في مقارنة بين السخرية و التهكم، يرى الأستاذ عبدالسلام بنعبدالعالي أن السخرية هي فن إنتاج المفارقات، في حين أن التهكم هو فن الإحراج و الإرباك و نصب الشرك.
سيكون التهكم فنا لتوليد الأحروجة التي تعتبر تعثرا منطقيا. بينما المفارقة في السخرية فهي تيه أنطولوجي. ما يهم السخرية هو الحصيلة التي تكون معها الأمور وقد تشابكت وتعقدت فغدت قابلة لأن تنفضح، لأن تفضح نفسها في لغة يلتقي فيها المعنى واللامعنى.
((سقراط متهكم، نيتشه ساخر. سقراط يقمع ديونيزوس الذي يظل مختفيا وراءه. أما نيتشه فيضع بين المتهكم التقليدي والحكيم المتعقل شخصية "الشاعر- المغني- الراقص"، حيث تغدو السخرية في الآن نفسه سخرية مأساوية ومأساة ساخرة.
تهكم سقراط لا يخرج عن آغورا المدينة، أما سخرية نيتشه فهي فن التفردات الرحالة والنقاط العشوائية التي لا تنفك تتنقل.)).
«نُضْج المرءِ هو أن يستعيد الموقفَ الجديّ الذي كان يسْتشعِره عند اللعب أثناء الطفولة.».ف.نيتشه
«السّخرية، ذلك البريق الإلهي الذي يكتشف العالمَ في التباسه الأخلاقي، والإنسانَ في عجزه عن أن يحكم على الآخرين. السّخرية: نشوةُ نِسْبيةِ الأشياءِ البشرية، اللذةُ الغريبةُ التي تتولد عن اليقين بأنْ لا يقين.». م.كونديرا
«إذا كان هناك أمر يشرّفنا، فهو أننا طرحنا الجدّ جانباً، وحملنا محمل الجدّ الأشياء التافهة التي احتقرتها العهود السّابقة ووضعتها في سلة المهملات». ف. نيتشه
هذه الشهادات مأخوذة من مقال لنفس الكاتب عبدالسلام بنعبدالعالي بعنوان : السخرية و مسألة الحقيقة. *عن مجلة الدوحة القطرية.
إننا نرتئي البحث في موضوع قد يبدو منفلتا في جوهره مثل سمك لزج
في أعماق البحار. خصوصا و أننا سنتعامل مع مؤلَّف لكاتب يعتبر في نفس الآن مثقفا و إعلاميا و شاعر و قاصا و روائيا. و ستهمنا الأوصاف الثلاثة الآتية في التعامل معه، و هي : الشاعر و السياسي و الروائي.
ربما نعتمد هذا الترتيب متدرجين معه في التعرف على أسلوب كتابته ومفاتيحه السحرية. و ربما ننخدع معه حيث سيتحايل السياسي في توظيف تمازج و إشاراته الخاصة لغرض نقدي محض تتخلّله سخرية او تهكم.
لكننا سنطرح سؤالا يبدو بسيطا و عاديا : من يسخر ممّن؟ و من يتهكم ممّن؟
هل الكاتب هو الذي يمارس عمليات السخرية في كتاباته و يُضمِّنُها في نصوصه؟ أم إن الشخصيات بطبيعتها الموضوعية و السوسيو ثقافية في تفاعلها مع الواقع و مع اللغة و الثقافة، هي التي تجتر طابع السخرية و التهكم من نماذجها الواقعية داخل مدينة عايشها الكاتب كمناضل و إعلامي و مثقف و شاعر و وزير و روائي متفرغ لرعونة قلمه في حفر الواقع و نسج لوحاته المفرَدة من جديد؟
في قراءة الجزء الأول من علبة الأسماء، نجد توظيفا محكما لبناء محكم، ينطلق من العنوان الذي يختزن أسرار الرواية و متنها، كأنه محيط يكتم بواطنه فلا يكشفها إلا لمن سيغوص في أعماقه. و فعلا، تستدرجنا الشخصيات بتفاعلاتها الحياتية و إغراءات اكتشافها، و تاريخها و عشها و طربها و نجاحها و سقوطها، حتى نجد أنفسنا داخل علبة قضايا منسوجة و معلَّقة في آن، لا ندري حلولا لها. كأننا الذين صنعنا الإشكال و الغموض. و كأننا معنيون بطلاسم العقل الاجتماعي الذي سيكون غارقا في الأوهام و الشعوذة التي يتغذى بها في يوميّه و ينفخ بها الحكايا و يفتح بها أسرار الكون و كنوزه.
هل يكون علينا التمييز بين التهكم و السخرية حتى نبحث عن تجليات كلٍّ على حِدة؟ أمْ إن التمازج طبخة في وصفة بهارات ممزوجة و مختلطة لا يمكنك تذوقها إلا في كليتها و ليس بتجزيئها؟
حينما تقتحم علبة الأسماء ستجد نفسك كقارئ داخل علب متعددة. و هي علب متنوعة بحسب طبيعة تركيبها كذلك. هناك علبة الأسماء السياسية، و هناك علبة الأسماء الاقتصادية، و الأسماء الأسرية الاجتماعية التي يشتبت بها الكاتب للإفلات من خيوط السياسة في تفسير ظواهر المدينة و تدبير البلاد. و الكاتب يقول في إحدى حواراته : «الرواية عمل سياسي وأنا أواصل عبرها ممارسة السياسة» . «على العموم، أعتقد أن الرواية عمل سياسي، بالرغم من أنها إبداع، ولاتوجد رواية غير سياسية، وأنا بطريقة مختلفة أواصل العمل السياسي في الرواية»
سيكون امتداد أدب السخرية نتيجة لتجارب أدبية رائدة عالميا. و سيعمل الكاتب على جعلها في صلب الحكي و جزءا منه. و ما دام شاعرا فقد نجح في مزجه داخل تركيبة مختبرية ناجعة نفد بها إلى أعماق الشخصيات و تفاعلاتها و علاقاتها. كما نفد بها إلى دواليب الحياة الإدارية و السياسية و الاقتصادية المغربية. و هو حينما يعطيك نتيجة اليومي لهذه الشخصيات يقحمك داخل قدريات صنعتها السياسات و ذهب منفذا لها الأفراد.
سنتناول موضوع تجليات السخرية في العمل الروائي علبة الأسماء من خلال مقاربة موضوعاتية بحسب المجالات و الميادين. و كذا من خلال تتبع المفارقات الموضوعية و الذاتية و الحدَثية التي يسطرها الكاتب في منتوجه المُعلّب : علبة الأسماء.
1 - تجليات السخرية الموضوعية بحسب ميادين الحياة :
أشكال المفارقات السياسية و الاقتصادية و الدينية و الثقافية و الادارية و القضائية.
2 – تجليات السخرية الذاتية بحسب مسار الشخصيات داخل الرواية :
أشكال المفارقات الشخصية و السلوكية و المسارية لأبطال الرواية.
3 – رصد درجات الغرائبية في المفارقات و درجات اللمسة السخرية في تناولها.
يجيب الكاتب في إحدى حوارات حول الرواية الجديدة علبة الأسماء بقوله :
وعن خطاب السخرية وسخرية الخطاب الروائي في “علبة الأسماء”، يقر الكاتب بأن الرواية تتسم بنوع من السخرية المبطنة حينا، والظاهرة أحيانا. لكن السخرية عنده إنما هي تقنية في الكتابة وليست موقفا من الحياة. “بالنسبة إليّ، فإنني أرى بأن الأمور ينبغي أن تكون محط شك دائم، وباستمرار. فأنا لا أعتبر الأشياء التي نعيشها جامدة بطريقة قدرية، بل يمكن لنا أن نشحنها بنوع من اللعب والهزل، وفي ذلك سبيل إلى الإفلات من ديكتاتورية القدر المكتوب والنهائي وغير القابل للمراجعة”.
نعم، السخرية أساسية، يؤكد الأشعري، حتى أمام الأشياء القاسية، مثل السجن والتسلط والقهر. وتقديم مثل هذه الأشياء بطريقة ساخرة يجعلها أكثر قابلية للتحمل. وهكذا، فإن المظاهرات التي حدثت سنة 1984، وما نتج عنها من سقوط أرواح ومدافن جماعية، وفظاعات أخرى، تُعالَج من خلال مواقف ساخرة، مثل سقوط مالك في بطولة لم يكن يتطلع إليها، أو من قبيل مقتل رجل لم يكن على علم بما حدث في المدينة. ومن ذلك اضطرار أمّ إلى دفن صندوق، وإقامة جنازة في مدينتها، من غير جثمان. وفي السجن، هنالك الكثير من المصائر التراجيدية، جرى تقديمها تقديما ساخرا. ذلك لأن الهدف من الرواية ليس التركيز على الجانب المفزع في كل سقوط إنساني. فهذا أمر سهل، وندركه كل يوم في المصائب والحوادث والشدائد التي نصادفها. لكن إدراك عمق الفجيعة وتقديمها من خلال مواقف ساخرة هو استراتيجية روائية، وتقنية في الكتابة، كما تتجلى في الفصل الثاني من الرواية. فالسخرية في هذا الفصل هي أسلوب لترويض مكان شرس بالغ القسوة. والكتابة عن السجن إما أن تكون كتابة شكوى ومراث، وبكائية على الزمن المسروق من حياة الإنسان، أو أن تكون كتابة بالمفارق والهزلي، وتبلغ السخرية مداها، والمفارقة منتهاها، أمام ذلك اللامتوقع في حياة أناس تعرضوا لموقف، أو مصير تراجيدي، يمكن أن يحدث لأي شخص آخر، وليست هنالك قاعدة تثبت أن هؤلاء هم المسؤولون المقصودون بالضرورة. حتى البطل السياسي في السجن إنما هو بطل بالصفة، ذهب لزيارة جدته يوم سقوط عمه قتيلا في مظاهرات 1984. وعليه، فالمصائر في الرواية هي مصائر كشف الالتباس الكبير الذي يعيشه الإنسان في لقائه بالقدر. غير أن المهم، مرة أخرى، هو كيف نوظف هذه المقاربات كلها في الكتابة، وليس في نظرية الكتابة.
( عن الموقع الإلكتروني العرب مخلص الصغير [نشر في 2014\11\30])).
يحتار المرء في تتبعه لمسار المتن الحكائي داخل رواية علبة الأسماء، و خصوصا حينما ينتقل إلى الجزء الثاني، بين غرض الكاتب من منتوجه الإبداعي و طبيعة البناء المركَّب لهذا الإنجاز. كما يحتار في التوافق النفسي مع سيرورة الحكي. كيف يستطيع الانتقال بين الشخوص و الأزمنة و الوقائع و الوضعيات السيوسو ثقافية و سياية و اقتصادية و حقوقية، التي تحكم إطارات حيوات الشخصيات كل واحدة في تمييزها عن الأخرى ثم التقائها بها، ثم تفاعلها مع شبكة عنكبوتية سوسيو حياتية عامة.
لقد اعتاد اعتاد القارئ العربي التعامل مع بطل أو بطلين في القراءة و المشاهدة و التتبع المتعلق بالتجاذب النفسي مع قصة المنتوج الإبداعي المتعامَل معه، سواء كان مرئيا أو مسموعا او مقروءا أو محكيا... و هو اعتياد يصّعب عليه الاستمرار في قراءة صفحات الرواية حيث يحصل له توتر بين لرغبة في معرفة مصائر أحادث و شخصيات، و بين تتبع تركيب هندسي لعالم معقَّد هو عالم المجتمع داخل مدينة معقدة و مركبة و غامضة. لذلك، سنحتاج إلى تعويد ثقافتنا القرائية لكي تتعامل مع نوع آخر من الكتابة يتجاوز الكلاسيكيات التي تلقناها في أدبيات لغات متعددة. و هي عملية صعبة بالنظر إلى المستوى الثقافي و القرائي داخل المجتمع المغربي على الأقل. ذلك أن الرفع من مستوى الوعي و التعامل مع الظاهرة الإبداعية بدرجات ذكاء أعلى، مهمة صعبة تترجمها وضعية التعليم و الإعلام و التلقي في بلادنا. لذلك سنعتبر الكاتب في تحدٍّ و استفزاز لهذا الواقع المتدني للثقافة المجتمعية.
من ناحية أخرى، وعودة إلى بناء الرواية، هناك تمفصل بين جدارين، بين عالمين، بين مدينتين، بين واقعين : عالم المدينة التي تعيش على إيقاعاتها المتنوعة، و عالم السجن الذي تحكمه هو الآخر قوانينه و ظروفه الخاصة.
هناك محاكمة لمدينة تنام على جهل و غرور و أوهام، و تستيقظ على متاهات و احلام. في حين أن الواقع المرير لمدينة السجن بجانبها و وسطها يعيش في ظروف قهر و إهمال، على أن النسبية تجعل الكل بين قوسين و في قفص الاتهام. كلنا يمكننا أن نعيش وضعية السجن. كيف يا ترى سنستقبله و نستضيفه في نفسيتنا؟
يمكننا التعامل مع رواية علبة الأسماء من خلال تناول عنوانها. ذلك ان الكاتب اختاره عن وعي و قصد، و نهج في متنه و سفره الكتابي توريقه و تاثيته في كل مناسبة. و هي عملية تتداخل مع فعل الإبداع الذي لا يتأتى إلا لصاحبه الذي يقوم به طبعا. فالعلبة علَبٌ متعددة. كل مرة يفتح الكاتب واحدة منها و يجعلها لعبة يفكك أجزاءها و يغوص في قوانينها و طبيعة استعمالها و احتمالات نتائجها.
علبة الأسماء، صناديق للاكتشاف و كنوز للاطلاع و إشباع الفضول و معرفة تاريخ و حياة حاضرة و سياسة و اقتصاد قائمين...