الإنسان كقيمة ثقافية :
مدخل التربية و التعليم :
أكيد أننا سنتناول علاقة التربية بالثقافة و التعليم في هذا المدخل الجديد. و هي علاقة تفاعلية و متبادلة بين الحقلين، إن لم نقل متكاملة طبعا. إنما ستجرنا حقول أخرى إلى الاشتغال و الاهتمام لتبيان هذه العلاقة كذلك. و ربما إن ذلك ما سيجعل الموضوع شائكا و مفتوحا في نفس الآن. حيث لا يمكننا حصر جميع زواياه و لا أسبابه و تداعيات نتائجه المطّردة.
في جل منازلنا المغربية، و كثقافة مغربية مرتبطة بشروط موضوعية و يومية، نجد فضاء الصالون يتخذ مساحة شاسعة داخل المنزل. و طبعا يكون ذلك على حساب غرف النوم و الراحة و البهو... و حينما يكون هناك ضيوف داخل المنزل، تضطر الأم إلى طرد الولاد خارجه بقولها : سيروا تلعبوا ( اذهبوا للعب ).
هذه الصورة تبين لنا ثقافة العيش مقارنة مع ثقافة التربية، و مدى التباين بين الاثنين و مدى غياب شروط تربية ملائمة للأطفال ـ المراهقين ـ الشباب، بحسب المرحلة العمرية طبعا.
في تخطيط المدن المغربية اليوم و قبله بمدة طبعا، نجد التركيز على تكدس البنايات المتجاورة، و اقتطاع مساحة تجعل لمرفق اجتماعي أو ديني تعبدي، إلا فضاءات اللعب التي نادرا ما نجدها مأخوذة بعين الاعتبار في حسبان المخططين. كذلك الشأن للحدائق العمومية التي تجد أطماعا لاهثة للمضاربين في العقار لكي يحولوها إلى بنايات إسمنتية.
سنلج المؤسسات التعليمية و نرى بعد الثقافة و التربية و مدى حضورهما بجانب التعليم في فضاءاتها هي الأخرى. كما سنلج السياسات التعليمية و البرامج الثقافية لكي نتتبع مدى الوعي و النهوض بقطاعين
حيويين في الرقي بالإنسان.
في تشبيه مترابط، يبين العلاقة التفاعلية كذلك بين الثقافة و التربية، سنتحدث عن مثال الأب الذي يستثمر أمواله في مشاريع مادية على حساب استثمارها في تكوين أولاده و دراستهم و تأهيلهم بدعم لدراسات عليا في معاهد متخصصة، فتكون الأولوية عنده مشاريعه بدل أولاده، و في النهاية قد يربح الأموال و العقار، لكنه يفقد مستقبل أولاده بحيث لا يضمنون مستقبلا دراسيا و لا نجاحا شخصيا في مسيرتهم التعليمية أو التكوينية. في نهاية المطاف، الأب ناجح ماديا، لكنه فاشل تربويا بأولاد معطلين و ربما غير متوازنين بسبب إدمان أو ما يشبهه. في حين، قد نجد أبا يبيع شقته التي يملك من أجل دعم ولده لدراسة عليا في معاهد متميزة تضمن له الشهادة و العمل الراقي و ربما التأهل في دولة أجنبية للرقي العلمي و المهني. و في نهاية المطاف يكون النجاح أسريا للجميع. على أن الثروة المادية لم تكن هدفا في حد ذاتها، بل وسيلة لخدمة الإنسان و تأهيله في حياة ناجحة و متوازنة و سعيدة.
مثالان متضادان ينطبقان على تصور و فلسفة و إرادة الدولة في تعاملها مع شأن التربية و التعليم و الثقافة و الرياضة و الفن. ذلك أن الدولة التي لا تستثمر في العنصر البشري و لا تجعله هدفا في حد ذاته لخدمته، لا يمكنها أن تبني مجتمعا قويا و متماسكا و سليما و متوازنا. و إذا غابت روح المسؤولية و التربية و الغيرية على أولاد الوطن عند المسؤولين، غابت إرادة و عزم النجاح لأفراده. غابت سياسات هادفة لإسعاد الإنسان و جعله مستفيدا من حقوقه في التكوين و التأهيل في مختلف هذه المجالات التي سبق ذكرها : التربية و القافة و الفن و الرياضة و التعليم و التأهيل...
من هذا المنطلق، نسائل المؤسسات و المنتخبين في تمثيلياتها حول دورهم و مسؤولياتهم و قيامهم بها. هل تتوفر فيهم الشخصية التربوية المؤهلة اخلاقيا و مهنيا و سياسيا في خدمة المواطنين و أجيال الغد؟ هل هم فعلا آباء معنويين لهؤلاء الأطفال و الشباب الذين يمثلوهم في سياساتهم الحكومية و الإدارية و التدبيرية للشأن العام؟
نستنتج كبدايات ان العوائق ثقافية في العقليات و السياسات المتبعة و السلوكات الممارسة. و ننتقل إلى مساءلة الميزنيات و مدى احترامها لمهمة التربية و التعليم، و مدى كفايتها لمشروع تربية أجيال الغد، و مدى شرعية التبريرات التي تنقل سياسة التقشف لتنعكس باليباب على حقل التربية و التعليم و الثقافة. و هنا مربط الفرس الضائعة للترويض.