكون الإيديولوجيا هي النسيج الذي يخيط ويركب الخيوط و يصنع الشكل أو المشهد او اللوحة و يرتب ألوانها و رسمها... لكننا نلاعب الصورة و نقول لها كيف يلتقي الماء مع خيوط النسيج في التشبيه؟ ذلك سحر التلاقي الخفي بين الثقافة و الإيديولوجيا. رقصة ظاهرة و قواعد خفية منتظمة.
و قد ينحى بنا التشبيه مع المقارنة إلى رسم صورة سلبية عن الإيديولوجيا، و استلاب للثقافة. لكن هذها الجذب الذي يمارسه واقع الممارسة لن ينسيَنا ما تحمله الإيديولوجيا كإيجابيات، و ما تساهم به الثقافة في تطورها النوعي و خدمة المشروع العام الذي تحتضنه ويحتضنها.
و لكي يكون هذا التحليل موضوعيا و غير مبهم و لا مثالي خيالي، لابد لنا من تتبع مسار العلاقة في الواقع التاريخي التي قامت بين القطبين في البناء الحضاري البشري، ألا و هما الثقافة و الإيديولوجيا.
لنحاول ذلك.
في تعريف القطبين: الثقافة و الإيديولوجيا: