قبل تناول المستويات الثلاثة كمعايير لتناول و مقاربة موضوع الاشتغال، لابد أن نشير إلى نقصان حلقة تفاعلية في معالجة هذه الظاهرة ـ موضوع الاشتغال ـ، و هي غياب التواصل الذي يفتح المناقشة و السماع و الإسماع للآخر، المعني بتحليل هذه الظاهرة. ذلك أن أية ظاهرة إنسانية صدرت كسلوك تحتاج إلى تقدير و احترام في التعامل. تقدير بحكم كونها صدرت عن إرادة و وعي. و احترام لكونها خاصة بصاحبها في المنطلق، و كونها إضافة اجتهادية في حياة البشرية. فلولا الاجتهاد لما كان هناك جديد، و بالتبع لما كان هناك تطور في تاريخ البشرية. و لو تتبعنا درجات رفض أورتودوكسية لكل جديد، داخل كل الثقافات الإنسانية، لعلمنا ان مبتغانا في التناول سيعرف هو الآخر رفضا و تعنتا و رفضا للفهم. في حين أن واجبنا سماع الآخر ومعرفة منطلقاته، مناقشتها، التفاعل الجدلي الإيجابي معها الذي تفرضه الحياة المتحضرة و المتمدنة، حياة الحوار و الاختلاف الصحي داخل مناخ ديمقراطي يرعى هذه القيم تحت مظلة آمنة لدولة الحق و القانون.ـ
ـ يصعب البدء بتناول المعيار الفقهي في الحكم على هذه الصلاة. لكن هذا البدء سيبدو ضروريا لأننا نحتاج إلى تفتيت الصخر الصلب المتماسك بمنطقه الخاص. ذلك ان أكبر الحجج الرافضة للظاهرة الاجتهادية نجد لها مرجعية نصوص شرعية في القرآن و السنة، في الاجتهادات الفقهية التي ارتبطت بها و أسست الأحكام بناء عليها.ـ
فكيف سنخترق الحجر الصلب؟ لابد لنا من تناول مكوناته و تفكيكها في إطار تشكلها الزمكاني و الذهني و التجمعي المنتِج للوعي و الثقافة و الملزِم سلوكيا.ـ
لابد لنا أن نبدأ من حيث انتهى الرافض للظاهرة، و إشراكه القاسم المشترك بين هذا و ذاك. تبيان النسبي تاريخيا و جوديا و ثقافيا. و هو ذاك النسبي الذي غيّبه الفقهي فجعل من ضده المطلق الذي لا يناقش و لا يتغير.ـ
تحريم الجمع بين الجنسين في مرحلة عمرية و لمراعاة تربوية و نفسية مرتبطة بتطور الحياة النفسية و نشاط الحياة الغددية المنتجة للإفرازات الهرمونية المشجعة على تجربة الحياة الجنسية.ـ
تحريم الخلوة بين الرجل و المرأة إلا إذا كان هناك رابط شرعي أو من إحدى المحارم.ـ
تحريم أو النهي عن الملامسة بين يدي الجنسين، و حتى المقعد المستعمل يتم النهي عن جعله لهما بالتتابع.ـ
أحكام وتوجيهات كثيرة رافقت تربية الأولاد، و ألزمت الكبار بها داخل منظومة متماسكة و مرتبطة بمناخ تطبيق يحكمه جو ثقافي و تنظيم سيكو سوسيولوجي متميز.ـ
كون هذا السياق المنظوماتي المتحكم استمر لقرون عديدة و ما يزال مستمرا في الحاضر و المستقبل، فهذه ملاحظة موضوعية نجدها واقعية و ظاهرة جلية. لكن سياقها داخل المجتمع الأمريكي الناشىء من تشكيل خمسة قرون و صناعة ثقافية ليبرالية جديدة، نجد له متغيرات مع ما تصبو و تهدف إليه الظاهرة.ـ
فداخل دولة تعتمد الشريعة الإسلامية، و تحكم بالمعايير و التوجيهات الإسلامية، و تأخذ شرعيتها في التواجد في إطار الحكم باسم الدين و طاعة الله، فإن أي دعوة لمخالفة التوجيهات الفقهية سيكون مصيرها الصد و الرفض و المنع. و طبعا إذا فتحنا هذا القوس للتعرف على آراء الفقهاء فإننا لن ننتهي من جردها و المقارنة بين استنتاجاتها..ـ
هكذا سنحافظ على ملاحظاتنا في إطارها الموضوعي و المحايد، و ننتقل إلى تناول المعيار الآخلاقي، الذي ربما سيذيب هذا الصخر و يصهره و يفتته بكل معاني و دلالات هذه الأفعال. محاولة لإقناع الآخر بفكرة و إبعاده عن كل تعصب في مناقشتها. و هي محاولة تترجمها أغنية ( لا تلعب بالنار).ـ