عقم التاريخ:
تأتي لحظات تكون فيها الشروط للمجتمعات متاحة لكي تواكب ما فاتها من تطور وتقدم وصلته المجتمعات المتطورة الأخرى والمستفيدة من معطيات العصر الحديث الذي تعيش فيه.والمسألة ليست عقدة نقص أبدا أو تكريس للدونية.في إطار نسبية الواقع و التاريخ،كل الأمم و الأفراد كذلك يكونون في حاجة الى تغيير وتطوير لآليات حركيتهم التاريخية وشروط عيشهم العادية التي تآلفوا عليها
ولتوضيح الأمور فهو حديث عن مجتمعنا المغربي، حتى لا نتيه في بحر معطيات وإشكاليات معقدة مرتبطة بالمجتمعات الأخرى..لكن سيكون لزاما ذكر نقاط التلاقي في كل ما سنحت الفرصة لملاحظته وتسجيله..
الآن امتدت حركة المطالبة بالتغيير والإصلاح إلى كل المجتمعات العربية الإسلامية.فمن اليمن إلى البحرين،إلى الجزائر والمغرب والأردن والسعودية وغيرها من الدول، نلاحظ حركات احتجاج قوية مطالبة بالتغيير و الإصلاح.ولم نذكر تونس ومصر وليبيا التي ذهب ويذهب فيها التغيير إلى ترك نظام الحكم السابق وتعويضه بنظام حكم جديد ستتوافق الشروط وموازين القوى في وضعه على سكة العمل السياسي بما سنحت به إمكانية التحقيق بين الطموح والممكن تحقيقه،ودائما في إطار نسبية تراعي الآخر...
بالرجوع الى المغرب،نسجل نضج نظام الحكم في المبادرة الى موازنة مقترحات التغيير والإصلاح مع درجة الحركات الاحتجاجية التي انطلقت في جل شوارع المدن المغربية.. لكن، من يحلل بعاطفة خائفة من حركة التاريخ، يقول:ها قد انطلقت الدعوة إلى الإصلاح الدستوري، فلماذا استمرار الحركات الاحتجاجية؟
طبعا إذا كان المتسائل بالفطرة دون قدرة على تعميق التحليل الى الموضوعي والواقعي والمنطقي المركب،سنقول هي دعوة معذورة في الملاحظة.لكن، إذا كان الذي يلوم استمرار حركة الاحتجاجات يضمر رفضا سياسيا لها،تكريس واقع يخدم مصالحه هو وليس مصالح المجتمع أو على الأقل مصالح الفئات المطالبة بالتغيير و الإصلاح،نقول له:ليس من حقك هذا الإجهاض والرفض.فالديمقراطية تعني سماع صوت الأخر واستيعاب ما يريد والتهيؤ لأجل تحقيق توازن بين ما أنت تريده وما يرغب فيه الأخر.هذه هي الديمقراطية منحى نحو العدالة والتقليص من رغبات الأنا وسلطة الذات لأجل الموضوع والمشترك في هذا الموضوع... وبسماع ما تطالبه الحركات الاحتجاجية، سنجد مثلا الحديث عن محاربة الرشوة والفساد الإداري والمالي.سنقول للرافض لحركة التاريخ في التغيير والإصلاح: كيف يمكننا محاربة ظاهرة الرشوة المركبة هرميا؟أليس بالنهوض الجماعي والإرادي لأجل تنزيل آليات مراقبة ومحاربة ومحاسبة وتعبئة وتوعية ،الغرض منها تجنيد الجميع ضد الرشوة التي تنخر البلاد و الاقتصاد والمصالح العليا التاريخية للدولة المغربية،حتى إن كل رسم لخارطة عمل كيفما كان ميدانه تصبح معوجة مشوهة بسبب الرشوة..السرطان الذي ينخر شرايين الحياة الطبيعية.سنقول له،إن رؤية الفساد الإداري والمالي واستغلال النفوذ والمنصب لأجل الاغتناء الشخصي والعائلي،وغيرها من أشكال التسلق ولتحول الطبقي الانتهازي التي تمارس من طرف عصبيات متنوعة،كل هذا لا يمكن الانتظار فيه إلى أجل مؤجل في المستقبل،لأن الورم تفشى وإذا لم نبادر الى استئصاله سنصل الى مرحلة فوات أوان الإصلاح والقدرة على الاستماع لنبض قلب هذه الأمة،فنعود للحديث عن السكتة القلبية السياسية التي لأجلها تنازل البعض عن مبادئه وخياراته وأماناته الالتزامية مع مؤيديه المبدئيين...
سننتقل إلى الحديث الآن عن المؤسسات الحزبية والنقابية والجمعوية الحيوية داخل مجتمعنا المغربي.سنجد على أنه لا يمكن الحديث عن إصلاح وتغيير تاريخيين،ما دمنا نجد رؤوس أهراميات متجاوزة تاريخيا.كيف يمكننا الحديث عن الديمقراطية والشفافية والمحاسبة ،ونحن نجد غيابها داخل هذه المؤسسات التمثيلية؟كيف يمكننا الدخول إلى لعبة الديمقراطية الجماعية وقوانين تنظيماتنا الداخلية غير ديمقراطية.كيف يمكننا ان نطالب الشفافية والمحاسبة والنزاهة ونحن لا نحقق كل هذا داخل أحزابنا ونقاباتنا ومناصبنا الجمعوية؟كيف نريد محاربة الريع والاغتناء السريع ونهب ثروات البلاد ،ونحن نستفيد بشكل ممنهج ومنظم من كل هذا؟حتى إننا أصبحنا نجد ممثل تنظيم اشتراكي أو إسلامي يمتلك من الثروات والضيعات والمشاريع والشركات ما يباهي به الاستغلالي الأمريكي والرأسمالي إلي تشبيه بالمرابي المثخن والمتعفن بالشره وراء الربح ونفخ الثروة والبطن معها؟
العقم إذا واضح في حركة الإصلاحات،خصوصا وأننا نطلب من هؤلاء الزعماء النقابيين والحزبيين المشاركة في التعديلات و الإصلاحات وتصور المستقبل السياسي والانتخابي وحتى الدستوري..
ما العمل؟ليس الاقتراح بقوة ما لم يكن إراديا ومنطلقا من قاعدة راغبة في التغيير والإصلاح..ومن هنا فان الحركات الاحتجاجية،تلعب هذا الدور الايجابي في الضغط لأجل ما هو أفضل وأحسن،خصوصا وأنها تتصف بالعلانية والوضوح في مطالبها أمام الملأ؟؟؟
لا خروج من هذا العقم التاريخي الذي سيفوت فرصة التطور الديمقراطي ما لم تبادر شبيبات الأحزاب والجمعيات المدنية والنقابية إلى محاربة الخلود في الكراسي للزعماء الذين ليسوا بتاريخيين إلا على مستوى الاستفادة المادية والفئوية.دور الحركات الشبيبية داخل تنظيماتها هو منطلق أساسي من أجل تحقيق حياة ديمقراطية داخل المجتمع المغربي.الاورتودوكسية التي تسود الجسم السياسي والنقابي بالسن والفكر والممارسة،هي التي تحول دون التطور والتقدم...الشبيبات هي التي ملقى عاتقها أن تحدث التغيير داخل تنظيماتها بالقانون والمبادئ الديمقراطية.إلا إذا كانت مستفيدة طبقيا وريعيا أو منتظرة الاستفادة في إطار تهجين للعمل السياسي يجعل الكل متصفا بالوصولية والانتهازية والنفعية الضيقة على حساب المبادئ.. وما أظن أن الحركات
الشبيبية متصفة بهذا الوصف و هي راضية به...إن تجربة التسعينيات وبدية الألفية الثالثة تبين بالملموس صدق هذه الملاحظات في رصد عمل الأحزاب والنقابات.كثيرة هي الامتيازات التي استغلت بالمنصب السياسي والنقابي والجمعوي لأجل توسيع رقعة الاستفادة العائلية وتوسيع الثروات والضيعات وتأسيس الشركات مرة باسم البنت،ومرة باسم الابن أو الزوجة وهلم جرا مع الولاءات العائلية والقبلية...
أطن أن هذا العقم التاريخي مستفحل في بنية تكويننا وتفكيرنا وسلوكنا،وما لم نقم بمحاربته،فلن نرجو تطورا لهذا البلد.والحديث ليس عن اللحظة الآنية،فالانتهازي مثل مستفيدي الحروب في الإسراع إلى جمع الغنائم من ساحة المعركة،بينما المحاربون قتلى وجرحى ويتامى وأرامل ونيران مشتعلة..
إذن فان الاحتجاج يجب أن يبدأ داخل الوعي ،داخل التنظيم الداخلي للبيت الداخلي أولا من أجل جعله مواكبا للتغيير والإصلاح الخارجي المشكل لبنية المجتمع المغربي.. وتحية ديمقراطية.